مصطفى الأدهم
اليمن: جمهورية القبائل المتحضرة
مصطفى الأدهم *
الإنطباع السائد عن المجتمع اليمني عند كل من المتلقي والمتابع، هو إن المجتمع اليمني عبارة عن مجتمع قبلي "متشدد، متخلف، غير متحضر، وغير قابل للتحديث" وهو فوق ذلك مجتمع مسلح لا يمكن السيطرة عليه في حال "فلت الأمر" من عقال السلطة - حيث سيدخل اليمن ´الدولة´ في حرب أهلية ذات طابع قبلي وايدلوجي متطرف (تنظيم القاعدة واخوانه) ولها خلفية جغرافية تفكيكية انفصالية - ينتهي بعدها اليمن ´الدولة´ إلى دويلات يمنية متناحرة أو على أقل تقدير متخاصمة، لكنها جميعا متخلفة، متطرفة، عميلة لجهة خارجية، وعدوة لمن حولها وبالطبع ل"الحليف الدولي" - الصديق ومصالحه في المنطقة!
هذا بأختصار كان السيناريو الذي مافتيء الرئيس اليمني - شبه المخلوع علي عبدالله صالح يروج له هو ونظامه على الصعد السياسية، الديبلوماسية والإعلامية - محليا، اقليميا، ودوليا.
ويمكن الإعتراف بأن العقيد صالح ونظامه قد نجحا في مهمتهما على مدى عقود من الزمن، تربع خلالها صالح على عرش التبابعة حاكما مطلقا وراقصا ماهرا مع الأفاعي - وهو تشبيهه "لفن" حكم اليمن السعيد مع وقف التنفيذ.
ومن نافلة القول أن هنالك شيء من الصحة في قول العقيد صالح. والصحة في هذا الجزئي من قوله، هي من بديهيات الواقع اليمني المعروف و´المعترف به´ حيث أنه وبالفعل مجتمع قبلي محافظ ومسلح.
والسلاح جزء من القيافة اليومية للشخصية الذكورية اليمنية ورمزها الخنجر. ناهيك عن حيازة الأفراد والقبائل على السلاح ومنه الثقيل. والسلاح المنتشر في اليمن، ليس وليد اليوم, انما هو نتاج تاريخ وازمات وحروب مر بها اليمن (الدولة والمجتمع) وما تزال بعض أوجهها ماثلة الأن.
لكن الملفت للنظر هو ما يعرضه اليمن-الثورة إلى العالم وعلى الهواء مباشرة منذ أن انطلقت شرارة ´ثورة الشباب´ في 16 يناير من العام الحالي ومن جامعة صنعاء والمستمرة حتى ساعة كتابة سطور هذا المقال والمرشحة إلى ألإستمرار والتصعيد بعد رفض العقيد صالح يوم أمس التوقيع على المبادرة الخليجية لإنهاء "الأزمة" بنسختها الخامسة وهو المتوقع منه وهو المناور المحترف لفنه المحبب في الرقص مع الأفاعي - أن ما أظهرته الثورة اليمنية من سلمية عالية في التعاطي مع النظام واستفزازاته وقمعه لها - يثير الإعجاب حقا والسبب أن المجتمع اليمني القبلي والمسلح، خاض حربا أهلية ومعارك داخلية ما زالت اسقاطاتها متداخلة مع الثورة اليمنية ومنها الحرب بين الشمال والجنوب وما افرزته من ´الحراك الجنوبي´ الذي له اشتباكاته مع النظام ودعواته السابقة للإنفصال عنه وفق الصيغة القديمة المعروفة ب" الشمال والجنوب" ، وفي الجانب الأخر الحروب المتتالية بين النظام و ´جماعة الحوثي´ في صعدة، ويضاف على المجموع حرب النظام على الإرهاب ومنها تنظيم القاعدة.
فمع هكذا خلفية ومن هذا الواقع وفي ظل هكذا نظام، كانت وما زالت ´ثورة الشباب´ اليمني سلمية - رغم نزول الملايين إلى الشوارع والساحات من مختلف فئات المجتمع وعلى امتداد الجغرافية اليمنية في مظاهرات واعتصامات ومسيرات "مع" و "ضد" النظام ومنذ أشهر وحصول اشتباكات واحتكاكات وحوادث نتج عنها قتل وجرح العديد ورافقها قمع مدان من قبل نظام العقيد صالح. لكن رغم كل هذا ورغم توافر السلاح الخفيف منه والثقيل عند الأفراد والقبائل ورغم وجود الدعوات الإنفصالية والحركات المعارضة المسلحة ورغم نشاط الجماعات الإرهابية في البلد إلا المجتمع اليمني أظهر في وعيه أو اللاوعي تحضرا يحسب له، حيث لم ينزلق إلى مستنقع الحرب الأهلية حتى الساعة، ولم يقع في فخ استخدام السلاح على الرغم من التباين في وجهات النظر بين الركيزة القبلية في المجتمع ممثلة بشيوخها في "مع" و "ضد" النظام والثورة، ورغم انقسام المؤسسة العسكرية بشكل جزئي حول نفس ال"مع" و ال"الضد" وما لهاتين الجهتين من نفوذ وتأثير وسلاح.
ورغم توافر أسباب السقوط في الحرب الأهلية أو النزاع المسلح من التصعيد والإصرار المتبادل بين كل من الثورة والنظام وما بينهما وما لهما من أحلاف وامتدادات قلبية وعسكرية إلا أن "الهارمونية" - شبه السلمية (سلمية شعبية. قمعية من النظام - لكن قمعه أقل من قمع اشقائه من الأنظمة في المنطقة ومنها جاره البحريني) ظلت هي من تحكم ايقاع التحرك العام للمجتمع اليمني - القبلي، رغم عنف النظام وبلاطجته ومحاولاته المستميتة إلى جر الثورة والثوار إلى نزاع مسلح أو النزلاق إلى حرب أهلية لها بعدها الجغرافي أو القلبي كي يستغل الموقف عندها فيستمر متربعا على عرش التبابعة الذي نادمه منذ أكثر من ثلاث عقود من الزمن اليمني الحديث!
ملخص الكلام أن الثورة السلمية للشعب اليمني ذو الخلفية القبلية والمحافظة والمسلحة والموزع على جغرافيات كان بينها حروب ولها مطالب انفصالية نتيجة افرازات العقود الثلاثة لحكم العقيد صالح، اظهرت هذه الثورة وهذا المجتمع وعي عالي ومسؤولية وطنية في التعامل مع الأحداث، ومنها مظاهرات النساء اليمنيات ضد النظام والنصرة الشعبية التي لاقينها تجاه رجعية النظام التي مثلتها تصريحات الرئيس الداعية إلى التخلف بعزل نصف المجتمع عن الحياة والمشاركة في تقرير المصير، وهو الذي كان يدعي برجعية شعبه ومعارضيه تجاه "تقدميته" ونظامه "التحديثي"!
وعليه فأن الصورة العامة والانية ليمن اللحظة هي أكثر تحضرا من يمن-الرئيس الذي كان يمثل الإنطباع السائد عند الجميع. فيمن الثورة بنسخته الحالية ما لم يطرأ عليها تحول قد هزمت وبالضربة السلمية-القاضية النسخة المتخلفة السابقة التي كان يروج لها النظام حتى باتت كما قلنا من مسلمات الأمور. لكن هذه المسلمات اهتزت وسقط بعضها وبدأت صورة جديدة ترسم بحرفية عفوية وبريشة ثورية لأنامل سلمية تعطي انطباعا جديدا أول مفرداته أن المجتمع اليمني ورغم قبليته هو أكثر تحضرا من نظامه ومن الصورة النمطية ألتي زرعها النظام عنه في العقول والتي كانت نتاج كل من التاريخ والجغرافية والموروث وخيال النظام وتفننه في الحكم. فلو حدث ما يحدث الأن في اليمن، في أي بلد أخر له هكذا خلفية، لكان المشهد أكثر دموية من ما نشاهده الأن - حيث الدم يراق من قبل النظام فقط.
19.05.2011
* صحفي وكاتب عراقي.