الأحد 5 /11/ 2006
هذيانات (23)
( معونة الشتاء )
متعب المهاجرفي زمن مضى وتحديدا قبل بدء حقبة البعث الاولى ، حينها كنت لما ازل صغيرا ، لكني اتذكر جيدا ان اهلنا كانوا يستعدون للشتاء مبكرا فيعزلوا اشياءا كثيرة اهمها الملابس ويحفظوها في اكياس خاصة كي يرسلوها هدايا للعوائل المتعففه والمحتاجة، حيث يطرق الابواب اشخاص لااعرف الى اي جهة ينتمون او لحساب من يعملون ، كل الذي اعرفه انهم كانوا يجمعون معونة الشتاء ، ولم تقتصر المعونة على الملابس او الاطعمة بل ان بعض الموسرين كانوا يرفقون معها ماتيسر من المال ، وعلى بدائية هذه الطريقة في المساعدة الا انها كانت شكلا من اشكال التكافل الاجتماعي تزيد في الالفة والمحبة ، وحينما كانت العوائل تقدم ما لديها من معونة لم تكن تسأل بل لم يكن يهمها من هم المستفيدين من عطاياهم ، لا يعرفون ان كانوا سنة او شيعة ، عربا او كردا ، او اي ملة اخرى ، المهم انهم قدموا ما يستطيعون لابناء جلدتهم ، تذكرتها الان وانا ارى واسمع كل يوم عن القتل والدمار الذي يمارسه العراقيون مع بعضهم ، كيف ياترى تحول ذاك الود وتلك الالفة الى هذه العداوة ، واي عداوة ؟ انها القتل والتدمير والتخريب في كل شئ ، وقررت ان اهاتف صديقي عبيد الاملح بمناسبة بدء موسم الشتاء في العراق الان واسأله عن (معونة الشتاء ) هل هناك من يتذكرها ؟ ام نساها الكل ، وهل لصديقي عبيد ان يجمع من حوله بعض اهل الغيرة والشهامة لكي يبادروا باحياء هذه الطريقة في المساعدة ؟ وما ان سمع مني اسألتي حتى كركر واجاب : ومن قال لك ان المعونة انقطعت الان؟ بل انها صارت معونة على طول العام وليس في الشتاء فقط . عجبت لرده وسألته كيف ذلك ولم نسمع بها نحن الى الان ؟ فقال مهلك علي وستعرف كل شئ ... ورحت اصغي اليه بأناة حيث شرح لي ما يقصد قائلا : الجميع يعرف حجم البطالة التي تعصف بالشباب اليوم وهؤلاء المساكين الشباب مستعدين لاي عمل مقابل حفنة صغيرة من المال وهذه الحالة يعرفها متخصصون في الامر فيطلبون من هؤلاء المساكين القيام بعمل في البدء عادة يكون سهلا مثل زرع عبوة ناسفة على طريق ما مقابل مئتين او ثلاثمئة دولار وتتطور الحالة لتفجير سيارة مفخخة عن بعد مقابل مثلا ستمائة او سبعمائة دولار الى ان تصبح الشغلة مهنة للشباب العاطل عن العمل سابقا ، وبذلك فقد قدم المتخصصون معونة كبيرة لهؤلاء بتوفير مبالغ مجزية من المال بدل التسكع ، الى ان يتطور عمل هؤلاء الشباب الحبابين سابقا ليصبحوا متخصصين كل في مجال فمن يبرع في التفخيخ ومن يجد في نفسه الكفاءة الفائقة في القتل وغير ذلك من المهن الرائجة الان ، اي انهم يتلقون معونة العمر بتلك الواسطة ، وايضا فان الجيوش العقائدية تعين بعضها البعض فلو احس جيش عمر بان غرامئه في جيش مقتدى قد شح عندهم العتاد مثلا فانهم يوصلون لهم العتاد بأي طريقة لكي يديموا القتال والا فأنهم سيصبحون عاطلين عن العمل اولا ولأن عمهم واحد ثانيا . اليست معونة كبيرة تلك تفوق معونة الشتاء التي تتذكر . بأسى بالغ قلت نعم ياصديقي العزيز .