مزهر بن مدلول
العالم القديم مات!!،
مزهر بن مدلول
وتلك الصورة المعلقة من دون إطار، رسمها أبي بيدين مرتعشتين، رسمها وهو يهمسُ بلحنٍ، كان اصعبُ من ان تؤديه حنجرتهُ اليابسة، لحنٌ، تفوحُ منهُ رائحة الحياة، وحياةُ أبي في زهو بستانه وابتسامة حقله وصباحات قهوته،
الله يرحمك يا أبي، عاش متوالية المحن والازمات والمعارك بكلّ اسمائها وتداعياتها، منذُ ان كانت السياسةُ بالاسود والابيض حتى اختلطت الالوان!،
عاش وفي داخله اكثر من زمن، فصار العمرُ اشلاءا، وسلال الفقراء الفارغة قدرا، والترحال في ارض البلاد لعنة!، لكنه ورغم هزائمه الكثيرة، كان يجمع الزهور من الأعالي لكي يغري الفراشات بالمجيء،
كان كلما مرتْ لحظة أمل مفاجئة في حياته، يقول:
لم يعد (سوادي) سيد القرار!، ليس بمقدور الآمر العسكري ان يرسلني الى الزنزانة كلما علتْ قهقهاتي، ما من قاطع طريق او حاكم يرغمني على ان أنام على (سرير بروكست)!، لا احد يستطيع ان يمحو مخطوطاتي الموشومة على جلدي، فهذه هي ايامي التي مضت، وتلك هي انفاسي ومعالمي الأثرية!،
لكن أبي انتقل الى جوار ربه، قبل ان تتحقق امنيتهُ التي جفتْ من اجلها عيناهُ وكبده،
وقبل ان يرى ان البلاد اصبحت خالية من الظلال والثلج!.
اما أنا، فأراني اليوم احملُ الامنية ذاتها:
العالم القديم مات!،
والدولة التي كانت تنتج الخوف انهزمت وولت هاربة، والخطابات الانتحارية تمزقت وذهبت مع عاصفة التصفيق!، وفكرة الصنم المقدس التي عشعشت في اذهاننا لعقود تهدمت والى الابد،
كنتُ مثلك ياأبي، اظنُّ، بأنّ حكومات (البيان رقم واحد) التي كانت تراقب في الظلام، وتحصي المعجزات في النهار، لن تعود مرة اخرى، وانّ الابواب موصدة، والظلام طويل امام من يريد اعادة انتاج السلطوية!،
وكنتُ أظنُّ ايضا، بأنّ الزمن الذي كانت فيه الاشاعة مصدرا اساسيا للمعلومة! قد انطفأ، وانّ هذه البلاد التي فتكتْ بها الأميةُ والاحزان خرجتْ من بئر العويل الذي كانت غارقة فيه!،
ولكن يبدو ان العالم اكثر تعقيدا مما نتصور، فالثمرات تتساقط ذابلة، والارضُ تدور حول نفسها ولاتدور حولنا!، ونحن مازلنا ياأبي، نبحثُ في السماء عن نجمٍ ينقذنا من التيه في عتمة الغابات ويقودنا الى الحدائق!،
مازلنا ياأبي، نجلسُ في نفس المكان ننتظرُ وصول السلحفاة التي تحمل على ظهرها مشاريع البناء والاصلاح والكهرباء!،
مازلنا نصرخُ:
الوطن، الوطن، الوطن!!،
اللة يرحمك ياأبي، لم تكُ تعلم، أنّ زمناً يأتي، تكون فيه وجوهنا كوجوه الغرباء، ويكونُ فيه الوطن كبش فداء المرحلة!.