مصطفى الأدهم
النرويج واندرس بن لادن
مصطفى الأدهم *
الهجوم الإرهابي الغادر، الذي طال مجمع البنايات الحكومية (رئاسة الوزراء، والمقر العام لحزب العمال الإشتراكي الحاكم) في العاصمة النرويجية أوسلو، وما لحقه من هجوم ثاني، قام به نفس الإرهابي (اندرس بريفيك بهيرنغ)، حيث استهدف شبيبة ´حزب العمال´ الإشتراكي النرويجي، في تجمعهم السنوي الصيفي على جزيرة (اوتايا)، وكانت محصلته حتى الأن (76) قتيل و(7) مفقود، وعشرات الجرحى، غير الأضرار النفسية والمادية، التي طالت الأفراد، وعوائل الضحايا، وما لها من تبعات وانعكاسات على المجتمع النرويجي بشكل عام، والحزب الحاكم بشكل خاص (المستهدف الأول) من قبل العمل الإرهابي الغادر. يتبع ذلك, ما سيطرأ، أو ما يفترض أن يفتح من مسار جديد للنقاش الدائر حول الإرهاب ومخاطره ومنابعه، وما يترتب على ذلك من سياسيات أمنية واستخباراتية، وما يلازمه من مسار سياسي عام على مستوى التشريع والتنفيذ. يقابله نقاش أعلامي و اجتماعي..
فالعمل الإرهابي الذي أصاب النرويج، ذلك البلد الإسكندافي الهاديء، وهزها واحزنها، واحزننا معها، تعاطفا؛ مع عوائل الضحايا الذين هم بالمناسبة من مختلف الخلفيات العرقية والدينية، يشتركون في العضوية في شبيبة ´حزب العمال´ الإشتراكي الحاكم، يساري، منفتح على الأخر. هذا العمل الإرهابي، أثبت بشكل قاطع؛ أن الإرهاب لا دين له، ولا عرق، ولا قومية، ولا لون.
وعليه، لا يمكن ألإستمرار في، حصر الإرهاب رغما عن طبيعته؛ بجنس بشري واحد. أو دين. أو عرق. أو قومية! فهذا خطأ قاتل. يفاقم المشكلة ولا يحلها. لأن هذا الطرح الخاطيء، يتغاضى عن حقيقة جوهرية، لا مناص منها، مفادها؛ أن الإرهاب فكر الغائي. له عدة أوجه قبيحة. تختلف من مكان إلى أخر. ومن زمان إلى أخر، بأختلاف جغرافية الحدث، والمجتمع، والتي لها انعكاساتها البنيوية على الإرهاب؛ فردا أو جماعة.
لكن، المشتركات؛ هي واحدة في الإرهاب. سواء أكان ارهابا أسمر أو أشقر. ومن أهم هذه المشتركات؛ هي الكره. كره الأخر المختلف. واللجوء إلى العنف للحسم. بدل الحوار. والذي يفضي بداية، ونهاية، إلى القبول بوجود اختلاف. يكون مبدئي؛ عند بداية الحوار. و دائم؛ عندما ينتهي الحوار عند نقطة اللا اتفاق. لكن، ميزة الحوار، أن الإختلاف لا يفسد للود قضية. عكس الإرهاب، الذي ينظر إلى الإختلاف، والمختلف، على أنه عدو. تجب ابادته.
فالإرهاب المتلبس بلباس ديني، يعتمد إلى تكفير الأخر. فيجرده من عصمة؛ دمه وماله وعرضه، التي كفلها ألدين. لنزاع الشرعية الدينية عن خصمه/الأخر، وأخراجه من الملة والدين، بشكل قسري، بل وجاهل (حيث لا صلاحية للإرهاب والإرهابي للقيام بذلك) فيجعله في خانة العدو الديني ´الواجب المجاهدة´!
واما الإرهاب المتلبس بثوب العرقية أو القومية، فيعمد إلى تحقير خصمه؛ عرقيا و قوميا. واخراجه من خانة الادامية. ووضعه في مصاف؛ الجراثيم والحيوانات والآفات المضرة، الواجب ابادتها، تخلصا من شرورها المستطيرة المزعومة على العرق، والقومية، والثقافة والمجتمع.. والإرهاب الممزوج بالقومية السياسية، فيعتمد على تخوين الخصم، سواء أكان الخصم سياسي أو اجتماعي، فردا أم جماعة. فيتم اخراجه من، حضيرة الوطنية، ورميه في مستنقع الخيانة. كي يسهل الإنقضاض عليه، ويكافح ´مكافحة الخونة´!
أن ´النواة الجوهرية´، التي تدور حولها ´الإيدلوجية الإرهابية´ في عمومها، هي، العمل على نزع الشرعية عن الخصم. سواء، أكانت هذه الشرعية، دينية عبر تكفيره. أو عرقية؛ عبر تحقيره ´فتحوينه´. أو سياسيا؛ عبر تخوينه. واعطاء المبرر لإبادته؛ جسدا وفكرا. وهذا دليل على الجبن الذي يتمتع به الإرهاب، رغم قوة شره وفداحة اثاره.
أن أسامة بن لادن - الإيدلوجية والعمل - الإرهابي، لم يكن حكرا على دين معين؛ كالإسلام. أو قومية معنية؛ كالعربية. أو جغرافية معنية؛ كالشرق الأوسط. فالإسلام براء من بن لادن، وقاعدته، وارهابه - فكرا وعملا. وكذلك الحال، مع العروبة كقومية، وبقية قوميات وشعوب الشرق الأوسط، كلها براء من الإرهاب؛ فردا وجماعات. والأمر يسري على المسيحية. التي هي براء من ارهاب اندرس بن لادن - ارهابي النرويج -، وكذلك براءة القومية والعرق، منه، ومن ارهابه.
فالإرهاب، لا يستدل عليه، بسواد الشعر. أو سمار البشرة. كما يدعي البعض خطأ. أو تضليلا. أو تعمدا؛ لغايات عنصرية. لا تقل اثارها الجانبية، عن أثار الأعمال الإرهابية. فأرهابي النرويج، هو أبيض البشرة، أشقر الشعر، أزرق العينين. وفوق ذلك كله، يعادي، ويكره، بل ويحتقر، سواد الشعر، وسمار البشرة. ومع ذلك، فهو ارهابي، وقام بعمل ارهابي، ويعترف بذلك، ويتفاخر به. لا فرق بينه في ذلك، وبين أي ارهابي أخر من القاعدة أو طالبان أبناء الإيدلوجية الوهابية التكفيرية، والتي تقابلها على الضفة الأخرى شقيقتها النازية.
أن هدف العمل الإرهابي في النرويج، كان استهدف فكر ´اليسار الإشتراكي الديمقراطي´، والذي يعرف بانفتاحه على الأخر. وتسامحه الإجتماعي. خصوصا مع الأجانب. واليمين المتطرف، والأصولية المسيحية، تعتبر أن اليسار، هو السبب بتواجد المسلمين على أراضيهم، فيما يعتبرونه ´غزوا أسلاميا´، لا بد من مكافحته، والتحرر منه. وهذه نظرة الغائية، وتعسفية، مجانبة للحقيقة.
لقد طال العمل الإرهابي المذكور فيما طال من ابرياء، عددا من المسلمين الشباب، الأعضاء في شبيبة ´حزب العمال´ الحاكم، ومنهم شباب وشابات من العراق، منهم من حالته خطيرة ومنهم من ما زال مفقودا. كالمفقودة العراقية ذات (20) ربيعا رفل، والتي ندعو ونتأمل أن يتم العثور عليها سالمة مع بقية المفقودين، وان يتماثل المصابين إلى الشفاء ونواسي عوائل الضحايا.
أن الحقيقة التي يجب أخذها بعين الإعتبار اليوم، هي، أن الإرهاب في حقيقته، لا يمثل سوى نفسه، وفاعليه. ولا يجوز حصره، بدين، أو قومية، أو عرق، أو لون. فما كان يعتقد أنه ´أسمر´، اظهرت الجمعة الحزينة، أنه ´أشقر´. مما يفتح الباب على مصراعيه، نحو نظرة جديدة، ونقاش جديد، لعمل جديد، كي نتجنب شرور الإرهاب؛ الذي لا يفرق في الإستهداف بين أحدا منا.
25.07.2011
* صحفي وكاتب عراقي.