| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مصطفى الأدهم

 

 

 

الأربعاء 2/3/ 2011                                                                                                   

 

تبرير التزوير...!!!

مصطفى الأدهم *

استقال وزير الدفاع الألماني "الدكتور" كارل تيودور تسوغوتنبرغ من كافة مناصبه السياسية والحزبية والتي من ضمنها عضويته "القيادية" في الحزب المسيحي الإجتماعي الحاكم بولاية بافاريا الألمانية وشريك حزب المستشارة انجيلكا ميركل في الإئتلاف الحاكم في بلاد الجيرمان وذلك على خلفية فضيحة أكاديمية طالت الوزير المستقيل الحامل للقب ´بارون´ والمتزوج من سليلة عائلة هابسبرغ الأرستقراطية المعروفة.
القصة بأختصار هي إن الوزير المستقيل كان قد حصل على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة باروث عام 2009 ، لكن هذه الدرجة العلمية الرفيعة حصل عليها كارل بالغش والتزوير لكونه قد نسخ العديد من فقرات اطروحته من رسائل أكاديمية ومقالات صحفية من دون الإشارة إلى مصادرها ، أي إنه قد نسبها لنفسه.
وقد اعترف الوزير ب-"عملته" قائلا إنه ´نسخ عن غير عمد فقرات من تأليف اخرين´ ، مبررا ذلك تحت مع أسماها ب"الظغوط الأسرية والوظيفية"..!
لكن جامعة باريوث أعلنت عن سحبها اعترافها برسالة الدكتوراة التي منحتها لتسوغوتنبرغ ، ووصفه الأستاذ المشرف على الرسالة بالكذب والخداع ، كما ذهب إلى ذلك العديد من الأساتذة والباحثين الألمان الذين وجهوا رسالة مفتوحة إلى ميركل طالبوها بأقالة تسوغوتنبرغ حرصا على سمعة الجامعات والبحث العلمي في البلاد.

لكن الغريب في هذه القصة - الفضيحة هو تبرير كل من الوزير المستقيل لفعلته بما أسماه الظغوط الأسرية والوظيفية - وكأنه بذلك يلمح إلى إنه لم يكن ليجلس على كرسي الوزارة لولا حمله للقلب الدكتوراة!! أو إن زوجته أو أسرته كانت للتتخلى عنه إن لم يكن دكتورا ..! 
لكن مسلسل التبرير الغريب لم يقف عند هذا الحد ، بل إن أكثر حلقاته "اثارة" كانت مع ما صرحت به ميركل للدفاع عن وزيرها الذي يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد والذي كان يعد من أكثر المرشحين قوة للفوز بمنصب المستشارية في الدورة القادمة ، بررت ميركل تمسكها بوزيرها بعد انكشاف الفضيحة وردت على مطالب احزاب المعارضة المطالبة باقالته قائلة "انها اختارته لمنصبه كسياسي وليس كباحث علمي" ..!!! تصورا بربكم هذا العذر الذي كما يقال أقبح من الذنب..
أن ميركل بقبيح عذرها تبرر لكل سياسي أو متنفذ أو حتى مقرب منها ، أن يزور ويغش في البحث العلمي للحصول على درجة علمية كونه يعمل كسياسي وليس في مركز أبحاث، وهذا هو ألمنطق الأعوج بل إنه تبرير أهوج لا أساس له من الصحة ولا نصب له من المنطق.
إن الكذب هو كذب ، والسرقة هي سرقة والغش هو غش والتزوير هو تزوير لا يمكن تبريره لفلان أو دفعه عن علان بحكم "الواسطة" التي يفترض انها لا تمشي في الأنظمة الديمقراطية!..
إن رد ميركل غير الموفق بل قل غير المبرر في دفاعها عن وزيرها المستقيل ، جاء كأي تبرير من أي سياسي "كبير" في الشرق الأوسط يدافع فيه عن تزوير أو تقصير حصل من أحد المقربين منه والسلام - أي لاداعي لأن تكون هناك قصة أو قضية - فالرجل سياسي أذن هو محصن ، والحصانة هنا شاملة كاملة لا أستثناء فيها!
فما عسانا نقول والحال هذه ونحن الذين ابتلينا بالعديد من من زورا وادعوا الشهادات والألقاب لنفس الغايات والمبررات التي كان في نفس تسوغوتنبرغ...
إن السياسي هو شخصية عامة ، رصيده مصداقيته وافعاله فأن طعن في مصداقية لا صدقية إذن لأقواله أو أفعاله ، لأنه فقد أعز ما يملك  في عين شعبه أو ناخبيه ، مما يفقد تلقائيا الثقة به. فكيف والحال هذه يمكن الروكن أو الوثوق بوزير يغش ويزور في دراسته؟
وكيف يمكن أن يؤتمن على مصالح وارواح وامن الناس وهو لا يتورع عن الكذب والسرقة وان كانت أكاديمية وليست مالية..!

المخيب للأمال في هذه القصة هو ، ما يمكن إن يستشف منها من إن أهل السياسة لا يكاد يكون هناك فرق بينهم ، أو في طرق تفكيرهم وتعاملهم مع المقربين منهم ، سواء أكانو من محترفي السياسة في الشرق أو الغرب ، في أنظمة ديكتاتورية أو ديمقراطية وليدة أو ديمقراطية متأصلة كما هو الحال في ألمانيا.
ما جرى في ألمانيا وان كان حالة فردية وليس سلوك جمعي لأهل السياسة هناك ، لكن لأنه حدث في بلد ديمقراطي له عراقته الأكاديمية ، ومن قبل شخص يمكن القول إنه لا ينقصه شيء ، فالرجل "بارون" ومن عائلة مرموقة ومتصاهر مع عائلة معروفة وثري وسياسي كبير وحزبي قيادي لن يضيف له اللقب الشيء الجديد سوى الوقار الأكاديمي والذي كان له أن يحصل عليه لو اجتهد أكثر.
أقول لقد ذكرتنا هذه الفضيحة ، بسلسلة فضائح تزوير الشهادات التي عانى ويعاني منها الوطن والمواطن في للعراق والتي إنتهى أحد فصولها السوداء بأعفاء! - لا يقل سواءا عن محاولة الإعفاء التي حاولت ميركل اعطائها إلى وزيرها المستقيل ، لكنها لم تنجح لنجاح الضغوط السياسية والأكاديمية والإعلامية والشعبية في اجبار تسوغوتنبرغ على الإستقالة كما قال هو في كتاب استقالته "إنه لم يعد يتحمل الهجوم والضغط عليه"..
الظاهر إن أهل السياسة وكما قلنا يتشابهون في السلوك في بعض الجزئيات في الشرق والغرب ، والواسطة يراد لها إن تمشي ما دام التبرير جاهزا لدفاع عن التزوير ما دام ذلك التزوير قادم من جهة "صاحب المعالي" الوزير...!!

 

02.03.2011
 

* صحفي وكاتب عراقي.
 

 

free web counter