| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مصطفى الأدهم

 

 

 

الأحد 10/4/ 2011                                                                                                   

 

حول الطائفية والوطنية

مصطفى الأدهم *

يهاجم البعض خصومهم بالوسائل السياسية والإعلامية مرتكزين على "البعبع الطائفي" - أي الخلفية الطائفية للخصم ، عبر حشرها حشرا في الخصومة كونها "السبب أو الدافع" في بعض الأحيان - أو من خلال تشويه متعمد للحقوق الدينية التي كفلها البيان العالمي لحقوق الإنسان بالإضافة إلى التشريعات الدولية. وتكاد تكون هذه هي سمة حصرية في منطقة الشرق الأوسط.
فنرى على المستوى السياسي والإعلامي تشابه بعض من رجال الدين والسياسة والإعلام وحتى الثقافة في الهجوم على خصومهم وتسقيطهم "طائفيا" - عبر دمج خلفياتهم الدينية في المواضيع محل الخلاف وان كانت ذات أبعاد سياسية بحتة!
ومن نافلة القول ، إن لا نرى اختلاف بين أهل الإسلام السياسي أو النهج اليساري أو الليبرالي أو القومي أو حتى من اللادينيين، حينما يتناولون خصومهم أو حينما يريدون التقليل من شأن ظاهرة أو موضوع، فأنهم يعمدون إلى نعث أو نعته بالطائفية مع لازمة ولاحقة أكثر توكيدية ومبالغاتية ك -"المقيتة أو المقززة"...
ونحن هنا لا ننكر وجود أسباب طائفية أو مذهبية في خلفيات الخصومات والإختلافات الدينية أو الفكرية أو حتى الإعلامية، ولا ندعو إلى عدم تشخيص هكذا خلفيات. لكن ما نحاول قوله هنا هو الإضاءة على التعسف الحاصل في حشر الطائفية في كل شاردة وواردة، مما يعد محاولة واضحة للتسقيط والتهريج بإسم الوطنية لا أكثر.

وهذا الأمر يسري على ما يجري في المنطقة من ثورات وانتفاضات شعبية وما رافقها من مظاهرات وتحركات مؤيدة ومعارضة هنا أو هناك. ومن هذه الخلفية يقول البعض إن خروج مظاهرات في العراق لمناصرة شعب البحرين المحتل من القوات السعودية الغازية - انما هي "مظاهرات طائفية" بغض النظر عن حجمها المليوني! وجاء أستخدام كلمة الطائفية لوصم هذه التحركات والمظاهرات بنوع من أنواع "العار أو العيب" أو "اللاوعي" أو "الغباء الجمعي" للجماهير - في محاولة تحقير واضحة للإرادة الشعبية لتلك الجموع البشرية المليونية التي تظاهرات من أجل أهداف تراها هي مشروعة في نظرها.

أن هذا الأسلوب الهجومي انما هو نوع من أنواع التسقيط لأهداف سياسية تارة وطائفية تارة أخرى، تفوح منه رائحة القمع الفكري والفاشية الإعلامية ولا ينتمي إلى الديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، كونه يتعارض وبشكل صارخ مع البيان العالمي لحقوق الإنسان والتشريعات الدولية في هذا الخصوص لجهة ألحق في حرية المعتقد والدين والممارسة لهما، ناهيك أنه (أي هذا الهجوم) يعد شكلا من أشكال الإضطهاد على الخلفية الدينية المذهبية - مما يدخل ضمن البنود التي يمنح على اساسها الإنسان اللجوء.

وحينما يلجأ البعض، وسواء كان هذا البعض (سياسي. ديني. مذهبي. قومي. فكري) إلى فزاعة الطائفية أما يلجأ إلى أسهل الوسائل للتسديد على الخصم أو المخالف أيا كان سياسيا، فكريا أو دينيا فيضربه "تحت الحزام" في محاولة لنزع "المشروعية" عنه وعن مطالبه بوصمها بالطائفية أو ذات الخلفيات الطائفية! وهذا بالتالي سوف يشتت الخصم ويضعفه ويقوي موقف المهاجم.
لكن في الوقت نفسه، يجب طرح السؤال التالي على الأوساط الثقافية والسياسية - التي تسطر قطع الإنشاء في ما تعتبره هي وطنية وذما في ما تعتبره هي طائفية - ما هو الضرر أو العيب أن يتحرك الفرد أو الجماعة لمناصرة (سلميا) من يشاركهم في المعتقد المذهبي؟ وبالأخص عندما يكون تحت الإضطهاد الممنهج؟
ولماذا يكون هذا نوع من أنواع "ألعار" ومدعاة للقدح والذم والهجاء والتسقيط؟
وبالتالي ما هو مفهوم الوطنية والطائفية هنا؟
ومن يمتلك حق التعريف؟
ومن يمتلك حقوق احتكار الوطنية و"الباسها ونزعها" عن الأخرين! - اسئلة كثيرة تفرع منها اسئلة أكثر في حين أن حيز الإجابات يضيق أو يكاد ينعدم!

وعليه فأن خرج مليون شخص في مظاهرة سلمية في الهند لمناصرة شعب التبت الذي يرزخ تحت القمع الشيوعي الصيني الممنهج، فأن هذه المظاهرة تكون فاقدة - بحسب مثقفينا الفطاحل - لإنسانيتها ووطنيتها ، ويصبح هؤلاء الهنود الذين تظاهروا حفنة من ال"همج الرعاع" و"قطعان طائفية عمياء" تسير بدوافع لا وطنية، فقط لأنها أرادت نصرة قضية موجودة على أرض الواقع لشعب موجود يمارس عليه القمع القومي والثقافي! أليس في هذا الصوت دكتاتورية بحتة؟
وكيف يسمح مثقف لنفسه يدعي الدمقرطة والتمدن والتحضر، بان يخالف وبشكل فج البيان العالمي لحقوق الإنسان والتشريعات الدولية التي تكفل للفرد والجماعة حرية اختيار وممارسة المعتقد والدين والمذهب!
ومن هنا نتحدى - مثقفينا وسياسينا - خصوصا مدعي التمدن والدمقرطة - أن يتجرأوا وينعتوا الدلاي لاما بالطائفية أو القومية - للإنتقاص منه - كما يفعلون مع أبناء منطقتهم!؟
وهو الرجل الذي يستمد شرعية نضالة ضد الصين الشعبية من كونه الزعيم الروحي - الديني والقومي للشعب التبتي، ويطالب بكافة الحقوق القومية والروحية والثقافية لشعبه. والعالم المتحضر كله يسانده في هذا ونحن معه، ولم نسمع أحد في الغرب يتجرأ أن ينعته بأنه طائفي أو فاشي كونه يطالب صراحة بحقوق قومية ودينية لها خصوصية.
والحال يسري مع مسألة انفصال الكنيسة الإنجليزية عن الكنيسة الأم في حاضرة الفاتيكان - ألم يكن من أجل أسباب اختلاف طائفية مسيحية بحتة؟ الإجابة نعم. هل يجرؤ أحد ما على نعت حرية الإختلاف هنا بالطائفية مثلا فيفرغ الكنسية الإنجليزية واتباعها من وطنيتهم! - كلا.
وذات الشيء مع موضوع وجود الآيرلنديتين الجمهورية المستقلة والجزء التابع للمملكة المتحدة، فكلا الشعبين من عرق واحد والبلد والإسم واحد وكذلك اللغة، لكن وهنا بيت القصيد، الإختلاف بينهما طائفي، مما أدى إلى الإنفصال.
ومن هذه الخلفية نسأل هل يجرؤ معلق سياسي في الغرب على نعت مستقبلي قداسة البابا في حله وترحاله في أي بلد اروبي أو شرقي بأنهم طائفيون؟ - الجواب كلا. مع العلم أن البابا هو زعيم دولة دينية - لها مذهب - كما نعلم ولا تشمل زعامته كل أبناء الديانة المسيحية.
والشيء بالشيء يذكر من أن "الأنجيليين" في الولايات المتحدة ما زالوا يدعمون وبكل قوة الرئيس في ساحل العاج فقط لكونه مسيحي ولأن نائبه المدعوم دوليا الحسن وتارا هو مسلم! ولم يخرج أي صوت يقمع حريتهم الدينية في المناصرة لمن يشاركهم في المعتقد. على الرغم من أنهم هم فقط من تبقى في العالم يدعم الرئيس العاجي المخلوع!
ومن خيرة الأمثلة حول هذه الجزئية هو ما حصل من تفاعل دولي رسمي وشعبي واعلامي وكنسي بخصوص مسألة استهداف المواطنين العراقيين من أبناء الطوائف المسيحية من قبل الإرهابيين بشكل خاص ومسيحيي الشرق بشكل عام. وما رعاية حاضرة الفاتيكان وفرنسا "الأم الحنون" لمسيحيي لبنان إلا خير دليل على ذلك وهي موطن العلمانية وقلعتها الحصينة، والحال يسري على دعم الغرب الديمقراطي العلماني لأقباط مصر.
وبالعودة إلى موضوع استهداف مسيحيي العراق ، فقط طالبت كبرى دول العالم عبر رؤسائها وزراء خارجيتها وسفرائها، طالبوا العراق بحماية أبناء الطائفة المسيحية، وفتح باب الهجرة (شبه المقفول) واعطاءهم اللجوء الجماعي (للخلفية الدينية) بكل كرم وسخاء. وكان على رأس هذه الدول الكبرى الجمهورية الفرنسية - أم الديمقراطية - والمانيا الإتحادية وغيرها من باقي دول الإتحاد الأوروبي قلاع العلمانية وحصون الليبرالية.

ومن كل هذا ننتقل إلى السؤال الأشمل، وهو لماذا يحق لجماعات التي تتشارك في عقيدة فكرية - آيدلوجية - كانت أم حزبية سياسية أن يناصر بعضها بعضا، في مظاهرات عابرة للقارات والحدود والمحيطات! ولا يحق لاي جماعة تتشارك في عقيدة فكرية دينية كانت أم مذهبية في أن يناصر أعضائها بعضهم بعضا!؟
ألا يعد هذا تحيزا واضحا في أتاحة الفرصة لجماعة دون أخرى، بل يتعدى التحيز ويدخل في خانة القمع على أساس الدين أو المذهب، وهو ما يتعارض مع الدمقرطة وحقوق الإنسان.

الخلاصة، أن مهاجمة الجماهير أو الشعوب أو الجماعات والأفراد و"تعييرها" بأنها طائفية ولا وطنية، فقط لأنها عبرت أو تعبر عن رأيها في مساندة ومناصرة "شقيقها" وشريكها ومثيلها في المعتقد الديني أو المذهبي، لا يمت إلى الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو التحضر بشيء. بل العكس هو الصحيح، انما يعد هكذا هجوم نوع من أنواع الفاشية وجزء من ثقافة الإقصاء (التي تعد ماركة مسجلة لمثقفي الشرق) التي هي أحد ألد أعداء الديمقراطية وروحها في الحفاظ على التعددية وافساحها المجال لحرية المعتقد الفكري والديني والمذهبي وممارستهم بشكل سلمي، لا بل والترويج له والدعوة اليه، ما لم يكن خارجا عن اطار القانون.

وان الروابط المشتركة بين الشعوب والجماعات والأفراد متعددة ، سواء كانت دينية. مذهبية. قومية. ثقافية. تاريخية أو فكرية، ومن حق هذه الشعوب والجماعات والأفراد العمل على تعزيز هذه الروابط المشتركة واعطائها خصوصية. ومن خيرة الأمثلة على هكذا خصوصية في التعامل على خلفية وجود مشترك، هي مجموعة دول الكومنولث ومجموعة دول الفرونكوفونية والإتحاد الأوروبي والمجموعة الإسكندنافية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة الإشتراكية الدولية وغيرها. والمشتركات بين هذه الأمثلة مختلفة من مثال إلى أخر ولا تنحصر في خانة واحدة سوى وجود خصوصية - نقطة مشتركة أو أكثر - بين أعضاء هذه التجمعات.

ومن هنا نقول أن الوطنية والممارسة الوطنية في العراق أو غيره من البلدان، ليست حكرا على الجماعات السياسية أو الدينية أو القومية أو الفكرية أو الثقافية، بل هي حقوق تشمل الجميع بالتساوي، دون تمييز لجماعة على أخرى. ومن يدعي وجود التمييز عبر تقزيم حق باقي الجماعات انما هو اقصائي يريد احتكار الوطنية والحقوق المترتبة منها وعليها له ولجماعته فقط، وهذه لعمري هي ´ثقافة الإقصاء´ بأمتياز.

 

08.04.2011
 

* صحفي وكاتب عراقي.
 

 

free web counter