مزهر بن مدلول
الدليل، تجربة ومعاناة!
11)
(مزهر بن مدلول
تربطهم علاقة بمسرح سارتر ولا برنادشو وليس لهم اية صلة بالشعر والشعراء ولكنهم يملكون موهبة ساحرة في الكلام وحركة الحواجب!، عندما تجلس امامهم لا تشعر بالندم، وهكذا كان السجين (بهجت المصري) يحوّل الاشياء البسيطة الى مشاهد تثير الدهشة، ورغم معرفتنا بأنه لم يكُ صادقا في كثير من الاحيان، الاّ انّ احدا لا يعترض لكي لا تضيع عليه متعة الاستماع!، فكنّا ولمدة ثلاثين يوما في سجن (المطلاع الكويتي) نستمع الى القصص التي يرويها (بهجت) عن (الصعيد والصعايدة والريف المصري وبدوهِ وصحاريه)، فنذهب مع حكاياته الفلكلورية الى عالم البراءة الذي طالما تلذذنا بطعم مغامراته!.
هناك ناس لا
في صباح اليوم الثاني اتفقنا نحن (الاربعة) ان ندّعي امام شرطة التحقيق بأننا سوريو الجنسية!، ذلك لأننا حصلنا على معلومات كثيرة من السجناء اهمها بأنّ جميع الذين يحملون جنسيات دول عربية (وكلهم عبروا الى الاراضي الكويتية من خلال الحدود العراقية بطريقة غير مشروعة) يتم رميهم على الحدود ليدخلوا الى العراق مرة اخرى دون ان يضطروا الى المرور في (المخفر الحدودي) ولا تتعرض لهم السلطات العراقية بأيّة اساءة، اما العراقيين فحسب (الاتفاقية الامنية) بين البلدين يتم تسليمهم الى مركز الشرطة في (صفوان) لينالوا العقاب!.
قبل منتصف النهار دعتْ الشرطة احدنا من اجل التحقيق معه، والتحقيق هناك لا يتعدى الأسئلة عن الأسم والعنوان والهدف من الزيارة!، ولمّا عاد صاحبنا سألناه اذا ما قال بأنه سوري الأصل ام لا؟؟، فقال (نعم ولكنّ رجال الشرطة سخروا من ادعائي وعلتْ قهقهاتهم و(سوّوني كَركَزان)، وهكذا فشلت الخطة فنحن الثلاثة الاخرون ايضا استهزأوا بما نقول و(سوّونا كَركَزان).
يتألف السجن من غرف صغيرة خالية من النوافذ ما عدا فتحة ضيقة فوق الباب، وتتوسطهُ باحة واسعة نخرج اليها اثناء وجبات الطعام فقط، بعد ذلك نعود لنتكدّس داخل الزنازين التي تفوح في فضائها رائحة نتنة من عرق الاجساد ومياه المراحيض!.
والسجن مهما ارتفع مكانه ومهما كان طرازه فهو يوّلد لديك شعورا بأنك تعيش تحت الارض او في المكان الذي لا تشرق فيه الشمس، ولكن وبالرغم من قسوة هذا الشعور، وبالرغم من اني قضيت ثلاثين يوماً في هذه الغرفة الضيقة والتي كان فيها دمي ولحمي مباحاً للبعوض والقارص، وعلى جسدي زحفتْ اسراب من الديدان البيضاء (السلابيح) التي تظهر مع مياه المراحيض، لكن ذلك كلهُ كان اقلّ وطأة وأهون خوفاً من السخرية الدراماتيكية التي عشتها داخل الكوخ الرملي وحيداً في وسط الصحراء، ذلك المكان الماورائي العجيب الذي كان خلاصي منه اشبه بمعجزة!.
في سجن (المطلاع) هذا، استطعتُ ان احصل ولاول مرة بعد اشهر طويلة من الجوع على وجبات طعام فيها رائحة لحم الظأن، واستطعت ان استعيد شيئا من ما فقدته من الاملاح والبروتينات وما يلزم من الطاقة الى جسدي، وفي السجن ايضا، تمكنتُ من النظر في وجهي وتذكرتُ تلك العجوز الفاشلة التي اكتشفتْ انوثتها المنسية حين رأت شواربي!!.
ربطتني علاقة طيبة مع اغلب السجناء، لكنها كانت مميزة مع شاب سوري أُلقي القبض عليه اكثر من مرة وهو يحاول العبور الى الكويت، لقد كان يمتلك طاقة جسدية متفجرة ولديه اصرارا لا يتوقف في تحقيق مراميه ويبدو من خلال مغامراته تلك انّ له احلام كبيرة ينوي الوصول اليها، وقد حصلتُ منه ومن تجربته على بعض المعلومات التي كنتُ اعتقد بأنها ستنفعني في الايام القادمة!.
في اليوم الاخير قاموا بنقلنا الى سجن (التسفيرات العامة) او الذي يطلقون عليه (المباحث العامة) ويقع في (الكويت العاصمة)، كان عددنا يزيد عن الخمسين سجيناً وعدد العراقيين في هذه الوجبة عشرة اشخاص فقط، وكان علينا ان نبيت ليلة واحدة في هذا السجن الجديد على ان نُرّحل في اليوم التالي الى العراق مرة اخرى.
اما انا فسوف اُساق الى المشنقة، تلك حتمية المسار وحقيقة الظرف التي كانت سائدة قبل صرخة (ارحل)!، وكلما فكرتُ بذلك المصير المخيف كلما نطّتْ عيناي من محجريهما وتدفقت الدماء الى وجهي ولعنتُ اولئك اللصوص والقتلة الذين يجيدون (ادارة المقالب) ويشربون نخب طردنا من البلاد التي سجلوا كلّ ما فوقها وتحتها بأسماء نسائهم!، لقد كنتُ اعتقد جازماً انّ هذه هي محطتي الاخيرة التي لا ابواب لها ولا نوافذ ولا يمكنني الخروج منها ابداً!، وما عليَّ الاّ ان ارقصُ رقصةَ النفس الأخير!، تلك الرقصة (الدليل) الذي يجعل (السجّان) يغيّرُ اتجاه رأسه ويرسلني الى المصحة!!.