مالوم أبو رغيف
الأحد 19/12/ 2010
الحسين بن علي و ثورة الموقفمالوم ابو رغيف
المثل الذي ضربه الأمام الحسين بن علي في الشجاعة والثبات وعزة النفس وعدم الخضوع والتحدي والقتال حتى النفس الأخير مع معرفته التامة بالعاقبة المفجعة التي تنتظر أهل بيته بعد شهادته، درس اخذ العراقيون منه العبر وترسخ في أذهانهم منذ الصغر وأصبح جزء من طبيعتهم وخلق يميزهم عن غيرهم. لذلك قيل عن العراقيين إن طبيعتهم قاسية، لا يستطيع احد إن يروضهم ولا يخضعهم حتى اعتى الدكتاتوريات مثل الدكتاتورية البعثية رغم كل شراستها ودمويتها عجزت عن إجبارهم ليس على الخضوع وهذا أمر جربوه فكلوا وملوا، فالجبال والاهوار والمدن تشهد بان العراقيين لا يخضعون، إنما حتى على السكون وعدم التذمر والململة.
ثورة الأمام الحسين، هي ليست المطالبة بالتربع على كرسي الخلافة، هي ليست تلك الاستجابة لرسائل أهل الكوفة الذين بايعوه وقالوا لهو أقدم فسيوفنا وقلوبنا وضمائرنا معك. إنها ثورة الموقف، إنها التحدي النهائي واختبار الذات، هي في الاختيار، بين إن يكون تحت امر الخليفة وبين إن يرفض الرضوخ والإذعان ولو كلفه الحياة، هي في رفض الشروط التي اسمعه اياها عمر بن سعد بن الوقاص إن تخضع وتسلم نفسك وتكون قيد ورهن حكم بن زياد وطوع الخليفة.
عندما تكون عزة النفس وكبريائها في الموت بينما في الحياة التنازل والخضوع الذل، وعندما يختار الإنسان الموت عن معرفة ودراية، عندما يُقتل مناصروه وأصحابه وبنوه إمامه واحد بعد الأخر ويبقى صامدا لا ينكسر ويرفض الخضوع، هذه هي القيمة الكبرى ألتي جسدها الحسين بقوله :
قد خيرنا ابن الدعي بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة.
والسلة هي الموت والذلة هي الخضوع والرضوخ..
في هذا الموقف، موقف الإمام الحسين ليس فيه من دين ولا فيه من إيمان، انه موقف أنساني بطولي خالد، انه تحدي أنساني للموت إن يستطيع ولو للحظة تفكير، لبرهة مراجعة التغلب على كرامة الإنسان وكبرياءه ونزاهته مع نفسه أولا.
عندما يحول الروزخونية قصة شهادة الإمام الحسين إلى قصة دينية، إلى موقف عدم رضا أو سخط ديني، لان الخليفة انتهك قانون التحريم، فشرب الخمر وزنا واكل غير الحلال، فوجبت الثورة والخروج عليه، فهل يزيد بن معاوية استثناء.؟ هل ثورة الحسين ثورة ضد الخمر.؟
هل يحاول الروزخونية إفراغ محتوى الموقف من جوهره ليحولونه إلى إن الحسين ضحى بنفسه وبأهل بيته من اجل الإطاحة بخليفة سكران.؟
الم يكن معظم الخلفاء والملوك ولأمراء ممن اتوا بعد يزيد يشربون الخمر ويفجرون بالنساء، وحتى من قبل ثورة الحسين هل خلت مكة أو المدينة وغيرها من البقاع التي حكمها المسلمون من أمراء شربوا الخمر وزنوا وظلموا.؟
من لا يفهم إن ثورة الحسين هي الموقف ضد الرضوخ والاذعان، إن لا يتغلب السيف على قيمة الإنسان وكرامته، من يرجعها إلى أسباب دينية فهو لم يفهمها مطلقا، بل إن ادعاءه فهمها هو محض تلفيق أو إستغباء للآخرين.
إن إرجاع ثورة الحسين إلى أسباب دينية تقليل من قيمتها الثورية الإنسانية وتبسيط لعمقها الفلسفي في تحد الفرد للدولة عندما تكون الدولة تمثيلا للطغمة، عندما تكون الدولة، دولة الحزب الواحد، دولة الفرد الواحد، دولة الدين الواحد، دولة القومية الواحدة دولة العائلة الواحدة.
لم يكن الخلاف بين المسلمين الأوائل أو لنقل بين العرب الأوائل خلافا حول الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الإيمان بالإله، فالله لم يكن ليشغلهم ، يدعون الإيمان به ويدعون تطبيق أوامره ويطبقون حدوده، فيقطعون الأيادي ويرجمون النساء ويصادرون الأموال ويفرضون الجزية وضرائب الزكاة على الفقراء والمساكين.
الإله هو ما يأمر به الخليفة وما يفتي به رجال الدين، كان وما زال حتى اليوم لا نرى صورته إلا من خلالهم، لا نعرف إله غير ذلك الذي يرسم لنا ملامحه الحاكمون وبطانتهم من رجال دين وفقهاء وأئمة جوامع.
الخلاف الأزلي كان وما يزال وسيبقى إلى الأبد خلافا قائما بين الظالم والمظلوم، بين قمة الهرم المتسلط بأمر الله (الخليفة أو الرئيس أو الملك) وبين القاعدة التي يجب إن ترضخ لمن يجثم على صدرها. ومن هنا كانت رسائل العراقيين ورسائل أهل الكوفة للإمام الحسين إن أقدم لنبايعك فلم نعد نتحمل جور الخليفة وظلمة، ليس لقلة إيمانه أو لجهالته بصلاته وصيامه.
وعندما قدم وخُيّر بين أثنين، بين الحياة بذل وبين القتل ذبحا من القفا، اختار الألم والوجع الذي لا يحتمل حتى تصوره وفضله على الحياة إذ كانت الحياة لا تعني إلا موت الأنفة والكبرياء وإزالة العزة والكرامة.
انه تفكير ليس بمهرب اللحظة بل في سرمدية البقاء، في الخلود في التاريخ، والتاريخ ليس أيام ولا سنوات ولا حتى قرون، انه دروس خالدة لن تمحى من ذاكرة الزمن أبدا. وبقى الحسين مجادلة بين الظالم والمظلوم، بين الحاكم والمحكوم ولا يهم من يكون الحاكم حتى لو أحيا الشعائر وسيّر مواكب العزاء فان فيه شيء من يزيد.
قيل لخليفة إسلامي إلا تعط كل ما تملك، هيبتك ومقامك نظير قطرة ماء إن ظنوا بها عليك في صحراء قاحلة، قال بلا والله.
فانظروا للفرق بين الاثنين، بين من يعطي الحياة ليخلد في سرمدية التاريخ مثالا للبطولة والرجولة والكرامة وبين من يعطي كل شيء من اجل إن يعيش.
فدعونا نتساءل..
لماذا تخلى السياسيون الإسلاميون الحسينيون عن مبادئهم الذين كانوا يرفعونها شعارات ومواعظ ومبادئ، ليس نظير قطرة ماء تبقيهم على قيد الحياة فهم يعبون الماء عباً، بل من اجل إن يترفهوا ويبذخوا ويترفوا وتنعم جلودهم فتصير ملساء كملمس جلود النساء.
لماذا يعيشون في القصور بينما تعيش الناس في بيوت كالقبور.؟
لماذا يحلمون بمليارات الدولارات بينما جل أحلام العراقيين اقتصرت على قليل من الماء الصالح للشرب وقليل من الدواء وقليل من الكهرباء!!
حسنا دعونا نعكس السيناريو ونتخيل إن الحسين قد استطاع الانتصار وتغلب على جيش ابن زياد، ترى هل تتخيلون الحسين تحرسه الحمايات مثل ما تحرس رجالات الإسلام السياسي الآن؟
هل تتخيلون إن الحسين سيعيش في قصر الإمارة كما يعيش رؤساء الكتل في قصور صدام حسين وقلاع المنطقة الخضراء؟
الم يكن إمام الزاهدين علي بن أبي طالب خليفة وحاكما فهل سكن القصور وكان له ولعائلته ولأبنائه رواتبا ومخصصات فخمة ضخمة مجهولة المقدار مثل تلك التي لعوائل كبار رجالات الإسلام السياسي.؟
لا علينا بمذهب الوهابية، فهو مذهب معاوية وآل معاوية، علينا بمن لا يكلون ولا يملون من الكلام عن علي بن ابي طالب وعن ابي ذر الغفاري وزهدهما في الدنيا واكتفاءها بالقليل من الخام والقليل من الطعام، هل رأينا أحدا من صغار أو كبار الإسلام السياسي يخطو خطوهما ويتصرف وفق منهجهما.؟
نعود للموضوع، ثورة الحسين ضد الذل ضد الخضوع ضد الاستلاب، ثورة الموقف.. هل جسّد هذه الثورة مجاميع الروزخونية كالفالي والمهاجر ومحمد جمعة وغيرهم من الذين يستغلون المناسبة للربح الشخصي، من الذين يطيلون الحديث ويقصرونه حسب ما يثقل جيوبهم من أموال ويملأ كروشهم من لذيذ الطعام؟
هل جسدها الرواديد الذين كل تفانيهم أنهم يقدمون عرضا إذاعي او تلفزيوني يدر عليهم بالأموال والثروات، أم جسدتها المواكب الحسينية التي كانت وما زالت وستستمر في طرح شعارات الناس ومطالبهم في تحدي جماهيري يثبت انه استلهم الدرس وأعطاه بعدا إنسانيا يتكرر في كل أنحاء العالم؟
لماذا لم نسمع من الروزخونية ما يطالب به الشعب من محاسبة المقصرين من إحالة المختلسين والفاسدين إلى المحكمة وليس العفو عنهم بينما نسمع من المواكب الحسينية كل مطالب الشعب.؟
إن الشعب يمثل المأساة
والإسلام السياسي والمنتفعون يمثلون من تسبب في هذه المأساة.