مصطفى الأدهم
حول أسباب استقالة أئتلاف "العراقية"
مصطفى الأدهم *
صرح الناطق بأسم ائتلاف "العراقية"، حيدر الملا، "بأن كل من الكتلة النيابية والوزارية ونائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء قد وضعوا استقالاتهم تحت تصريف قيادة القائمة". هذه الخطوة التي اعتبرها البعض تصعيدية، اعتبرها استباقية. جاءت بعد أربعة أحداث لها دلالاتها التي لا يمكن تجاوزها، وهي:
1. صدور مذكرة الإعتقال بحق نائب رئيس الجمهورية، طارق الهاشمي، القيادي في "العراقية" بعد اعتقال أفرادا من حمايته، على خلفية عملية تفجير مجلس النواب. بحسب قناة "العربية".
2. استكمال الإنسحاب الأمريكي من العراق. دون قيود أو شروط. ودون بقاء جندي أجنبي واحد أو قاعدة هنا أو هناك (كما كان يطبل الإعلام العربي ويزمر معه بعض قيادات "العراقية"). مع الأخذ بعين الإعتبار أن أية حصانة لم تعطى لا للمدربين الأميركان ولا لغيرهم من حلف "الناتو". وهو ما سحب بساط المزايدة من تحت أقدام "العراقية" الأمر الذي افقدها أهم مهنة احترفتها على مدى اعوام.
3. زيارة رئيس الوزراء، السيد نوري المالكي إلى واشنطن ولقائه مع الرئيس باراك اوباما، لوضع اللبنة الأولى في أساس العلاقات العراقية الأمريكية - بنسختها الجديدة.
4. زيارة الوفد العراقي المفاوض دمشق، بخصوص مبادرة الوساطة العراقية، لحل الأزمة السورية. وهي الخطوة الأولى على طريق "الألف ميل" لإستعادة العراق دوره الإقليمي المحوري الذي خلق له.
ان لكل ضلع من اضلاع هذا المربع أهميته الإستراتيجية على "العراقية" بشكل خاص والعملية السياسية بشكل عام. ففي الإنسحاب الأمريكي من البلد، فشل لكل نظريات المؤامرة التي وضعت قيادات العراقية سيناريوهاتها. واما الوجه الثاني للإنسحاب، فهو ما تعده القائمة نجاحا للمالكي لا بد من سلبه اياه وتحويله إلى فشل؛ وهو ما يشمل كل من الزيارة إلى واشنطن وكذلك الوساطة حول الأزمة السورية.
يقول بعض المراقبين للشأن العراقي بأن هذه التحركات ما هي الا تنفيذ لتعليمات خارجية جاءت من المحور الإقليمي الداعم لل"عراقية"! وهو ما ليس بمستبعد. خصوصا، وان في خروج القوات الأجنبية من العراق دونما قواعد، ومع دخول علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية مرحلتها الثانية القائمة على المصالح المشتركة، واذا ما تنامى دوره الإقليمي، وهو ما سيشكل تهديدا ليس فقط استراتيجيا بل وجوديا على أدوار ومحاور اقليمية في المنطقة. وهو ما لا ترغب به كل تركيا الصاعدة بقوة في الإقليم والتجمع الخليجي بقيادة السعودية؛ التي ما زالت تقاطع العراق لأسباب طائفية مكفنة بحجة وجود قوات أجنبية تارة وعدم وجود مصالحة وطنية تارة أخرى. بينما تستجدي كل من تركيا والسعودية تدخل نفس القوات الأجنبية الخارجة من العراق للدخول فاتحة إلى غيره من البلدان! في مفارقة لا يمكن رسمها الا بريشة طائفية شرق أوسطية !
القشة كانت في صدور مذكرة القاء قبض بحق القيادي في "العراقية" طارق الهاشمي. فهذه تصويبة قضائية في قلب القائمة، لا بد من تحرك مضاد من القائمة لإحتواءها. لانها تطور قد يقلب الطاولة بوجه "العراقية"، ويفقدها ركنا مهما من اركانها بالإضافة إلى مصداقيتها وشرعيتها التي ستكون على المحك! هذا اذا لم يفتح باب التحقيق في كل مشتبه به سابق ولاحق له وصل معها ؟!
في ظل هكذا تطورات عامة وخاصة كلها لا تصب في صالح "العراقية"، جاء هذا التحرك التصعيدي الذي هو في حقيقته التفافة استباقية بصيغة كيدية سياسية على أمل افقاد المربع المذكور أعلاه من محتواه وتجريده من مضمونه، بأفتعال أزمة سياسية كبرى، تشتت التركيز عن أضلاع المربع، بالتركيز على الجو العاصف الذي تحاول القائمة خلقه بتهديداتها التي أعتادت على عدم تنفيذ أغلبها.
كل ما في الأمر، أن ائتلاف "العراقية" يريد وبكل بساطة، أن يوصل رسالة خارجية إلى من يهمه الأمر؛ بأن العراق ليس في أحسن أحواله بعد الإنسحاب الأمريكي، بل على العكس أن العراق غارق في مستنقع أزمة داخلية حادة، لها بعدها الإقليمي كما لها بعدها السياسي والطائفي. كل هذا من أجل الوصول إلى "طائف" عراقي يضمن لمكونات القائمة حصة ثابتة في كعكة السلطة في العراق على غرار "طائف" لبنان الطائفي الفاشل.
17.12.2011
* صحفي وكاتب عراقي.