نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مالوم أبو رغيف

 

 

 

 

الثلاثاء 25 /4/ 2006

 


 

الفضائية العراقية وفشلها الاعلامي
 


مالوم ابو رغيف

عندما تحل فاجعة او كارثة انسانية، مصيبة او بلية مثل تلك التي تحدث في العراق، يسارع الناس في العادة الى معرفة صحة الخبر والاطلاع على ادق التفاصيل من اقرب المصادر و اوثقها. واقرب المصادر هي اجهزة اعلام بلد الحدث. فمن غير المعقول عند انهدام بيتنا نذهب الى الجيران لنسألهم عن الاسباب التي ادت الى انهياره، ولا ان يحدث في بغداد حريق ونهرع الى البصرة لمعرفة الاسباب. و ان يفجر مسلم شبق نفسه في لندن ونسارع لمشاهدة الفضائية المصرية لمعرفة اخر التفاصيل اذا كنا نجيد اللغة الانجليزية. فاصدق الاخبار هي تلك التي تأتي من المصدر ان كان المصدر موثوقا، ديمقراطيا، نزيها، حرفيا، مهنيا، صادقا، سريعا في تغطية الحدث من موقعه، باحثا عن الحقيقة بكل تفاصيلها من الشهود ومن مصادر الشرطة ورجال الامن. محللا للدوافع والاسباب والنتائج، مستقلا في رؤيته بعيدا عن تأثيرات المتنفذين ورجال الدين ورجال السياسة.
يهرع الناس الى فضائيات البلد المعني، الا في العراق، فاجهزة اعلامهم لا يهمها ما يحدث وهي اخر من يعلم حتى في عصر ثورة الاتصالات التي جعلت من العالم قرية صغيرة.
اجهزة الاعلام تحاول جذب اكثر عدد من الناس لمشاهدتها والاستماع الى تحليلاتها، بسرعتها بالتواجد وبنقل الحدث وتغطيته تغطية مباشرة ان استطاعت او غير مباشرة لكنها تحرص على ان تكون كاملة غير منقوصة حسب اهميته. وفي البلدان التي تدعي الديمقراطية وحرية الاعلام وصدق الكلمة تسارع اجهزة اعلامها شبه الحكومية، او المختلطة، لاعطاء صورة عامة تصبح هي الاساس في الانطباعات التي ستتشكل باذهان الناس وتصوراتهم عن الواقعة فيما اذا حاولت بعض الاجهزة الاعلامية الاخرى ، قد تكون اجنبية، التشويه او اضفاء بعض من التوابل التي تثير شهية المشاهد لكنها تؤثرعلى صحته وسلامته السياسية والفكرية ومواقفه العامة.
لقد خسرت فضائية الجزيرة الكثير من مشاهديها لصالح فضائية العربية، ولم تعد المفضلة لدى المشاهد العربي بسبب عدم حياديتها ودسها وتدليسها وتلفيقها، ولم تعد برامجها تثير المشاهد بعد ان تحولت الى تهريج مقاهي وحكايات غيبة ونميمة اشبه بما يدور بحمامات النسوان بينما استطاعت فضائية العربية وبقليل من الانصاف والتوزان ان تثبت في المنافسة الفضائية وتتغلب على منافستها فضائية الجزيرة رغم قلة التوابل والمقبلات التي تضيفها الى اطباقها الخبرية.
بعد سقوط النظام البعثي الهمجي انفردت الفضائيات العربية التي ترتبط بالنظام العراقي الهمجي بوشائج اشبه ما تكون بوشائج المافيات والعصابات السرية، وحاولت سد فراغ غياب اعلام عراقي محترف بمزيد من القئ الاخباري ودس السموم في وجباتها السريعة مغتنمة تلهف الناس الى اشباع جوعهم واطفاء ظمأهم لمعرفة ما يدور في العالم وما يحدث في بلدهم. عقلية اغلب العراقيين التحليلية وعدم ثقتهم بشبكات الدس والتلفيق العربي فوت الفرصة على هذه الفضائيات الصفراء على احداث ما كانت تهدف اليه من اصطدام بالقوات التي اسقطت نظام الهمج الطائفي العنصري بتحريضها المتواصل وقصصها الملفقة.
كان يحدو بنا املا ان تلعب الاجهزة الاعلامية الوطنيةالجديدة دورا متميزا في اشباع نهم العراقيين وتتوقهم الى المعلومة الصادقة غير المتحيزة، بخبرة وحرفية تكسر اسوار العزلة المفروضة على الانسان العراقي، حرفية تثير الاسئلة الثقافية والقانونية والاجتماعية والسياسية، حرفية تولد حالة من الابداع الفكري والفني الذي كان غيابه من اهم عوامل تردي الاوضاع التي نعيش احداثها الان ، ومساهمة جريئة في تحفيز العقل وليس تخديره وتنويمه بقصص وروايات ادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .
لا يمكن ان نلوم الفضائيات العراقية الخاصة، فهذه لها اجندتها السياسية وارتباطاتها غير المعروفة واهدافها المكشوفة وغير المكشوفة، وهي حرة في مناخات فوضى السياسة والدين والشعوذه وحمل اسلاح. لكن ماذا عن الفضائية الحكومية الوحيدة (العراقية)؟
قبل ان يتولى السيد حبيب الصدر مقاليد ادارة فضائية العراقية، كانت كل خطب السيد القبنجي خطيب جمعة النجف، موجهه ضدها، فهاجم السيدة شميم رسام والدكتور جورج منصور ومقدمي البرامج ومعديها ووصف الاغاني والافلام التي تعرضها بانها منحطة، تنشر الاباحية والزندقة والكفر، وهدد بتجيش الجماهير المؤمنه لاجبارها على التخلي عن اي خط لا يرسمه رجل دين ولا يحظى ببركاته ودعمه. هجوم متواصل قاد ان تكون الفضائية العراقية تحت امرة رجل ينحدر من عائلة دينية هكذا يوحي لقبه على الاقل، عائلة لها حظوة والان اصبح لها سطوة، ، فاللقب ومنذ عهد الارجاس ال العوجة اصبح هوية تسمح بالدخول الى اغلب المناطق الحساسة من دون تفتيش ولا سؤال.
الفضائية العراقية، من اسمها ان كان يعكس اهتمامها، معنية بالشان العراقي، طوائف وقوميات وديانات ومكونات وثقافات وميول سياسية وفلسفية واقتصادية فنية وشعرية، لكنها تحولت في فترة السيد حبيب الصدر الى مجرد تكية دينية، تنشد فيها توجهات احزاب سياسية اسلامية، وفي عهد السيد الجعفري، تحولت الى بوق لا يختلف عن ابواق الاعلام الرسمي العربية، يزمر دائما للرئيس الاوحد والمناضل الذي لا يشق له غبار. والاسوء من هذا هو مغادرة كامرات الفضائية العراقية وطاقمها الى السعودية لتنقل وقائع اجتماع عائلي ضهر فيه السيد حسين الصدر يلقي خطبة عصماء يمتدح بها مقتدى الصدر شبيهه بما قاله الفرزدق بقصيدته الشهيرة مادحا فيها الامام زين العابدين

          هذا الذي تعرف البطحاء وطئته               والبيت يعرفه والحل والحرم

بينما ظهر فيها السيد حبيب الصدر جالسا بين يدي مقتدى الصدر خاضعا مطاطئ الرأس في خدمة من ينهي عن لعبة كرة القدم لانها رجس من عمل الشيطان.
الفضائية العراقية ذات طعم واحد، ديني النكهة والرائحة، رغم بعض محاولات اعطاء انطباع بانها غير ذلك بعرض مسرحيات هابطة من المسرح التجاري المصري، او بعض برامج الفن الريفي. لكنها ستقطع برامجها من غير انذار ولا اعتذار في اي وقت لتؤذن للصلاة خمس مرات في اليوم، ثلاثة حسب المذهب الشيعي واثنان حسب المذهب السني. وللتحف اسماعنا بوعظ ديني معاد الاف المرات عن الايمان بالغيب وضرورة النظافة قبل الصلاة. هل نحتاج فعلا الى اذان اذاعي بينما الجوامع والمساجد والحسينيات اكثر من المدارس والمعاهد والكليات.؟
وماذا عن الوحدة والوطنية من خلال الاعلام.؟
اليس من يود الحفاظ على وحدة العراق ارضا وشعبا ان يظهر هذه الدعوة متجسدة في الاعلام.؟
ماذا عن القومية الكردية.؟
هل سمعنا اغاني او رأينا مهرجانا كرنفاليا شعريا او فنيا كرديا.؟
هل تم الاهتمام بطقوس احتفال المسيحيين والايزديين والصابئة والشبك والعلويين باعيادهم الدينية.؟ وماذا عن احلامهم ومشاكلهم وامالهم .؟ ماذا عن فنونهم واشعارهم وابداعاتهم.؟ اليس من يريد تطوير الثقافة والاعلام الوطني ان يحاول فتح كل كنوز الابداع والمعرفة للشعب العراقي.؟
واذا كانت هذه سياسة خاصة لرجال المرحلة الدينية، فماذا عن الاهتمام بالشان الامني العراقي.؟
يوم امس فجرت سبع سيارات مفخخة وسقط العديد من الناس وتم العثور على عشرات الجثث مجهولة الهوية، فأين اعلام الفضائية العراقية من ذلك.؟
كان خبر التفجير خبرا عاديا لم يتجاوز اذاعته سوى دقائق محدودة دلالة على عدم اهتمام المسؤلين اكان في اجهزة الاعلام او في الدولة بحياة المواطنين، فماذا يعني ان تتفجر سبع مفخخات لتقتل عدد من الناس! وماذا يعني اكتشاف عشرات الجثث في النفايات وفي الشوارع!! كل شيئ عادي جدا....
في اي دولة تهتم بالانسان تجد ان كل اجهزة اعلامها تنتقل مباشرة الى الحدث لتنقل بشكل كامل طبيعة الحدث، وطبيعة التفجير، تستفسر وتسأل وتقابل وتتصل بوزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس الوزارء ، وتحاول معرفة اراء رجال السياسة وتستطلع اراء الناس. هل تفعل اجهزة اعلامنا المحروسة ذلك.؟
الاغرب ان نجد ان الاخبار على اختلاف انواعها قد بثتها الفضائيات العربية اما الفضائيات العراقية فنائمة نوم العوافي..نومة بلا قعدة. حتى تصريحات المسؤلين واعلاناتهم المهمة لا نسمعها من خلال هذه الفضائيات وخاصة العراقية. المضحك في الفضائية العراقية انها تنتقل الى بث مؤتمر صحفي لشخصيات مهمة لكن نفاجا ان المؤتمر على وشك الانتهاء وان هذه الشخصية المهمة او تلك تجيب على اخر سؤال لصحفي.
لقد فشلت الفضائية العراقية فشلا في اجتذاب الناس الى مشهدتها وفشلت كذلك بعكس صورة الاحداث وملاحقة تطوراتها، ولم تتوفق باعطاء صورة كاملة عن المجتمع العراقي بمختلف مكوناته.
كل ما لدينا من الاعلام الان هو اعلام ديني لا يمكن له ان يحشد قوى الناس في محاربة الارهاب ويقضي على القتلة. اعلام يوقف الابداع ويجعل الناس ينتظرون معجزة من الله او من اولياءه لانقاذهم من المأساة التي يعيشون فيها. وبعدها هل نستغرب ان استسقت الناس الاخبار من قنوات اخرى غير قناة العراقية لان مياهها راكدة.؟
هل من احد يلقي حجرا في هذه البركة التي تسمى الفضائية العراقية ليحرك مياهها ويزل عنها كل الاعشاب الضارة التي تجمعت في عهد السيد الجعفري.؟