|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  16  / 3 / 2018                                 رزاق عبود                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ظاهرة التحرش الجنسي ضد النساء. مساهمة متواضعة!

رزاق عبود
(موقع الناس)

التحرش الجنسي ظاهرة مريضة تتعرض لها النساء في كل المجتمعات مهما اختلفت درجات تطورها، او "تمدنها" ويتعرض لها احيانا الرجال خاصة الاطفال من قبل الشاذين، او المكتومين، كما تحصل في حالات السجون حد الاغتصاب المنظم للسجناء، والسجينات الشباب، وحتى الاكبر سنا اذا تمتعوا/ تمتعن بنوع من جمال الوجه او الجسد.

المدخل المبسط اعلاه، يوضح ،ربما، الشكل الظاهري للظاهرة. اي الحرمان، او الشذوذ. لكن الواقع، ولنركز الان على التحرش الجنسي ضد المرأة، الذي له اسباب "دينية"، لان كل الاديان تقريبا تنظر الى المرأة ككائن ادنى من الرجل، وله حق التصرف بها كأي سلعة.

ويقال مثلا، ان "الدعارة هي اقدم مهنة في العالم"، والسبب "اقتصادي"! في الواقع كانت المرأة، ولا زالت تضطر، في اغلب الحالات، الى بيع جسدها لتعيل نفسها، او أهلها، ولازالت هذه الظاهرة مقبولة للاسف "اجتماعيا" مثلا في الفيليبين وتايلاند لخلفيات دينية واقتصادية ايضا. وتتعرض العاملات/الخادمات من هذين البلدين لاشد حالات الاستغلال الجسدي، والجنسي في كل مكان، خاصة في الخليج العربي. بسبب الاعتقاد انه امر طبيعي في بلدانهم. هذا ليس لتبرئة المجرمين، لكن المجتمعات في هذين البلدين لازالت تنظر الى الدعارة، مثلا، كأمر طبيعي ما دامت الضحية تعيل عائلتها. ولا زال الرجل يعتبر التحرش الجنسي امرا عاديا، او حقا من حقوقه، رغم ما يسببه للطرف الاخر من اذي نفسي وجسدي مزمن!

التكتم على الظاهرة ليس امرا خاصا بالمجتمعات الشرقية، او المتخلفة، او غير المتمدنة، كما نسميها، بل هي ظاهرة منتشرة حتى في اكثر المجتمعات رقيا، وتطورا، وتقدما، و"تمدنا"! حركة الرفض النسائية العالمية "مي تو" تثبت ذلك. فالنظرة المنافقة للمرأة موجودة في كل المجتمعات، وهي نتاج الاف السنين من التمييز، والاضطهاد، والتهميش. كثير من الدول "المتخلفة" منحت المرأة، مثلا، حق التصويت في الانتخاب قبل كثير من الدول الغربية. سويسرا ربما كانت اخر دول العالم "المتمدن" تمنح المراة حق التصويت حيث تاخرت اتحاديا حتى عام 1971 والبرتغال منحت المرأة الحق المتساوي للتصويت عام 1976، ولينخشتاين "ضمن سويسرا" عام 1984. الامر اذن لا علاقة له بالتمدن او التطور، وانما بالنظرة الدونية للمرأة في كل المجتمعات على مر التاريخ!

لنركز على مجتمعاتنا. فالتحرش الجنسي، موجود حتى في البيت، في العائلة الواحدة، من اولاد العمومة، او الخال، او الاقارب الاخرين من زوج الام، او زوج الاخت، اخ الزوج، او حتى من الاخوة ناهيك عن اصدقائهم، او اصدقاء الزوج. مدير المدرسة، اورئيس الجامعة، مسؤول الدائرة، والمعمل، وزملاء العمل هناك. رؤساء، وزملاء المنظمات الاجتماعية، والمهنية، والنقابية، وحتى رفاق، وقادة الاحزاب يتحرشون برفيقاتهم، وزميلاتهم.

الفتاة، لن يصدقها احد ان "ادعت" ان اخوها، او ابن عمها، تحرش بها، وهي تصمت"تتكتم" لانه قد يمنع عنها الاختلاط بالاهل والاقارب، او حضور الحفلات، والمناسبات الاجتماعية، والعائلية. تصبر على التجاوز، وتتحمل الاذى، لكي تنال امرا اخر هو عدم عزلها نهائيا. اضافة الى مايسمى السمعة، او الاخلاق، او القيم، او الزواج مستقبلا.... الخ. فالتكتم فرديا او جماعيا، ليس اختياريا، بل اضطراري، واذ رأينا وسمعنا مؤخرا كيف ان ممثلات مشهورات، وسياسيات معروفات، وكاتبات مرموقات، وبطلات رياضة تعرضن للتحرش الجنسي في امريكا واوربا، وكتمن الامر كل هذه السنين، لاسباب اجتماعية واقتصادية، وشخصية، فكيف حال المسكينة بنت المجتمع الشرقي. اضافة الى محاولات رسم صورة عن مجتمعاتنا كمجتمعات مثالية في حين ان حالها، كأي مجتمع اخر مبتلى بانواع المرض، والعلل، والنفاق الاجتماعي.

الفتاة نادرا ما تعلن ان احدا تعرض لها في المحلة، او الشارع، او المدرسة، او الجامعة، او وهي تنتظر دورها عند المخبز، او المحل، او في الحافلة، او المستشفى، او في العمل...الخ لانها قد تمنع من الخروج من البيت، او مواصلة الدراسة، او الاختلاط بالجيران، او حضور الحفلات والمناسبات العامة. هذا اذا لم تجبرعلى الزواج المبكر، وقطع دراستها، او قتلها "حماية للشرف"! لازلت اتذكر بحرقة عندما دافعت عن فتاة تعرضت للتحرش ثم وجدتها تقطع طريقي متوسلة ان لا اخبر اخيها، او اهلها لانهم سيحبسوها في البيت ويحرموها حتى من التسوق، وهي فرصتها الوحيدة للخروج من البيت بسبب مرض امها. الاسباب الاجتماعية، والاقتصادية هنا وراء التكتم. لا توجد خادمة، او منظفة، اومربية اطفال، او مدرسة "خصوصي"، مثلا في العالم كله خاصة في بلداننا لم تتعرض للتحرش من احد اشخاص العائلة، لكنها مضطرة للتحمل، والصبر لاعالة عائلتها، اوبسسب عقد عمل مجحف وقاس... او حفاظا على سمعتها. كأنه كتب على المرأة ان تتحمل حماقات الرجل الى ابد الابدين.

الرجال يمثلون دائما، للاسف الشديد، النسبة الكبرى من التحرش الجنسي. "رجل" الدين يستغل "دينيا" النظرة الدونية للمرأة، وسلطته الروحية، ومعرفته "اجتماعيا" انها تتعرض للاهانة، او المقاطعة، او العقاب اذا تكلمت. رجل الدين يستغل سلطته ومكانته الدينية للتحرش، والاغتصاب، والزواج باكثر من واحدة، او زواج القاصرات.

و"اقتصاديا" فالرجل في الغالب الاعم المعيل، او رب العمل، او المدير، او الموظف المحتاجة لخدماته. معلم المدرسة، او مديرها قد يستغل سلطته الاجتماعية، والاقتصادية للتحرش، او التجاوز، وحتى الاغتصاب لطالباته، او المعلمات، والموظفات عنده. وهو يعرف جيدا انها بحاجة "اقتصاديا" لراتبها، و"اجتماعيا" تخاف على سمعتها، وتخسر امكانية عملها في مكان اخر، وهذا يحصل في الغرب والشرق.

اعتقد عندما تتطور النظرة الاجتماعية للمرأة، فلا زالت نظرية وشكلية فقط، وعندما توضع قوانين، وتعمم قيم جديدة، وتتجذر اخلاق للدفاع عن المرأة، وحقوقها واحترام كيانها الاجتماعي والسياسي والجسدي، وتترسخ مفاهيم المساواة الكاملة، ربما، تزول هذه الظاهرة، لكن ليس قريبا، فآلاف من سنين استعباد المرأة، والنظرة الدونية لها متشربة في روح، وثقافات، وقوانين، واعراف، وعادات، وتقاليد، واديان الشعوب تحتاج لوقت طويل لان تصبح النظرة المتساوية حقيقة، وليس ادعاءا، او شعارا انتخابيا. فلا زالت المرأة حتى في اعلى المناصب تتعرض للتحرش باشكال مختلفة، حتى ولو بتعليق ساذج.

نعرف انخراط المرأة في العمل بشكل واسع في كل المجالات اثناء الحرب العالمية الثانية، او في العراق مثلا اثناء الحرب العراقية الايرانية وابلت بلاءا حسنا، واثبتت انها لا تقل جدارة عن الرجل، لكن بعد انتهاء الحربين اعادوا المرأة الى مطبخها، واعادوا النظرة الدونية لها في اوربا. قالوا ادت دورها وعاد الرجال لاداء دورهم "الطبيعي". في العراق ابتدعوا "الحملة الايمانية" لتقليص حرية المرأة من بين امور اخرى. وتحجبت المسؤلات، والشاعرات، والعالمات بشكل لم نشهده حتى عند الفلاحات سابقا. حتى جائتنا نائبات في العهد الاسلامي يطالبن بتعدد الزوجات وزواج القاصرات. الموضوع ليس سهلا لكن النضال مستمر.

القوانين قد تؤدي دورها، لكن سيكتبها الرجل في الاعم الاغلب. وكما تقرؤون ففي ارقى المجتمعات الغربية يصعب انصاف المرأة المغتصبة بسسب عدم وضوح التشريعات والتباسها. فالقوانين يشرعها الرجال، او بنفس فحولي متوارث حتى وان خطته نساء. لعل ابرز مثلا آني جدا فيما يخص تفسير القوانين، فان الدنماركي المتهم بقتل الصحفية السويدية يعترف انه "قطع" جسدها لكنه لم "يقتلها". لان القانون لا يحاسب على تقطيع الجسد بل على القتل، وعليهم اثبات انه قتلها. نفس الاشكال قد يشمل احكام، وقوانين، وتشريعات التحرش الجنسي. احد المتهمين بالتحرش ممثل مسرحي وسينمائي مشهور جدا، يبرر تحرشه الوقح انه "اندمج" في اداء دوره. اخر يعمل في التلفزيون ومتهم بالاغتصاب والتحرش يقول انه حاول مساعدة زميلته على النهوض عندما سقطت، وعندما سأله المحقق: اكان ضروريا، ان تمسكها من مؤخرتها لتساعدها؟ اجاب انه تصادف ان تقع يده هناك! لا اقضد ابدا ان التشريعات غير ضرورية او غير فعالة، وانما اقصد ان على المجتمع ككل تغيير نظرته للمرأة. وان على المرأة ان لا توافق، او تتعلل باي حجة او عذر، ولا تتكتم ابدا على امر تعتبره تحرشا، وتجاوزا على حريتها، او مساسا بكرامتها، وشخصيتها. فلقد طال الصمت كما قيل، لكن الذنب يبقى ذنب الجاني، وليس الضحية. فاذا عتبنا على الثاني، فلن نغفر للاول.

في الختام انا لست باحثا احتماعيا، ولا مختصا بشؤون المرأة، وما اكثرهم، لذا اعتذر من القراء لاي خطل، او خطأ في التفسير، او التعبير فما اردت سوى ابداء رأي بسيط وسريع في موضوع صعب، وشائك جدا. اتمنى ان يغنيه الباحثون، والمختصون بالبحث، والتقصي، والردود، والتعليقات الهادئة. مع التقدير والاعتذار!

 

8/3/2018
 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter