مصطفى الأدهم
بغداد: القمة أم القيمة؟
مصطفى الأدهم *
لم يفاجئني البتة تصريح وزير خارجية نظام قائممقامية الإحتلال والوصاية السعودية في البحرين حول "طلب دول مجلس التعاون من الجامعة العربية بالغاء انعقاد القمة العربية في بغداد". واعتقد أن هناك من يشاطرني عدم التفاجؤ من هذا "الطلب المؤجل" - أو الذي كان مبيتا إلى حين! والحين هنا، هي أية فرصة يمكن استغلالها من قبل النظام السعودي لاجل اجهاض عقد القمة في بغداد. ذلك أن العداء الطائفي للنظام السعودي للعراق الديمقراطي الجديد واضح "وضوح الشمس في رابعة النهار".
والأدلة أكثر من كثيرة في هذا الشأن :
ابتداءا من عدم التمثيل الديبلوماسي السعودي في بغداد (رغم وجود السفير العراقي في الرياض)، ورغم التحسن الأمني الملحوظ - والذي كان بدوره الذريعة المعلنة لعدم تبادل التمثيل الديبلوماسي. ولا يقف "قطار" الأدلة على العداء السعودي للعراق الجديد في هذه المحطة فقط، بل يستمر في التوقف عند كل المحطات "القذرة" منها دعم الإرهاب لوجستيا. أفتائيا. ماليا واعلاميا، إلى محطات الفتاوى التكفيرية، والتحريض الطائفي، مرورا بسياسة "الحرب الإعلامية" التي يخوضها نظام السعودية بشكل يومي منذ سقوط الصنم، إلى أكثر المحطات علانية ووقاحة في التعامل بين الدول ألا وهي التصريحات الرسمية ذات البعض الطائفي الكريه والتي ادلى بها وزراء واعضاء في العائلة التي تحتكر الحكم والثروة هناك. وما التصريح الأخير لوزير الخارجية العراقي السيد هوشيار زيباري الذي وصف به علاقات العراق بالسعودية ب"الحب من طرف واحد" إلا دليلا جديدا يضاف على عدم جدية هذا النظام في التعاطي الإيجابي مع العراق الجديد - الذي يشكل تهديدا استراتيجيا له على المدى المتوسط والبعيد.
لذلك يعمل هذا النظام الراعي للإرهاب العالمي عبر "فكر" - ´الحركة الوهابية التكفيرية´ بكل الوسائل "نضيفها وقذرها" على منع العراق من لعب دوره الإقليمي في المنطقة ذلك من خلال ألهائه في مشاكله الداخلية.
ومن هذه الخلفية العدائية للنظام السعودي، لم يكن بالشيء الهجين عليه أن يطالب هو أو أحد وكلائه (نظام قائممقامية احتلاله ووصايته في البحرين) بالغاء قمة بغداد، لكن في الوقت نفسه لا بد هنا من "الإشادة" بذكاء وخبث اختيار توقيت طلب الإلغاء. حيث جاء طلب الإلغاء قبيل أيام على انعقاد القمة في ايار القادم ، وبعد أن شارفت الأعمال اللازمة لإنجازها على الإنتهاء، وبعد أن تم رصد وصرف مبلغ أكثر من 400 مليون دولار لإنجاحها - وهو مبلغ أسطوري بكل المقاييس لقمة يحضرها 25 رئيس على مدى يومين!
فخبث التوقيت شكل الحجر الذي "ضربت به السعودية أكثر من عصفور" في العراق. فمن احراج وارباك الديبلوماسية العراقية داخليا وخارجيا، إلى محاولة شق الصف السياسي في العراقي (وهو المشقوق أصلا) من خلال الإيحاء بأن هذا الإجراء جاء بسبب مواقف بعض المسؤولين والسياسيين المناصرة لثورة الشعب البحراني، ودعم معارضي نظام الإحتلال السعودي في البحرين، ناهيك عن "اهدار" النصف مليار دولار (المهدرة) في حال فشل انعقاد القمة، يضاف إلى هذا كله عدم اعطاء أية "مشروعية أو شرعية" - ناهيك عن دور عربي أو اقليمي للعراق الجديد وان كان بروتوكولي دوري - يمكن أن يستشف منه اعترافا بالعراق الجديد.
ومن هنا أخرجت السعودية نفسها من "حرج" الوقوع في "الفخ" العراقي الذي قد يكون قد نصب لها في حال انعقاد القمة وهو الضغط لإستصدار قرار عربي يفعل التوجه إلى تكميل تبادل التمثيل الديبلوماسي مع العراق وهو ما لا تريده السعودية حاليا. وتعمل على عزل العراق اقليميا لإلقاء اللوم عليه في "العجز أو العمد" عن عدم الإنخراط في المحيط العربي مما يسهل و-"يشرعن" اتهامه أي العراق في "الغوص" في "المحيط الفارسي الصفوي" والسباحة في المحيط "الأمريكي الإمبريالي الإستعماري" - وهو المحيط الذي تحترف السعودية فنون الغوص والسباحة والإبحار والصيد فيه وتخاف أشد الخوف من أن ياتيء ذلك اليوم الذي ينافسها فيه العراق مما يعني الشروع في نعي دورها الإقليمي انتهاءا بمراسيم دفنه تحت رمال الصحراء مع النظام الرجعي الحاكم.
وعليه فأن "الطلب الخليجي" ذو الفحوى "السعودية" لم يكن من أجل الغاء القمة في ذاتها، وهي مسألة بروتوكولية شكلية دورية، وان القمة نفسها سوف تكون في أحسن حالتها أقل تمثيلا من سابقاتها لما تمر به المنطقة من ثورات والإطاحة برؤساء وعدم وجود بدلاء، وما يواجه بعضهم الأخر من تحديات وحروب تمنعهم من الحضور وان أرادوا ذلك.
ومن خلال جردة تحليلية سريعة على الوضع العربي الراهن أعتقد بشكل شبه جازم إن´قمة بغداد´ وفي حال انعقادها وفي أحسن الأحوال سيكون التمثيل فيها كالتالي:
على الضفة الإفريقية العربية:
مصر كان سيمثلها في حال انعقاد القمة وزير الخارجية - لصعوبة ترك رئيس المجلس العسكري الأعلى البلد في الظرف الراهن - للإنشغال في أدارة دفة الحكم هناك. وتونس ربما يمثلها رئيس الوزراء (أميل إلى أن يكون وزير خارجية). ليبيا ممنوعة وقد تمثل بوفد من ثوارها. والجزائر لن يحضر رئيسها مخافة الإنقلاب عليه أو فلتان الأمر بغيابه (وان كان الجيش هو من يحكم من خلف الكواليس). والسودان أشك أن تتمثل برئيسها (وان كان الوزير زيباري قد صرح "للشرق الأوسط" أمس أن البشير وعد بالحضور) لأنه مطلوب دوليا واكبر تواجد أمريكي في المنطقة هو في العراق. وملك المغرب شبه معتاد على أن يمثل بالوزير الأول. أما موريتانيا فهي الوحيدة التي يتوقع أن تمثل بالرئيس من المغرب العربي. الصومال لا قيمة فعلية لمن يمثلها وهي التي تخوض حربا أهلية طاحنة - "كحرب البسوس". وجزر القمر لا تشكل ومن بقى أفريقيا رقما وازنا وان تمثلت بالرؤساء.
أما على الضفة الآسيوية العربية :
* شاميا:
سورية مشغولة داخليا. الأردن قد تمثل بشخص الملك أو رئيس الوزراء (أميل أن يكون الملك). لبنان مرهون بشكل التمثيل السعودي لما له تأثير على التوازن الهش لحكم الطوائف هناك. السلطة الفلسطينية قد تشارك بشخص رئيسها محمود عباس اذا لم يتعرضه "فيتو" سعودي.
* خليجيا:
الكويت بشخص الأمير على الأكثر أو ولي العهد. السعودية أضعف تمثيل - وكيل وزير خارجية أو ما دون - ما لم يكن التوجه هو المقاطعة بحجة عدم التمثيل الديبلوماسي أو وجود قوات أجنبية أو ما شاكل. عمان يمثلها وزير الشؤون الخارجية وهذه شبه عادة عمانية لن تستثنى عنها قمة بغداد - خصوصا أنها تشهد حراكا داخليا. الإمارات قد تمثل أما بوفد رفيع كنائب الرئيس أو ولي عهد أبو ظبي أو في حالة أخرى بوزير الخارجية. قطر ربما ولي العهد - للتمرن - أو رئيس الوزراء أو ما دون من ذلك كوزير الدولة للشؤون الخارجية وهو الأرجح. البحرين مرهونة قطعا بتمثيل الراعي السعودي للنظام الحاكم هناك. أما اليمن فتلك قصة أخرى حيث "يكافح" صالح في "التفنن" الذي يحترفه في "رقصه مع الأفاعي" - وبالتالي سيكون تمثيلها منخفض ولا قيمة له.
وعليه، ففي أحسن الأحوال لإنعقاد ´قمة بغداد´ - كان سيكون التمثيل فيها (وان اكتمل النصاب - دون وجود مقاطعة. عدا ليبيا) منخفض جدا واقرب ما يكون إلى اجتماع "قمة" لوزراء الخارجية العرب!
ورغم هذا التمثيل المنخفض حال انعقاد القمة والذي كان سيكون أقرب ما يكون إلى اجتماع لوزراء الخارجية العرب - والذي لن يصدر عنه شيء مهم أو ذو قيمة فعلية على أرض الواقع، أقول حتى هذا لم يرضى به النظام السعودي، فتحرك عبر "سكنه - بكسر السين" وزير خارجية نظام قائممقامية الإحتلال والوصاية السعودية للبحرين وبأسم دول الخليج "من أجل الطلب من الجامعة العربية بالغاء عقد القمة في بغداد" كما هو مقرر - رغم مراعاة العراق للحساسيات والطلبات والهواجس "للأخوة العرب" فقبل بتأجل الإنعقاد من اذار الماضي إلى ايار القادم - بحسب تصريح الوزير زيباري "للشرق الأوسط" أمس. وكل هذا الخبث السعودي ليس من أجل القمة في حد ذاتها بل هو من أجل القيمة!
والقيمة هي ليست "المرقة" العراقية الشهية والدسمة، بل القيمة هنا، هي´القيمة المعنوية´ التي يشكلها "حدث وخبر" انعقاد القمة في بغداد وما قد يحسن العراق الجديد استثماره في الخارج والداخل، سياسيا. ديبلوماسيا. أمنيا. اعلاميا وشعبيا من ورائها. مما سيعد مؤشرا على التحسن الملحوظ في البلد وعودة العراق إلى "الحضن العربي" واستعادة دوره الإقليمي المسلوب منه، وهو الأمر الذي لا يريده النظام السعودي أن يحدث لا اليوم ولا غدا، لان المسألة هي كما قلنا تعد تهديدا استراتيجيا له وخطوة متقدمة نحو نعي دوره الإقليمي في المنطقة مما يهيء لدفنه مع النظام المتخلف في رمال صحراء نجد والحجاز.
16.04.2011
* صحفي وكاتب عراقي.