مزهر بن مدلول
الدليل، تجربة ومعاناة!
(9)مزهر بن مدلول
ربما جملة واحدة تغني عن كتاب، لذلك لا اريد ان اقول اكثر من أني تحولت في هذا المكان الى مجرد جثة تتنفس، ليس فقط بفعل الجوع وانما ايضا من الخوف الذي أعادني الى عالم الميتافيزيقيا وجعلني أؤمن بالاقدار والتعاويذ!.
وبسبب تلك القسوة وما تلاها من محن أراني مقتنعا من أنّ احدا لا يلومني اذا ما عشت الفصل الاخير من حياتي تحت وطأة ذلك الزمن العجيب.
ومن هذه المسلمة السيكولوجية، بدأتُ اكتب عن تلك الايام.. الاشهر.. السنوات، التي ما زالت حاضرة امامي كمرآة ارى فيها هشاشة الانسان المغامر وتمنحني قدرا كافيا من القلق لأنثرهُ حبرا طرياً على هذا الجسد الابيض.
وعلى الرغم من انّ بعض البروتوكولات الاخلاقية الخاصة تمنعني من الغوص في قعر الحكاية، إلاّ انّ براءة البياض مغرية وتستدعي المزيد من البوح! وأنيّ مصرٌ على ان افعل ذلك قبل ان اسلم الروح لصاحب الروح!.
عشتُ في هذه المزرعة ستة اشهر وستة ايام، ومع أني في ذلك الوقت لم اسمع ب(العتمة الباهرة)! الاّ أني الآن استطيع ان اقول بأني كنتُ في (تازمامارت)!، لا يربطني بالحياة سوى خيط عنكبوتي رفيع اسمه (الأمل)!.
لقد ضاع صوتي في العواصف، واصاب جسدي الهزال الى درجة كبيرة حتى بات باستطاعة اي ثعلب جائع ان يلتهمني!، وكانت الصحراء مثل وحشٍ بملايين المخالب انغرست كلها في روحي وجسدي، وقد كتبت عن تلك المعاناة الرهيبة بعض الكلمات القليلة في كتابي (طائرٌ بين حلمين.. ساكنٌ بين جرحين) الذي ارسلته للطبع!، لكني مهما كتبت ومهما حاولت لا استطيع ان اصل الى وصف كابوس واحد من تلك الكوابيس التي شطرت رأسي المستدير الى عاقلٍ ومختل!.
في اول يوم وصلتُ فيه الى هذا المكان، وجدتُ ثلاثة من المزارعين كانوا يتأهبون للعودة الى العراق، ولكنهم قبل ان يغادروا اخبروني بأنّ صاحب المزرعة او (الشيخ) لا يأتي الاّ في الشهر مرة واحدة واحيانا مرة في كل شهرين، وانّ في (الغرفة الرملية) بالاضافة الى الثعابين والزواحف الصحراوية الاخرى، توجد بعض من اكياس الطحين والعدس وكمية كافية من السكر والشاي والثوم، وفي المزرعة الكثير من الخضروات الطازجة.
خلال هذه الستة اشهر كان صاحب المزرعة يأتي لزيارتها ويعطيني اجرتي الشهرية التي رفعها الى ثمانين دينارا، وكنتُ كلما يأتي اطلبُ منه ان يبحث عن عمال للمزرعة بحجة أني لا استطيع ادارة العمل لوحدي، وبالحقيقة انا كنت ابحث لرأسي عن وسادة، اريد ان انام دون ان افكر بالطريقة التي سأموت فيها، فقد كنت اشعر بالموت في كل ساعة تمر، كنت احس به من خلال القشعريرة التي يصاب بها جسدي كلما تراءى لي شبح يمتطي ظهر الظلام، وكم مرة وفي لحظات تحول نفسية صعبة فكرت بأن اهرب واهيم على وجهي، ولكني كلما نظرت الى اتجاهات الصحراء لم ارَ وعلى امتداد النظر سوى الرمال وامواج السراب.
(وفي احد الصباحات ومن مسافة بعيدة، شاهدت زوبعة غبار قادمة، زوبعة تكتسح الفراغ، فسمعتُ لهاث قلبي، واجتاحتني رغبة للتحليق في السماء!.
وقفت سيارة صغيرة على حافة غدير الماء.. رجل قصير القامة، حيّاني بلهجة بدوية.. وحين رويت له حكايتي، تنفس عميقا وطفرتْ دمعتان من محجريهما.. واصرّ ان اكون ضيفه هذه الليلة!.
....................
يا شفيع!!،
( يا شافي الصدور من غل السل )!.
هذا وجه النبي نوح!!.
فمن اي الاقوام انت ايها النبي!، من ايّ رحمٍ رؤوفٍ نزلت، ومن اي المنحدرات هبطت، من قال لك اني منفيٌ هنا واتيت لتنقذني من الطوفان القادم!.
فغرتُ فاها من هول دهشتي.. أُستفزت يقضتي.. فانا مجرد ركنٌ منسيٌّ في زاوية لم يعرفها العالم، انا الجدار الذي عُلقت عليه جميع خيبات اهلي وخسائرالوطن.
الوطن الجميل الذي تقاسمته عصابة من الاشرار وصار الناس فيه يفترسون بعضهم بعضا.. وطني الذي عشقتهُ.. امي، وارجوحتي، وليلاي، ووادي الغناء والظلال الدافئة.
انطلقت سيارة البدوي متحدية العواصف، وانطلق معها قمرٌ من ابتسامتي!!.. قطعنا مسافة غير قليلة في عمق الصحراء، قبل ان تغرق عجلاتها في باطن الارض!.. قبل ان تغوص في الاوحال!.. قبل ان ارى اسراب الطيور غافية على اسطح البحيرات!.
انا عاثر الحظ!.. ليس الان.. من زماااان! انا عاثر الحظ!.. والله العظيم!، انا عاثرُ الحظِ ومسلوب المكان.. وقُدّر لي ان اعيش في عالم ابديّ الخراب.. في ليلٍ عميق الحزن ودائم السواد!، وفي عاصفةٍ تصفعُ وجهي رمالها كأنها سياطا، كلما حاولتُ الاقتراب من الضوء!!.
في عيون صاحبي، رأيتُ شتائما كثيرة.. شتائمٌ تقفزُ من نظراتهِ، وتلعنُ تلك الساعة التي رأى فيها هذا الرجل الذي يشبه الغراب!.
جميع المحاولات كانت فاشلة، والليلُ بدأ يعمُّ الأرجاء، وانا اشعر بأنّ عظامي تكسرت وانا احاول رفع العجلة من الحفرة التي سقطتْ فيها، خارتْ قوانا، ثم اغلقنا النوافذ باحكام، لأنهم قالوا: انّ الذئاب قادرة على تحطيمها، وراح صاحبي يومئ بضوء السيارة طالبا الاستغاثة،
ومرتْ ساعات ونحن نأكل اصابعنا، حتى اقتربتْ منا دورية حراسة لحماية حدود الصحراء من المشردين!، طوقتنا الشرطة بالبنادق، فتحدث معهم الرجل، وانتشلوا سيارتنا من الرمال، ثم اصطحبونا الى مزرعة مأهولة بالاشجار والماء والبشر.
في الصباح قدمتُ للبدويًّ امتناني، وودعتهُ حتى توارى عن النظر، وبقيتُ هناك، مع العاملين في هذه المزرعة الجديدة، افكر ب(الدليل) الذي سيأخذني الى السجن في المحطة العاشرة!.).