|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  12  / 3 / 2018                                 محمد النهر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



في الذكرى الثلاثين لجريمة الإبادة الجماعية في حلبچة

لماذا دمرت حلبچه ؟

محمد النهر
(موقع الناس)

كانت أجواءاستخدام النظام الديكتاتوري للسلاح الكيمياوي في ربيع1987 منتشرة في جميع أرجاء كردستان ، سواء من ناحية الإستخدام الفعلي للسلاح الكيمياوي ضد السكان ، أو ما تناقله الناس من أخبار واشاعات أو ما بثه أعوان وجواسيس النظام لإرهاب الناس وتخويفهم . في تلك الأجواء نزلنا مجموعة من أنصار حزبنا الشيوعي في قاطع السليمانية وكركوك من جبل قنديل منطقة (دوله كوگه) بعد أن أجبرتنا الظروف العسكرية والإقتتال الداخلي في كردستان إلى اللجوء الى هذه المنطقة الوعرة . نزلنا باتجاه منطقة قرداغ في محافظة السليمانية مرورا بوادي باليسان في محافظة أربيل ، وقد أخذنا احتياطياتنا الضرورية بعد أن علمنا بضرب سهل باليسان وبعض قرى أربيل بالسلاح الكيمياوي من قبل النظام . وجدنا منطقة باليسان خالية من السكان كليا بعد أن كانت ريفا مزدهرا وقرى عامرة ، شاهدنا قرى مهدمة ومحترقة لم يبق منها سوى بعض الماشية والكلاب التي لازالت على قيد الحياة ولكنها فقدت البصر وانتفخت بطونها بسبب تعرضها للكيمياوي ، وخلال تجوالنا لمدة اسبوع في المنطقة لم نشاهد أيا من السكان ، إلى أن وصلنا إلى منطقة قرداغ حيث كانت القرى والريف على حالها السابق والناس يمارسون حياتهم الإعتيادية برغم الأخبار والإشاعات والترقب . وصلنا أولا إلى مقر الفوج التاسع (السليمانية) وبعد ذلك وصلنا مقر قيادة قاطع السليمانية وكركوك في منطقة استيل قرب قرية تكية ، وكان مقر فوج (15 قرداغ – گرميان ) بالقرب من ذلك ، كما كان يوجد مقرخلفي للفوج السابع (هورمان) في منطقة شوي قازي . كان الأهالي في منطقة قرداغ يعيشون أجواء أخبار ضرب باليسان وبهدينان بالسلاح الكيمياوي والتهديد بضرب منطقتهم والإشاعات عن تسميم ينابيع المياه من قبل عملاء السلطة . ولم يطل بنا الوقت حتى ضربت قرية سويسنان القريبة منا بالسلاح الكيمياوي براجمات الصواريخ ، وكعادة الأهالي اتجهوا إلى الملاجئ الخاصة بهم لتقديرهم بأن القصف كان بالسلاح العادي مثل المرات السابقة مما أدى إلى استشهاد 57 مواطن وجرح العشرات وإصابة العديد منهم بالعمى الموقت وآلام في الصدر والرأس . واستقبلت طبابة قاطع حزبنا أكثر من خمسين مصابا وكذلك عملت طبابة حدك وأوك . بعدها عممت طبابة قاطع حزبنا على الأهالي المعلومات الخاصة للتفريق بين السلاح العادي والسلاح الكيمياوي لتجنب الإصابات . وقد عاودت السلطة الفاشية قصف بعض مناطق قرداغ بالسلاح الكيمياوي أكثر من مرة منها قصف قرية دوكان واستشهاد 7 أشخاص وجرح العديد منهم ، غير ان الأهالي تمسكوا بقراهم ومزارعهم مستفيدين من خبرتهم لتفادي القصف . وكعادة النظام تم توثيق إجرامه هذا بكتب رسمية حيث كان يسمي السلاح الكيمياوي بـ (السلاح الخاص) ، وهذا نموذج لذلك :
كتاب سري للغاية وشخصي وعلى الفور من مديرية الإستخبارات العسكرية العامة إلى رئاسة أركان الجيش ، العدد 7371 بتاريخ 31 آذار 1987 : إلى رئاسة أركان الجيش ، الموضوع / استخدام السلاح الخاص ضد .... بـ - مقرات عملاء ايران (يقصد البيشمرگة والأنصار) في حوض قرى (تكيه ، پلك جار ، سويسنان ، التابعة لناحية قرداغ) . وفي كتاب آخر توصي بضرب حوض (بالیسان) والقرى الكائنة قرب الطریق العام (چوارقرنه – خليفان) وعلى أن يكون التنفيذ بواسطة (القوة الجوية ، طيران الجيش ، المدفعية) . وفي أمر آخر التنفيذ بواسطة (القوة الجوية ، القاذفات الأنبوبية والسمتيات ليلا) .

قبل اسبوع من قصف حلبچه بالسلاح الكيمياوي اشتعلت الجبهة العراقية – الإيرانية المحيطة بمدينة حلبچه بقصف مدفعي وصاروخي كثيف ليلا ونهارا . كنا في منطقة قرداغ نتابع الوضع ، خاصة وإن الطيران الحكومي يمر من فوقنا باتجاه حلبچه وكان للفوج السابع (هورمان) لأنصار حزبنا الشيوعي مقروتواجد دائم في المنطقة القريبة من حلبچه ، وكان رفاقه أغلبهم من مدينة حلبچه وريفها ورفاق من المنطقة العربية وكانت قيادة الفوج السابع تزودنا بالمعلومات عن الوضع الميداني أولا بأول من خلال اللاسلكي ، وكذلك كانت تنقل رسائل التنظيمات الحزبية السرية . إلى أن انهارت الجبهة العراقية وانسحبت إلى سهل شهرزور وتقدم القوات الإيرانية ودخولها المدينة مع الأحزاب الكردية ، واضطر الفوج السابع لحزبنا إلى الإنسحاب بكامل قواه وسلاحه إلى سهل شهرزور ومن ثم إلى منطقة قرداغ في تلك الظروف العسكرية الخطرة والمعقدة مستفيدا من الإنسحاب غير المنظم للقوات العراقية والجحوش بحماية الهليكوبترات ، وكان أي خطأ أو أي صدفة سيئة تؤدي إلى التعرف عليهم تعرض حياتهم جميعا للخطر .

في صباح اليوم المشؤوم لقصف حلبچه بالسلاح الكيمياوي في 16-3-1988 كان الطيران العراقي الحربي والإستطلاع والهليكوبتر يجوب السماء بشكل محموم وبمستوى منخفض منذ الفجر، وقبل منتصف النهار أخذت أنباء الفاجعة تتوالى ، لقد ضربت حلبچه بالسلاح الكيمياوي ، وهذه المرة بسموم تقتل فورا ، ولهذا استشهد خمسة آلاف مواطن ، ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال خلال دقائق قليلة لم تسنح لبعضهم فرصة الوصول إلى باب البيت والشارع ، والصور الموثقة التي نشرت فيما بعد تؤكد ذلك ، وكذلك أكثر من سبعة آلاف جريح في مدينة لا يزيد سكانها على 70 ألف نسمة ، واضطر الباقون من المصابين والناجين إلى التوجه إلى إيران كلاجئين .

فلماذا هذا التدمير والإبادة الجماعية لمدينة حلبچه وسكانها ؟
بعضهم من يريد أن يزكي النظام الديكتاتوري يقول لان الايرانيين كانوا لا يزالون في المدينة . وهذه كذبة مفضوحة ، لان الطيران الحربي العراقي والهليكوبتر والإستطلاع والذي له السيطرة المطلقة على الجو كان منذ الفجر فوق المدينة وبارتفاع منخفض ، وهي مدينة صغيرة أغلب بيوتها من طابق واحد وعلى الطراز الشرقي ، وهذا يعني ان الطيران العراقي ذو الخبرة رصد كل شئ في المدينة .

إن سبب هذا التدمير والإبادة الجماعية هو الحقد على مدينة حلبچه وسكانها من قبل نظام عنصري فاشي . وسبب هذا الحقد هو موقف المدينة من هذا النظام .

في الإنتفاضة الأولى في كردستان 1984 التي شملت مدينة السليمانية وبعض الأقضية والنواحي ، والمجمعات القسرية ، لم تساهم مدينة حلبچه في هذه الإنتفاضة إلا بفعاليات بسيطة ، والسبب تركيز قوات النظام وقوات الجحوش على المدينة ، بالإضافة إلى الإقتتال بين الأحزاب الكردية الذي سبب صعوبة وصول الأنصار والبيشمرگة إلى مدينة حلبچه وضواحيها . وبسبب هذا الإقتتال اضطرت العديد من الإحزاب أن تبني مقراتها الرئيسية في جبل سورين صيف 1983 والذي يفصل الحدود بين العراق وإيران ، وكان هناك مقر قيادة قاطع السليمانية وكركوك للحزب الشيوعي العراقي ومقر اللجنتين المحليتين للتنظيم المدني في السليمانية وكركوك ويقعان في منطقة كرجال الوعرة التي يتم الصعود إليها من قرية أحمد آوا مرورا بوادي أحمد آوا وشلاله ، والذي يبعد 10 كم عن مدينة حلبچه وهي منطقة تابعة لناحية خورمال وجنب ذلك استقر الفوج السابع (هورمان) واستقر الفوج التاسع (السليمانية) في منطقة باني شار ، والفوج 15 (قرداغ – گرميان) في منطقة خورنوزان ، وكانت لدى الفوج 15 قوة تعمل في منطقة قرداغ بشكل سري بقيادة الرفيق حمه رشيد أمر الفوج وعضو قيادة قاطع السليمانية وكركوك ، وكان هناك فصيل مستقل في كهف هزاراستون ، هذا بالإضافة إلى وجود مقرات للأحزاب الكردية فكانت قوات هورمان للحزب الديمقراطي الكردستاني في كرژال ، وقوات الحزب الإشتراكي الكردستاني والحزب الإشتراكي الكوردي (باسوك) في منطقة باني شار ، ركزت هذه الأحزاب وقواتها في نشاطها على مدينة حلبچه وضواحيها وعلى ريف شهرزور المجاور لها ، كما كان هناك نشاط (لأوك) في مناطق اخرى من شهرزور والمدينة ، وكان الأهالي وأقارب البیشمرگه يصلون إلى مصيف وشلال أحمد آوا ويلتقون ويحتكون بالأنصار والبيشمرگه . إن هذه النشاطات والإحتكاك بأجواء المدينة وريفها ونشاط التنظيمات الحزبية السرية في المدينة والريف لمختلف الأحزاب ، والظروف القاسية التي تعيشها جماهير المدينة والإضطهاد الذي تلاقيه من قبل أجهزة النظام ، وبوادر التقارب بين الأحزاب الكردية وحزبنا وبين أوك وأمل المصالحة بينهم ، كل هذه الظروف أدت إلى أن تكون مدينة حلبچه هی المبادرة في إشعال انتفاضة الشعب الكردي عام 1986 التي شملت مدينة حلبچه والعديد من النواحي والقرى والمجمعات ، وقد سيطرت الجماهير على مدينة حلبچه لفترة من الوقت فيما التجأت القوات الحكومية والجحوش إلى الثكنات العسكرية والمواقع الحكومية المحصنة ، إلى أن وصلت التعزيزات الحكومية إلى المدينة . وبالرغم من قمع الإنتفاضة إلا أن القوات الحكومية لم تستطع إلى حين ضرب المدينة بالسلاح الكيمياوي من استعادة سيطرتها على المدينة مثل السابق ، بل كانت المدينة في الليل تحت سيطرة الأنصار والبيشمرگه تقريبا ، حيث فتحت عدد من الأحزاب مقرات لها حول المدينة ، وكان للفوج السابع (هورمان) لأنصار حزبنا مفارز ليلية دائمية في المدينة ، وقدم الفوج مسؤوله السياسي الرفيق (يوسف) محسن لفته من أهالي الكوت شهيدا في إحدى الليالي عندما اصطدمت مفرزتهم بكمين داخل المدينة ، وفي النهار كانت الأجهزة الأمنية والجحوش يخشون من الإنتقام منهم ليلا ولهذا خففوا من قبضتهم على السكان . لهذه الأسباب عاقب النظام مدينة حلبچه وسكانها بهذا الشكل البربري ، وحتى لا يتبين للعالم مدى العداء والكره الذي يكنه سكان حلبچه للنظام الديكتاتوري بعد أن فقد السيطرة على المدينة وانسحبت قواته منها ، ومن أجل أن يكون مصير المدينة عبرة لغيرها من المدن والقرى الكردستانية إذا ما فكرت بالتمرد عليه .

لم يفق الناس والعالم من هول صدمة مأساة حلبچه ، ليبدأ النظام الفاشي سلسة هجومات الأنفال سيئة الصيت ،مستفيدا من تجربة المعارك السابقة مع البيشمرگه، فقد عرف بانه لا يستطيع أن يحقق شيئا بالهجوم هنا وهناك ، لذلك قسم كردستان إلى أجزاء متسلسلة ابتداء من شهرزور إلى قرداغ ثم گرميان وشوان ، إلى أجزاء أربيل وبهدينان ، ليحرق ألأخضر واليابس ولتبلغ ضحايا هذه الهجومات 180 ألف من سكان هذه المناطق وتم تدمير وحرق أربعة الاف قرية من أصل 4655 قرية وهدم وتدمير مدرسة 175و 270 مركز صحي و 2450 مسجد و 27 كنيسة . لقد قاوم الأنصار والبيشمرگه وبشكل بطولي في كل مكان ، خاصة أنصار حزبنا لتواجد قواتهم بكاملها في قرداغ وگرميان وقدموا العديد من الشهداء فقد استشهد نصيران لنا واثنان من البيشمرگه التابعة إلى الإتحاد الوطني الكردستاني (أوك) في تازه شار في قرداغ ، وقدم أنصارنا ثمانية شهداء اثر مقاومتهم في قرية باوه خوشين في گرميان ، لقد كانت هذه المقاومة تهدف بالأساس دفاعا عن السكان مما سمح بتسرب عشرات الألوف من الأهالي إلى المدن القريبة ، وفي تقديري انه لولا هذه المقاومة البطولية والتضحيات والشهداء لكان عدد ضحايا الأنفال أكثر من نصف مليون انسان ، كان النظام يهدف إلى تطويقنا في گرميان ومنع عبورنا إلى جبل القوبي في قرداغ هذا الجبل الشهير وملاذ المناضلين إلا انه فشل في ذلك , ومن جبل القوبي عبرنا إلى مناطق أربيل ومن هناك إلى جبل قنديل ومقرنا الخلفي في دوله كوگه .

في ربيع 1989 سنحت لي الفرصة بهوية أحد الأحزاب الكردية بزيارة رفاقنا الأنصار في الفوج السابع (هورمان) وبعض رفاق منظمة مدينة حلبچه للحزب الشيوعي الذين نجوا من الإبادة وهم متفرقين مع عوائلهم في مناطق تواجد اللاجئين في القرى والمدن الكردية في ايران ، وهناك اطلعت عن كثب ما حصل لمدينة حلبچه وعلى معاناة أهاليها ومطالبهم وسعيهم لتحقيق هذه المطالب من الجانب الأيراني والدولي وحماية المساعدات التي تصلهم بعد الحملة العالمية والتضامن الدولي معهم .

واليوم أصبحت قضية حلبچه ليست قضية كردستانية أو عراقية فقط بل قضية عالمية تمس امور الإبادة البشرية ، وتتسع عاما بعد عام حملة التضامن العالمي مع حلبچه وضحايا وأهالي حلبچه ، ولكن مما يبعث على الأسف والحزن إننا نرى ونسمع باحتجاجات أهالي حلبچه المتكررة من الضحايا الذين اصيبوا أو الناجين منهم وعوائلهم ، ومطالباتهم بإنصافهم وتحقيق حقوقهم ، علما ان هذه المطالبات نشأت من الأيام الأولى من الفاجعة ، إذ برغم نزوح المصابين والناجين إلى ايران وبشكل عشوائي إلا انهم استطاعوا تشكيل وفدا منهم إلى قيادة الأحزاب الكردية في كردستان العراق وكذلك إلى قيادة الحزب الشيوعي العراقي شارحين وضعهم وعارضين مطالبهم وكذلك شكواهم من بعض الامور التي حصلت ، وهم يهدفون من هذه المطالب إلى :
- تدويل قضيتهم .
- تعويض الشهداء .
- معالجة المصابين وتعويضهم .
- تعزيز الوحدة الوطنية .
- تطبيق العدالة الإجتماعية بين الناس ومحاربة الفساد .
- محاسبة الدول المصدرة للمواد التي تساهم في صنع الأسلحة الكيمياوية والمطالبة بتعويضات .
- فرض رقابة صارمة على استخدام المواد ذات الإستخدام المزدوج لقطع الطريق على استخدامها من قبل القوى الإرهابية .

إنهم جماهير حلبچه المكتوية بنار الكيمياوي والتي فقدت كل شئ ولذلك نجد روح المطالبة بحقوقهم ومطالبهم لا تحدها حدود ولا غرابة باستمرارهم على هذه المطالب لحد الآن آملين أن تجد طريقها إلى التنفيذ .






 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter