| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مصطفى الأدهم

 

 

 

السبت 30/4/ 2011                                                                                                   

 

ويليام وكيت: قصة الإمبراطورية التي بعثت من جديد.

مصطفى الأدهم *

شاهدت يوم أمس كغيري من ال-2 مليار مشاهد وال-8500 صحفي الذي أتوا إلى لندن من أجل تغطية ونقل حدث "زفاف العصر" بين حفيد ملكة بريطانيا العظمى النجل الأكبر لولي عهد المملكة المتحدة الأمير ويليام على حبيبته وزميلته السابقة كيت بعد قصة حب وعلاقة دامت قرابة 10 سنوات. وكان الحفل بحد ذاته حدثا مهما طغى في أغلب وسائل الإعلام على غيره من الأخبار ذات الأهمية ومنها ما يجري في الشرق الأوسط من انتفاضات وثورات.
وكما معروف فأن قيمة الخبر مستقاة من قيمة شخصيته، أو الزمان أو المكان ألخ وبما إن خبر أو حدث الزفاف يتعلق بأحد الأمراء بشكل عام فأن له أهميته وسوقه الإعلامي ومروّجيه ومسوّقيه ناهيك عن زبائنه. مع الأخذ بعين الإعتبار إن أمير خبر الأمس ليس كأي أمير! فهو الخليفة الثاني  في ترتيب الجلوس على عرش الإمبراطورية التي كانت الشمس لا تغيب عنها وعن مستعمراتها. وهو أيضا يتيم الأميرة دايانا التي لها مكانة خاصة في ذاكرة الشعب البريطاني وفي نفس الوقت هي "حبيبة" الصحافة عموما التي راحت "ضحية" أحد مصوريها.

ولا يخفى على المتابع ، أن العائلة المالكة البريطانية ارادت لحفل زفاف ويليام وكيت أن يكون بمثابة السهم الرابح لها. حيث يرفع من رصيد شعبيتها من جديد، ويزيل ما علق في الذاكرة الشعبية والصحافة من فضائح واحزان ملكية، ساهمت بدورها بزعزعة "استقرار" شعبية العائلة المالكة.
وعلى هذه الإرادة عملت "أوركيسترا" العائلة المالكة في بريطانيا بقيادة راعيتها "المايسترو" الملكة اليزابث الثانية ، التي كان لها الكلمة ألفصل في المشهد السعيد والمتقن على صعيد الإخراج دونما "مونتاج" حيث لا مجال للأخير أو الأخطاء أو تعدد الأراء!
لأن الحدث سينقل - ونقل على الهواء من اليفه إلى الياء..
وفعلا نجحت "الأوركيسترا والمايسترو" بنيل الهدف المنشود. حيث أضحى كما كان متوقعا الحفل إلى فرحة وطنية و"زفة قومية" لرعايا التاج. وتجمعت الآلاف المؤلفة منذ الصباح الباكر مفترشة الطرقات التي سيمر فيها موكب العرسان ومعهم الإعلام البريطانية في مشهد عفوي لا نظير له في بلدان الشرق حيث المسيرات التي تسيّر ولا تخيّر. وان هي خيّرت فبين الطاعة أو العذاب!

نجحت الملكة واسرتها في رفع شعبية العائلة المالكة، كما نجحوا في "عرض البساطة" المتقن، حيث لا فستان العروس مكلف ولا هو تصفيف شعرها وهي من وضعت (الميك آب) بنفسها. ولم تكن المظاهر المرئية فوق ما يتقبله البريطانيون. فالعربات وسيارات "الرولزرايز" الكلاسيكية وفرق الخيالة هي جزء من المعتاد الملكي.
والجديد كان في "الميني باص" التي وافقت الملكة على استخدامها لنقل ضيوفها الملكيين، مستغنية عن "اتيكيت" السيارات الكلاسيكية لنقل كل شخصية على حدة.
وبذلك سجلت نقطة ايجابية تضاف إلى سجل "النصر" الذي حازته مع أسرتها يوم أمس، حيث أعلنت بشكل "صامت" التضامن مع الشعب في الأزمة الإقتصادية  من خلال التوفير  بتقليص النفقات جهد الإمكان للحد الإدنى الذي يقبل به القصر من جهة والشارع من جهة أخرى.

غير ان حفل الأمس كان عبارة عن درس - مجاني - يجب الإستفادة من سلبياته وايجابياته و أكيد من خلفياته . ومن العبر والدروس المستقاة من درس الأمس (فيما إذا اجرينا مقارنة مع حال الشرق) سنجد التالي:

1. لم تسعى مؤسسة القصر (العائلة المالكة) إلى شعبية زائفة، أو ديكور من الجمهور، كما هو الحال في شرق المسيرات والرشى. فلم تقم مؤسسة القصر بأجبار أو ترهيب أو تخويف الشعب أو من يعمل في الدولة على أن يخرج واسرته تأييدا للملكة. أسرتها ، أو حفيدها وعروسه. كما ولم تقم السلطة المنتخبة ب"اللواكة" للعرش كما هو الحال في الشرق حيث العرش يدير الحكومات بشكل مباشر حين يكن الملك هو رئيس الوزراء أو حينما يدير الحكومة ب"الريموت كونترول" ، فتكون الحكومة عبارة عن مطية ل"صاحب الجلالة" واسرته الحاكمة بأمره وامرها.
كما لم تقم مؤسسة القصر ولا رأسها الملكة بتقديم الرشى المسماة شرقا بالمكرمات "الملكية أو الرئاسية" - حيث يتفضل"جلالته" أو "سيادته" بتوزيع المكرمات والزيادات والعلاوات على أبناء شعبه. في مشهد من مشاهد العبودية الغابرة، وكأن الثروة القومية، والميزانية الوطنية هي ملك "لجلالته" أو "سيادته" وليست ملك للشعب التي يعمل "جلالته" و"سيادته" على خدمته، لا سرقة ماله والتمتع به مع الأسرة الحاكمة ومن ثم استخدامه لرشوة الشعب عند الضرورة على شكل مكرمة، كما حصل مؤخرا في السعودية، حيث قدم الملك "مكرماته" الإقتصادية للشعب من مال الشعب!
أو كما حصل حينما قامت وزارتا الداخلية والبلديات مع أمارة منطقة الرياض بتعليق صور الحاكم في الشوارع والطرقات واخراج الناس من أجل استقبال الملك بعد رحلته العلاجية، في مشهد من مشاهد المسيرات المسيرة وحلقة من حلقات هدر المال العام الذي لا رقيب عليه ولا صاحب له سوى "صاحب الجلالة" أو "السمو" أو "السيادة" ..

2. اظهرت العائلة المالكة في بريطانيا، أنها "تخاف" من رأي شعبها وتحسب له ألف حساب! وتعيره الأهمية اللازمة. حيث اظهرت على الأقل أنها تحاول وتعمل على ارضائه والتجاوب مع "حساسياته" لذلك لم نشهد مظاهر خارجة عن المقبول من المألوف من التقليد البريطاني في مثل هذه الأحداث. وما مشهد الحافلات الصغيرة التي تنقل العوائل الملكية - ضيوف الملكة إلا دليل على هذا التوجه. حيث تم التغاضي عن النقل الفردي للضيوف.
وهذا هو عكس الجاري في شرق التبختر والتبذير والبهرجة الزائفة والتباهي المفرط حد التقزز. وما نشاهده من ما يسرب من خاص وعام الحفلات للعوائل الحاكمة والمسؤولين وابنائهم لهو خير دليل على البون الشاسع بين الصورتين. حيث الأسرة الحاكمة في الشرق لا تبالي برأي شعبها الذي تعامله معاملة الحاشية بما يمتهن الكرامة الإنسانية حد الجريمة.

3. جاء اعلان الحكومة البريطانية عن أن يوم أمس الجمعة هو عطلة رسمية متماشيا مع رأي الغالبية البرلمانية المنتخبة وبالتالي رأي غالبية الشعب - الناخب، لذلك لم نسمع رأي ذو وزن يعارض توجه الحكومة الذي تلاقى مع المزاج الشعبي العام. حيث الجماهير خرجت بمحض ارادتها لتشارك الأسرة المالكة فرحتها، مما حولها إلى مناسبة وطنية ذات بعد شعبي. 
والعكس هو "الصحيح" في الشرق. حيث تتسابق الحكومات غير المنتخبة على ارضاء الحاكم الذي قد يكون هو من يرأسها، ولا أهمية لرأي الشعب. 

4. اظهرت بريطانيا قوتها الناعمة (Soft Power) حيث نجح القصر وبالتعاون مع الحرس الملكي وقوات الجيش والشرطة والأجهزة الإستخبارية على "العبور الأمن" للمشهد المبهج الذي شاهدناه أمس. على الرغم من ضخامة حجم الحفل - الحدث لجهة تواجد رأس الدولة (الملكة) ورأس السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء) وباقي أعضاء العائلة المالكة وضيوفهم والسفراء والوزراء وبقية الضيوف ناهيك عن الجماهير الغفيرة التي افترشت و"احتلت" الطرقات التي يمر بها الموكب الملكي. 
فكما هو معلوم فأن الضيوف كانوا قرابة 1900 في حفل عقد القران في الكاتدرائية وتقلص بعدها العدد تباعا مع مرور الوقت. وما يرافق هذا الكم الهائل من الضيوف والجمهور من صعوبة أمنية لتأمينه حيث كانت التنقلات للعائلة المالكة مكشوفة في بعض الأحيان مما يسهل "الإعتداء أو الإستهداف". 
وعليه كان "المشهد" غير المرئي لحدث الأمس هو النجاح الأمني والاستخباري البريطاني. حيث لا ارهاب ولا تخريب ولا اعتداء ولا أخطاء. يضاف لها مشهد الطائرات المقاتلة القديمة التي لها دلالة من الحرب العالمية والجديدة التي لها هي الأخرى دلالاتها. رغم "العفوية" الظاهرة على اشراكها كهدية من سلاح الجو الذي يعمل فيه الأمير الشاب.

5. الإنضباط الرائع للجماهير التي افترشت الطرقات والشوارع من أجل متابعة الحدث، حيث لم نشهد التدافع والإحتكاك بينها وبين بعضها أو بينها وبين الشرطة التي كان تنظم سيرها نحو القصر الملكي لمشاهدة القبلة الملكية.
وعلى الرغم من ان باب القصر الخارجية كانت مفتوحة في بادرة احترام للجماهير المحتشدة حوله، وعلى الرغم من أن الحراسة كانت عبارة عن أفراد من الخيالة والشرطة فأن الجمهور لم يقتحم القصر ولم يحاول ذلك رغم كثافة الحشد ولم يحصل تدافع من أجل الدخول أو الإقتراب. وهذا دليل على الإنضباط الشعبي والإلتزام التلقائي بالقانون والتعليمات. وهذا ما تفتقده شعوب المنطقة في الشرق بشكل عام يدعو للأسف. 

6. لم نشاهد مشهدا لرجال الدين في الكاتدرائية أو خارجها يسبحون بحمد ولية أو ولي الامر على الرغم من الموقع الديني للملكة على رأس الكنيسة في بريطانيا بما يوازي المكانة الدينية لبابا الفاتيكان.
على العكس من الشرق حيث وعاظ السلاطين - رجال الدين في الأعم الأغلب عبارة عن رجال دعاية وابواق للحاكم بأمره من أجل تمرير ارادته وتبرير كبائره ومحاصرة ومهاجمه خصومه.

وعليه فأن ما ورد أعلاه من دروس مستقاة من عرس ويليام وكيت يوم أمس، هي لكل من الشعب والحاكم في الشرق حيث العلاقة بين كل من الحاكم والمحكوم مرضية غير صحية. فلا المحكوم راض عن الحاكم ولا الحاكم راض عن المحكوم.
فالحاكم ينعت شعبه في الشرق بابشع الأوصاف ابتداء من الحيوانات والحشرات مرورا بالعملاء والخونة والحشاشة! وهو أي الحاكم وابنائه لم يأتوا باردة الشعب انما تسلطوا عليه بحكم الأمر الواقع يمارسون الحكم ويحافظون على السلطة عبر الديكتاتورية والقمع. 
لذلك فأن مرض العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الشرق بحاجة إلى معالجة ، يكون الشعب هو المبادر إليها من أجل انتزاع حقوقه المهدورة وارساء قواعد جديدة "للعبة" بينه وبين من يحكمه وفق القاموس الديمقراطي، والا سنظل نكتفي بالإستمتاع حين نشاهد عرسا قادما في بريطانيا أو أحدى شقيقاتها لأحد الأمراء، وربما يكون صاحب السمو القادم هو الشقيق الأصغر لعريس الأمس الأمير هاري..... 
فهل سنشهد عرسا شرقيا يكون فيه عفوية التلاقي بين الحاكم والمحكوم في علاقة حب واحترام متبادلة ينظمها القانون؟
حيث يعرف كل من الأول والثاني حقوقه وواجباته ولا يعتدي على حقوق الطرف الثاني - مما يحولها إلى فرحة "وطنية" حقيقية غير مفروضة!
أم سنظل كما ورد أعلاه نكتفي بالإنتظار حتى نشاهد عرسا قادما في لندن أو أحدى شقيقاتها ؟
 

30.04.2011
 

* صحفي وكاتب عراقي.
 

 

free web counter