مالوم أبو رغيف
الأثنين 15 /1/ 2007
الطائفية هي البنت الشرعية للدين
مالوم ابو رغيف
الطائفية هي ابنة الدين السياسي الشرعية، هي ابنة الاحزاب الدينية، هي وليدة الافكار السياسية الدينية، فعندما يسجد الاسلامي المتسيس في محراب السياسة ويترك محراب الرب، عندما يترك الوعظ والارشاد الديني ويتشدق بالتنظيرات والخطب السياسية، عندما يحاول المراوسة بين القرآن والدستور، وعندما يلوي عنق القوانين ويخضعها لقوانين الدين، عندما يؤمن بأن الخيّر من الناس ليس من اطاع القانون وحرص على وطنه وناضل من اجل سعادته، انما من صلى وصام وطاع المرجع الفلاني وعمل وفق اراء السلف واتبّع احاديثهم وحبس المرأة في بيتها والبسها معاطف الشرف الاسلامي السميكة في حر الصيف، فإن هذا السياسي لا ينفع في الدين ولا ينفع في السياسة، لا ينفع السماء ولا ينفع الارض لا ينفع الله ولا ينفع الانسان ولا ينتج الا الطائفية كتبرير لاستمراره في الجلوس في مركز القوة.
وها نحن نرى نتيجة الدين على ارض العراق، ليس الان حتى نكون منصفين و دقيقين، بل منذ الايام الاولى التي شن فيها صدام حملته الايمانية البغيظة، منذ ان استُورد الى العراق دنس الوهابية ورجسها، منذ ان نُبش السلف الصالح من قبرة واعيد الى الحياة مصحوبا بخرافات وخزعبلات ما انزل الله بها من سلطان واحاديث ونظريات تحمل تناقضات عهود غابرة متخلفة، منذ ان بنيت مدارس تحفيظ القرآن واجبر الاطفال على حفظه بدلا من المعرفة والكتب العلمية، حدث الصراع بين السنة والشيعة، ليس على مستوى المرجعيات ورجال الدين، فهذا النوع من الصراع وان شئت الخصام، كان موجود ولم يختف في يوم من الايام، فهو صراع ايدلوجي ايماني فقهي ديني قائم ما قام الدين، لكن الصراع الجديد هو صراع يضع المسائل المختلف عليها على بسطة الشارع وليس على بساط البحث، وعندما يكون الدين على بسطة الشارع فإنه مثله مثل اي بضاعة سيكون مغشوشا، رديئا، غير نقي وينتج دلالين دين و شيوخ شوارع.
وما الحالة التي نعيشها الان الا امتدادا للحالة التي احدثها المقبور المجرم صدام، حالة من غياب الوعي والحس السياسي الاجتماعي وتفسير الامور والاحداث تفسيرا دينيا ساذجا، يُنسى فيها البؤس المتولد من حكم صدام والبعث، تُنسى المجازر والمظالم والاغتيالات والاعتقلات والموت تحت التعذيب في اقبية السجون البعثية والخراب والدمار ويُركز فيها على الاختلافات والاحترابات المذهبية، على نشر القوانين والاحكام الدينية وتسيير قطعان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود في الجوامع الصدرية او في محاكمهم الدينية.
واذا كان الاسلاميون الشيعة قد فتحوا ذرعانهم واستعدوا لاحتضان الاسلاميين السنة، مدفوعين بسياسة المحاصصة واقتسام الغنائم وترك الشعب العراقي الذي قاسى امرّ صنوف العذاب على يد البعث وجلاوزته، تركوه يستمر بمعاناته وعذاباته واضافوا اليها انواع اخرى من الحرمان والاهمال والضحك على الحالة المزرية التي هو فيها، اندفع رجال الدين السنة واحزابهم السياسية مشرعين الرماح والسيوف والبنادق صائحين انها محاصصة مجحفة، فحصتنا لا تليق بمكانتنا وغنيمتنا لا تكفينا ولا تكفي حتى علف بهائمنا المفخخة التي استوردناها لفرض شروطنا.
لقد سلك رجال الدين المنضوين تحت راية هيئة علماء المسلمين الارهابية سلوكا تحريضيا على العنف والارهاب، بينما استمرت الاحزاب الشيعية بسياسة التملق والرياء ورفع راية الاخوة الاسلامية في نية لتقسيم العراق بين مرجعيات الدين السياسي للسنة والشيعة تاركة الشعب يُقتل ويُذبح ويُفجر ويموت من العوز والمرض وانعدام الخدمات الاساسية. ورغم التدخل الايراني الحكومي البغيض في الشأن العراقي وسعي الايرانيين واتباعهم البعثيين السوريين الحثيث الذي يلتقي مع هدف وسعي البعثيين والعربان والارهابيين في تحويل العراق الى مستنقع يغرق فيه الامريكيون والعراقيون ، استمرت الاحزاب الاسلامية الشيعية في تشييد اقوى العلاقات واقامة اكبر الصفقات مع ايران ووثقت علاقاتها السياسية والتجارية معها.
لقد كانت مهمة النهوض بالعراق واعماره وتحقيق العدل الاجتماعي مهمة صعبة لا يمكن للاحزاب الدينية ولا لشخصيات قيادتها النهوض بأعبائها حتى لو كانوا مخلصين فما بالك وهم ليس بذاك الاخلاص ولا ذاك الحرص يكثر في اوساطهم الفاسدون والنرجسيون والمرتشون والمتاجرون!
من الصعب الحديث عن تقدم حقيقي سواء على صعيد الامن او على صعيد البناء والاحزاب الاسلامية شيعية اوسنية هي التي تمسك زمام الحكم، ولا يمكن الحديث عن الاخاء والوحدة الوطنية في ظل مناخات الدين الذي ينتج الفرقة والاحتراب. ومع ان الاسلاميون السياسيون وعلى الاخص الشيعة منهم يدعون الى نبذ الطائفية لكنهم بنفس الوقت يحرصون على ان يكون مفرخها ( الدين) هو اساس الحكم. فكيف لهم ذلك.
الاحتراب والقتال اليومي الذي نراه يوميا في العراق، رغم انه مختلف اللبوس، الا انه صراع طائفي في جوهره، خاصة بعد ان تحول البعث الى حزب طائفي شوفيني، يقرن الاسلام السني بالعروبة وينتج قومية مشوهه يربطها المهذب الديني بعاطفته الهمجية وليس العقل والتفكير بنظرته التحليلية. كما ان هذا الصراع قد اتخذ طابعا اقليميا لا يمكن تجاهله، ولعل تصريحات عبد الله حاكم الاردن عن الخطر الشيعي او اتهامات مبارك دكتاتور مصر للعراقيين بعدم ولائهم لوطنهم انما لايران، تشير بوضوح الى اقليمية الطائفية خصوصا بين ايران والسعودية اللتان تناحرهما المذهبي وصراعهما السياسي الطائفي من اهم اسباب عدم استقرار الوضع في العراق، فإيران تدعم جماعة الصدر والسعودية تدعم وتموّل قطعان الارهابيين والضحية ابرياء الناس.
فاذن سيطرة الاحزاب الدينية في العراق، او اجراء تقسيم غنائم عن طريق محاصصة او وفاق وطني بين السياسيين السنة والشيعة، لا ينهي الصراع ولا يأتي بإستقرار، فالاحزاب سنية او شيعية كل منها محسوب على طرف سعودي او ايراني ضمن معادلة الصراع الطائفي على المستوى الاقليمي.