| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

مديح الصادق

 

 

الخميس 29/4/ 2010

 

عمال العراق, تأريخ وتحديات

مديح الصادق

للأول من أيار { عيد الشغيلة العالمي } نكهة متميزة يختلف طعمها حسب عوامل عدة, منها طبيعة البلد الذي تقيم فيه من النواحي السياسية, والاقتصادية حيث دور الطبقة العاملة, وتأثيرها في النشاطين المذكورين إذ يشترط ذلك أن يقودها حزبها باتجاه الدور التأريخي المرسوم لها وفق قوانين حتمية التأريخ, وهنا يتدخل عامل هام هو طبيعة نضال الحزب, وموقفه من السلطة القائمة, وموقفها منه, ومدى تأثير كوادره في صفوف الجماهيرعموما, والطبقة العاملة خصوصا, ومن يتعاطف معها؛ بل يلتزم بفكرها من المثقفين الثوريين
.

وهناك عامل مهم آخر يتحكم في رسم صورة واتجاه العمل النقابي العمالي في كل مكان من العالم وهو طبيعة البنية الفوقية للمجتمع التي هي بالأساس انعكاس للنظام الاقتصادي القائم, وما سبقه من أنظمة متعاقبة تلتقي جميعا في قاسم مشترك واحد مبني من حيث الجوهر على الاستغلال, والتهميش للقوى الفاعلة في بناء المجتمع, ومن يؤازرها؛ لكنها تتباين في الأسماء, والأهداف المعلنة, والشعارات البراقة المطروحة لتظليل الرأي العام, خصوصا حين يتفشي الجهل بكل أشكاله, وتسود أمية الوعي السياسي, عندها يسهل على الأنظمة الأحادية إملاء ما يُسهِّل لها تنفيذ خططها ونشر ما يناسبها من أفكار
.

حين نتعرض لدور الطبقة العاملة يلزمنا مسبقا أن نضمن سلامة قيادتها من كل المؤثرات التي تحرفها عن المسار التأريخي المنوط بها كقوة تحدث التغيير المنشود, ومن الجانب الثاني لابد أن نحرص على تحصينها من كل تأثيرات الارتداد والتقاعس, بما في ذلك مساعي النظام السياسي إن كان لا يروق له اشتداد عود طبقة لها دور قد يشكل تهديدا مستقبليا له ولبطانته, ومن ذلك تأثير الارتداد بفعل الأفكار السائدة في المجتمع تلك التي يتعارض جوهرها مع المستقبل المشرق الذي تقود الطبقة العاملة وطليعتها المجتمع إليه
.

بعد هذا التقديم المقتضب سوف أتناول دور الطبقة العاملة في العراق, اجتماعيا واقتصاديا, وسياسيا, إذ ساهمت بفاعلية في بناء بعض المحاور الأساسية لقطاعات الاقتصاد الوطني, وما انعكس جراء ذلك من تغيرات في البناء الأيديولوجي للمجتمع شكل أرضية لاستقبال الفكر التقدمي القائد, المدافع الأمين عن مستقبلها, ودورها المأمول, ذلك الذي مارسته بوعي عند التزامها بخطه الفكري, والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص, فالإضرابات العمالية, والتظاهرات, ودور قيادات النقابات التقدمية في الدفاع عن حقوق العمال, وتعضيدها ومؤازرتها لنضال باقي شرائح الشعب من فلاحين, وكادحين, ومثقفين ثوريين, إذ نلمس ذلك من قوافل شهداء الطبقة العاملة العراقية الذين قدموا أنفسهم قرابين في سبيل حرية الشعب وكرامة الوطن, وغيرهم الذين غصت بهم سجون ومعتقلات لأنهم فضلوا ذلك الخيار على التنازل عما التزموا به من مبادئ, وما عاهدوا أنفسهم وشعبهم على الوفاء به
.

كل ما ذكرنا - على عجل - كان مبررا لأن ينالها تمييع الهوية في عهد نظام كان يخشى من دور الطبقة العاملة؛ بل يعتبرها تهديدا يقض مضجعه, فهي - ومهما حاول - لن تفارق جذرها المتأصل, ولا يمكن حرف مسارها الفكري, فهل يفارق الوليد أمه ؟ مستحيل, لذا كانت الخطة محكمة أيما إحكام بتوجيه إمبريالي عالمي, فقد صدر القرار سيء الصيت بتحويل العمال إلى موظفين, والهدف معلوم مسبقا, إنه رصاصة في هذا الصرح العظيم, ذي التأريخ العظيم, ولما لم يلغِ ذلك دور قياداتها, وجماهيرها, صوَّب الفاشست الفوهات باتجاههم فنالهم ما لم ينسه أبدا كل غيور شريف, من قتل, وتشريد, وتغييب, وتحييد, وظلت الساحة يعبث بها الفاشست, فكان حال الطبقة العاملة مثل حال إخوانهم الآخرين, بين سائر في الركب, أو حائر لا يقوى على الفعل, أو معارض لم يسلم على فروة الرأس
.

ويوم انهار النظام على يد من لابد منه كان المؤمل أن تلقي الطبقة العاملة عن كاهلها كل ما قصم ظهرها من أهوال وآلام, وتأخذ دورها الذي حرمت منه طيلة حفنة من العقود في بناء الاقتصاد الذي تم توجيهه إلى ترسانات الحروب, والتأثير في المسار السياسي نحو العلمانية والتقدم الاجتماعي, وإصلاح ما أفسده النظام الشمولي, بتوظيف الكم الهائل من ثروات البلد باتجاه البناء, والإعمار, والنهوض به ليرقى إلى ما بلغته الدول الغنية مثله من مستويات في شتى المجالات, وأن تمارس دورها الطبيعي في قيادة المجتمع اقتصاديا وسياسيا, معتمدة على خزين فكري وتعبوي اكتسبته طيلة عقود من النضال العسير فكانت نموذجا ناصعا لشقيقاتها في العالم بأسره, والعالم العربي, ودول الجوار
.

لقد اصطدمت الطبقة العاملة العراقية ما بعد عام 2003 بالمزيد من التحديات الجديدة التي كانت مختلفة الأشكال والاتجاهات؛ لكنها متفقة في جوهرها من حيث الوقوف بقوة بوجه كل تيار فكري يخلص البلاد من تراكمات عقود من الذل, والحرمان, والاضطهاد, بطابع تقدمي يلغي الفكر القومي الشوفيني, والفكر الديني المتعصب الذي يتلفع بالدين للوصول إلى غايات مرسومة, وأجندات موضوعة, ومتفق عليها خارج الحدود, وكما حاول امتصاصها فكر الحزب الواحد, فقد تقاسمتها تيارات المحاصصة الطائفية, والشعارات البعيدة كل البعد عن جوهر قضيتها, ودورها التأريخي, فواجهت خطط التسييس السطحي, والتوظيف لصالح بعض الأطراف على حساب الأخرى, وزرع بدائل للقيادات الوطنية للحركة العمالية بحيث تضمن الخضوع والاستسلام لحالات الاختلاس, ونهب الثروات الوطنية, والفساد الإداري, وتقاسم السلطة بدون مقاييس للكفاءة والإخلاص, وبالتالي فقد خسرت الحركة العمالية في العراق ما بعد الاحتلال الأمريكي أهم مرتكزات وجودها, إنه وحدة الصف, ما شكل عقبة يلزمها زمن طويل لإعادة ترتيب بيتها العريق الذي خضبته بدماء زكية, وبطولات, وجولات, وفي غضون هذا الزمن لا بد من تلاحم, وإسناد من كل قوى التقدم والخير لعزل قوى التخلف, والظلام
.

مبارك عيدكم - يا عمال العالم - في عيدكم هذا, فهو عيد المستقبل المشرق لبني الإنسان, هو شعلة تنير ما أشاعه الطغاة من ظلام, هو البذرة الحية التي تنبت في كل تربة, وتلائمها كل المناخات, وهو ابتسامة على شفاه الصغار والأمهات, هو تأشيرة للدخول إلى كل القلوب بلا استئذان, وناقوس ينذر الظالمين بأن ظلمهم حتما يزول لأن دليلكم دوما خيط النور
.

ويا عمال شعبي العظيم الجريح, العراق, نِعْمَ ما وقفتم به بوجه قوى التخلف, والضياع, وسَخَرتم بما بناه الحاقدون من قلاع, وحصون, وما تخندقوا به من متاريس, وخططوا لوأد الحياة, فبئس أفعالهم, وبئس أولئك الذين توهموا أنكم مثلهم دمى تحركها الملالي, ومن خلف الكواليس يديرها الحمائم والصقور
.


 

 

free web counter