د. مزاحم مبارك ماالله
الأحد 17/2/ 2008
بمناسبة يوم الشهيد الشيوعي العراقيالرفيق الخالد فهد وأهتمامه بالجانب الصحي
د. مزاحم مبارك مال اللــه
من المنطقي أن يتبنى الحزب بل ويركز في نضاله على الجانب الصحي للشعب(فمشاكل الشعوب هي المرض والجهل والفقر)،مدركاً إن الصورة الصحية هي عبارة عن إنعكاس للوضع الإقتصادي والبيئي وبالتالي الإجتماعي وهذا ماكشفه مناضالو الحزب الإوائل ومنذ البدأ ولفتوا الأنظار الى إدراك حقيقة إن صحة المواطن هي من صحة المجتمع .
لم يكن هذا الكشف بالأمر الهيّن على حركة ثورية فتية نشأت في ظروف متخلفة حضارياً وصعبة ومعقدة منذ ما يزيد على السبعين عاماً،في ظروف غابت فيها الدراسات العلمية والبحوث الأكاديمية والإحصاءات الدقيقة،وإنما كانت مهمة صعبة إحتاجت الى نظرٍ ثاقبٍ وتفسيرٍ علمي،ثم (وهذا المهم) فكانت بحاجة الى القائد والقيادة التي توظف المعطيات لتطرح الحلول المطلوبة كمساهمة في تغيير إتجاه أسلوب معيشة الشعب.
ولذلك لم يكن بالأمر الغريب أن يهتم قائد شيوعي متمكن من فنون النضال كالرفيق الخالد فهد بثلث مشاكل الشعب وأقصد الجانب الصحي،وقد سلّط الأضواء عليها وكشفها أمام المتلاعبين بمقدراته وبالتالي فهو يفضح امام أنظار الطبقات الكادحة وبكل أقتدار،أسرار النضال ويضع بين يديها مفاتيح الثورة.
أول إشارة بهذا المجال قد وردت في أول بيان ظهر في العراق يحمل شارة(المنجل والمطرقة)وشعار(ياعمال العالم إتحدوا)،والذي كتبه الرفيق الخالد فهد بخط يده وعلقه في ثمانية عشر مكاناً مختلفاً في الناصرية في ليلة 13/12/1932 و ذيّله بتوقيع:(عامل شيوعي)،و جاء فيه:ـ
((... العاطلون عن العمل يملأون الشوارع،نساؤهم وأطفالهم لا يملكون ما يقتاتون به.. هل فكرت الحكومة بمساعدتهم في هذا الطقس البارد ؟ لم يحصل شئ من هذا.. لأن الحكومة ليست الإ عصابة تعمل ضد الشعب،لا أحد يعرف آلام الجوع إلاّ الجائع... تقدموا الى العمل المثمر والى الحرية والى الرفاهية)).
وفي مقاله المعنون (واجبنا تجاه الوطن ـ نضالنا في سبيل الديموقراطية) كتب فهد في صحيفة القاعدة بتأريخ 6/7/1943،مايلي:ـ
" أما صحة الشعب وشؤونه الثقافية والإجتماعية فإنها تسير من سئ الى أسوأ وهذا التدهور لم يكن بالحدث العرضي بل إنه حل بنا نتيجة سياسة هذه الحكومة كما إتبعتها الحكومات التي سبقتها..."
ومن هذه الكلمات التشخيصية يؤكد المقال على التمازج بين صحة الشعب وبين ثقافته وشؤونه الإجتماعية من جانب ومن جانب أخر يفسر سبب تدهور الحالة الى أسوأ وذلك بإسناده الى سياسة الحكومة آنئذ السيئة أيضاً،وهذا يعنى إن نظرة الحزب هي نظرة علمية تكشف الحقائق وتفسرها أمام الجماهير من أجل تحفيزها للنضال نحو التحرر والتقدم.
وفي تعقيب الرفيق فهد على خطاب العرش في 1/12/1943 الذي نشره،قائلاً:(وهناك قضايا جوهرية أخرى تتعلق بحياة الشعب لم يتطرق إليها خطاب العرش كصحة الشعب الأخذة بالتردي يوماً بعد أخر..)،هنا نتوقف قليلاً لنوضح:ـ
1. إن مثل هذه المناسبات السياسية لم تكن تّمر هكذا دون أن تنال نصيبها من التحليل والتدقيق والشرح وتثبيت الموقف إزائها.
2. أعتبر التعقيب إن صحة الشعب قضية جوهرية،إذاً فهي بالتالي تشكّل ثقلاً مميزاً في نضالات الحزب.
وهذا دليل أخر على المتابعة الميدانية " فالصحة تتردى يوماً بعد أخر" .
3. وإن تفكيك الخطاب الملكي(وهي رأس السلطة في البلاد)وعرض عيوبه ونواقصه إنما هي أحدى وسائل النضال المطلبي الجماهيري لعموم الشعب.
وورد في التقرير السياسي الذي قدمه الرفيق فهد في الكونفرنس الإول للحزب في آذارعام 1944 ما يلي:ـ
** "... فالطبقات الشغيلة الكادحة نصف عارية،لاتحصل على ما يكفيها من غذاء،وظروفها الثقافية والصحية والإجتماعية في مستوى واطئ جداً،أسباب ذلك الإستثمار المركب الفظيع الذي تعرض له قطرنا وشعبنا "
لقد سلّط فهد الضوء في هذا المقطع على ثلاث حقائق جد هامة:ـ
الإولى ـ إن الظروف الصحية في وطننا ويعيشها شعبنا تشهد واقع صعب يمتاز بـ "المستوى الواطئ جداً ".
الثانية ـ الربط الجدلي العلمي للظروف الغذائية والثقافية والصحية والإجتماعية بعلاقة واحدة أو بمنشأ واحد من مناشئ الأسباب بترابط لاتنفصم حلقاته عن بعضها .
الثالثة ـ إن سبب هذا المستوى المأساوي هو الإستثمار المركب،أي إنه لم يسلّط الضوء فقط وإنما كشف السبب الكامن وراء ذلك الواقع المتردي.وقد حدد الإستثمار المركب بثلاث عناوين وهي :ـ 1) نهب الشركات الإجنبية،2) العلاقات الإقطاعية،3) الضرائب.
وفي موقع أخر من تقريره يقول فهد :ـ
** ".. وصودر نصف الكمية التي كانوا يأكلونها (ويقصد الشعب) قبل الحرب،وصودر لباسهم وأدويتهم.."
وهنا مرة ثانية يؤكد التقرير على قضايا الشعب الملّحة من مأكل وملبس ودواء،بل لاحظ الفطنة الثورية في تحديد الحدود الزمنية ـ قبل الحرب ـ وهذا يحمل في طياته القراءة السليمة لواقع الشعب ومعاناته ومتابعة هذه المعاناة.
وفي التقرير الذي ألقاه الرفيق فهد في نفس الكونفرنس والذي جاء تحت عنوان (قضيتنا الوطنية) قال:ـ
" فالعامل العراقي يجابه اليوم،أكثر من أي وقت ظروفاً سيئة شددتها ظروف الحرب الحالية وأوصلتها الى أبعد حدودها،كإجوره الزهيدة التي لاتكفي تغذية كافية ومسكناً صحياً،وظروف عمله غير الصحية وعدم الإعتناء بتطبيبه وإسعافه بالأدوية... "
وفي مقالٍ لصحيفة القاعدة بعددها الثامن والصادر في حزيران 1944 و كان تحت عنوان (وزارة جديدة) جاء في الفقرة (7) ما يلي :ـ
" يريد الشعب أن تبذل الجهود لمكافحة الأمراض التي إنتشرت في القطر بنسبة عالية جداً وبشكل مهدد نتيجة إنخفاض مستوى المعيشة لدى الطبقات الكادحة العراقية ونتيجة إهمال الحكومة توفير أسباب المعالجة الصحية وتيسير الإدوية وجعلها في متناول الجميع..."
ومن الملاحظ بشكل جلي دفاع الحزب عن مصالح الطبقات الكادحة لأنها تشكل الغالبية الساحقة من مختلف تشكيلات الشعب والتي يتصدى الحزب في النضال من أجلها،وكذلك نلاحظ الصيغة الثورية في شحذ همّة إرادة الشعب إضافة الى حل الأزمة وذلك من خلال الصيغة المتقدمة جداً والتي يعكسها المقال متمثلةً بجعل الأدوية في متناول الجميع،وهذا يعكس وجهاً من أوجه الحلول الإشتراكية للمشاكل الصحية في البلد.
وفي تقرير فهد الذي ألقاه في المؤتمر الوطني الأول عام 1945 جاء فيه :
(..فحكومة الباججي لم تقم بأعمال محسوسة لرفع مستوى الشعب الصحي ...)،
فلابد من الإشارة بأن تقرير فهد هذا والذي جاء تحت عنوان ـ حول الوضع العالمي والداخلي ـ قد تطرق الى العديد من القضايا الداخلية والخارجية وتلك التي تبحث بقضايا الحزب المختلفة فإنه لم يغفل الجانب الصحي لحياة العراقيين ووضع التقرير رقابته على أعمال حكومة الباججي لتفضح سياستها التي تركت ((الأمور تتابع إنحدارها نحو الهاوية )) كما جاء في التقرير.
لقد أقر المؤتمر الوطني الأول للحزب النظام الداخلي وميثاقه الوطني ، ففي النظام الداخلي وفي المادة (2)ورد النَص التالي : (( ... تجابه(ويقصد الطبقة العاملة)أوضاعاً إجتماعية متردية تكتنف جماهير شعبنا فتناضل ضد الجهل والفقر والمرض تلك الآفات التي تسهّل وقوع شعبنا فريسة لليأس والخوف )) .
هذا النص ينطوي على عدة دلائل مهمة :ـ
1. إن نضال الحزب في تلك الحقبة يشدد على قيادة الطبقة العاملة( وهي المتضرر الأكثر مع باقي القوى الكادحة المسحوقة ) لنضالات الجماهير .
2. ويفتح أمام الطبقة العاملة ومعها الجماهير،أبواب الوعي النضالي حينما يؤكد على إنها (تجابه) أوضاعاً متردية ، هذه الأوضاع ، يحفزها التقرير الى :
3. النضال ضد الجهل ... ألخ ، وليس هذا وحسب وإنما يخبر المناضلين بأن هذه الآفات ستكون ;
4. الحلقة الأضعف في الإقدام والمواصلة والمطاولة وكذلك في الشجاعة .
5. ولابد أن نشير هنا الى التشخيص الدقيق لصور التخلف الذي يعاني منه الشعب وهي صور ، الجهل والفقر والمرض ، وكما بينّا ذلك في مقدمة البحث .
أما المادة (4) من النظام فجاء فيها : ((...تستهدف الطبقة العاملة العراقية في نضالها الوطني الى تحطيم الأغلال التي تحرم أكثرية الشعب الساحقة من تذوق نعم الثقافة والصحة وبسطة العيش ...)) .
وورد في الفقرة السادسة من الميثاق الوطني للحزب النص التالي :ـ
" نناضل من أجل الدفاع عن مصالح العمال،السياسية والإقتصادية والإجتماعية والصحية..."
فمن الواضح إن الميثاق لايفصل بين المصالح الإقتصادية والإجتماعية وبين المصالح الصحية لما للصحة الأهمية البالغة في ديمومة الحياة من أجل الإستمرار بالنضال المشروع للطبقات الكادحة والمتمثلة بالطبقة العاملة على إعتبار إن الحزب الشيوعي هو حزب الطبقة العاملة والطبقات الكادحة الأخرى.وليس هذا فحسب،فالميثاق الوطني للحزب إهتم بكل فئات وشرائح الشعب بلا إستثناء وأولاها الإهتمام المطلق،حيث جاء في الفقرة الحادية عشرة منه :ـ
" نناضل من أجل الإعتناء بالجندي العراقي المكلف،بصحته وتغذيته وتثقيفه وتربيته التربية الديمقراطية...."
هنا نلاحظ التشخيص الدقيق في تحديد نقاط الضعف في البُنيّة العراقية الواحدة : حينما يحدد (الجندي المكلف)،لماذا المكلف ؟،لأن في منتصف أربعينيات القرن الماضى والحرب العالمية الثانية مشتعلةٌ أوارها كان المكلفون بالتجنيد من العراقيين يعانون من الضيم والظلم،يعانون من الفقر والعازة جرّاء الإهمال على إعتبار إن الجنود المكلفين هم من الطبقات الفقيرة الكادحة،ولمّا كان الحزب الشيوعي مدافعاً عن الفقراء والكادحين لذا فمن المنطقي جداً أن يرد هكذا نص يهم المكلفين بالعسكرية من هؤلاء المساكين.