موقع الناس     http://al-nnas.com/

الطريق الصحيح لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي

 

مصطفى محمد غريب

الأربعاء 30/8/ 2006

منذ بداية اختطاف الجنديين من قبل حزب الله وقيام حكام إسرائيل بشن حرب على لبنان وعموم الشعب اللبناني بدون استثناء ، طرحت الكثير من القضايا والأفكار والاستنتاجات والحلول حول هذه الحرب وقد ظهرت ثلاثة محاور مختلفة حولها فالبعض من الساسة والمثقفين والمهتمين بقضية الشرق الأوسط انحازوا تماماً مع إسرائيل مبررين عدوانها بالجنود المختطفين وهو مبرر تبنته القيادة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية وحلفائهما ويتساءل المرء بعد وقف القتال وصدور القرار 1701 الواضح، لماذا يستمر الحصار الجوي والبحري ؟ ولماذا رفضت إسرائيل طلب كوفي انان الأمين العام للأمم المتحدة رفع الحصار الذي قال عنه أن لبنان يعتبره "إذلال وتعدياً على سيادته".. أما القسم الثاني فقد قدم حلولاً وسطية توفيقية لم تدن العدوان بشكل مباشر وصريح بل حاولت أيضاً إدانة الخطف لكنها في الوقت نفسه وبخجل لطيف طالبت بوقف العدوان وضبط النفس وتعكزت دائماً على الحكام العرب والدكتاتوريين أمثال صدام حسين بدون رؤية الواقع الموضوعي للشعوب العربية وموقفها من حكامها أيضاً واكبر مثال موقف الشعب العراقي من الحكم الشمولي السابق ومن عنجهيته حول القضية المركزية، كنت أتمنى على هؤلاء ان يطلعوا بشكل جيد على النقاط الستة الموجودة في بيان المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني بخصوص الوضع اللبناني لأنهم ليسوا من حزب الله وهم علمانيون! .. أما القسم الثالث وهم الأكثرية تقريباً فقد رأى أن السياسة الإسرائيلية العدوانية ودعم الولايات المتحدة الأمريكية غير المشروط وعلى امتداد حقب طويلة هي السبب الرئيسي في خلق البؤر والتوترات في المنطقة واعتبرت خطف الجنديين غير صحيح وتطرف كان يجب تفاديه، لكنها رفضت مبررات شن الحرب العدوانية وتدمير كامل للبنى التحتية وقتل الأبرياء واحتلال بعض الكيلومترات مما يدل على أن هذه الحرب قد أُعد لها وكانت تنتظر التنفيذ وهي دلالة أخرى على مدى استهتار حكام إسرائيل بمصالح الشعب الإسرائيلي أولاً وشعوب المنطقة ثانية.

إن المشكلة الأساسية لقضية الشرق الأوسط هي القضية الفلسطينية وتشريد الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أراضية بقوة السلاح وهي جريمة ارتكبها الاستعمار البريطاني وبعض الحكام العرب المتعاونين ودعمته بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وهذه القضية معروفة للجميع ولكن لو سؤل أي امريءٍ لديه نصف ضمير هل تقبل أن يحتل بيتك أو جزء كبيراً منه ثم يجهز على الباقي لتبقى تحت سكين القصابين الذين احتلوا بيتك ؟ الجواب لدى الذين لديهم أنصاف الضمائر، لأن الذين لا ضمير لهم سوف يبررون ذلك بمسوغات عديدة مثلما برروا قتل اللبنانيين وتخريب لبنان والحصار اللاإنساني بخطف الجنديين.

القسم الثالث لم يكن حديثاً بآرائه أو مواقفه وهي امتداد لرؤيا عقلانية موضوعية منذ بداية القضية الفلسطينية لكن المشكلة أن الدول الاستعمارية كانت تخطط لأبعد من تلك الحقبة ولتأسيس قاعدة وموطئ قدم ثابت من اجل خدمة مصالحها وساعدهم على تنفيذ هذا المخطط البعض من الحكام العرب الذين خانوا أنفسهم قبل خيانتهم تلك، وبدلاً من الاصطفاف خلف الحل السلمي تبنوا طرق الحرب الخاسرة والأسلحة الفاسدة " وماكو أوامر" بهدف إضاعة القضية لا بل كانوا ليوثاً على أبناء جلدتهم فشيدوا السجون والمعتقلات وزجوا بالمئات من المعارضين الذين يختلفون معهم في الرأي فيها ونفذوا الإعدامات بحق الذين ناصروا القضية الفلسطينية وطالبوا بإيجاد حل يمنح الحقوق المتساوية للجميع ومن اجل قيام سلم حقيقي وشامل واكبر مثال على ذلك إعدام سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الشهيد سلمان يوسف سلمان وعضوي المكتب السياسي الشهيدين زكي بسيم ومحمد الشبيبي بتهمة الطابور الخامس للصهيونية وهم المساهمين الأساسيين في تشكيل عصبة مكافحة الصهيونية المعروفة ببرنامجها الواضح وموقفها من الصهيونية والقضية الفلسطينية، بينما كانت كولدا مائير تتمتع بزيارتها بعد ذلك للعراق * ولقاءاتها في قصر الرحاب **.

إذن القضية الجوهرية ليست مرتبطة بحدث صغير كان أو حاكم دكتاتوري يجيد فنّ الخطابات والتهديدات بالأقوال لا بالأفعال بل هي حقيقة وجوهر السياسة الاستيطانية والسيطرة على أراضي الغير بالقوة وبالضد من جميع الاتفاقات الدولية .

إن وجهة النظر العقلانية للأكثرية ترى الحل السليم لقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي يجب أن يكون بصورة جذرية وليس بحلول جزئية ومنفردة وخارطات للطريق سرعان ما يجري إلغائها واعتبارها حبر على ورق ومثلما أشير في السابق فان الحل الجذري والصحيح يكمن في تفهم حكام إسرائيل لقضية السلام واحترام حقوق الآخرين وعدم تصديق كذبة أنهم شعب الله المختار ولديهم الجيش الذي لا يقهر، عليهم أن يعرفوا لولا الدعم اللوبي والأمريكي بالسلاح والمال لكانوا اضعف دولة في المنطقة ، وعليه يجب أن يكمن في قناعتهم جدوى الحل الحضاري السلمي الشامل الذي يخدم بالدرجة الأولى مصالح الشعب الإسرائيلي وليس من منطلق صغير واحد وترك الأمور الأكثر سخونة على الرف والتباطؤ في التنفيذ أو المماطلة والتسويف في ما يتفق عليه وكي نضع النقاط على الحروف علينا فقط متابعة التغيرات السكانية التي أحدثتها إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية بعدما احتلتها عام 1967 فقد ارتفع عدد المستوطنين الاسرائيلين في الضفة الغربية المحتلة خلال الأشهر الستة السابقة بنسبة 2 7,% ويقيم حوالي 200 ألف إسرائيلي في القدس الشرقية أما في الضفة الغربية التي لم يكن فيها إسرائيلي واحد فقد وصل العدد الإجمالي في عام 2004 ( 241494 ) ليصبح في عام 2006 ( 260042 ) أما عدد المستوطنات والاستيلاء على المزارع والأراضي وما خلفه الجدار العنصري فحدث فلا حرج ولا نريد تكرار الحديث حول الأراضي العربية المحتلة، الجولان ومزارع شبعا، من هذا المنطلق يجب فهم قضية الشرق الأوسط ومن هذا المنطلق يجب أن نضع الحلول الجذرية لها بدون شماعات (جونسن) لمعالجة موقع دون آخر، أما الذهاب إلى الجزئيات فذلك سوف لن يجد أي حل عادل ومتوازن ولن يطفأْ النيران التي تسعر تحت الرماد.

إن طريق المفاوضات الجدية المباشرة وعلى طاولة واحدة مع جميع الأطراف، الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين ولنقل المصريين أيضاً وعلى هذه الأطراف عدم الموافقة على تلبية رغبات الحكام الإسرائيليين الهادفة إلى حلول جزئية وأحادية في إجراء مفاوضات منفصلة لحل القضايا المتعلقة لأن المشكلة التي تعاني منها المنطقة والأطراف جميعها غير مجزئة وهي واحدة وإذا ما تجزأت فان الحل سيكون جزئياً وغير كامل الذي هو كفيل بانتزاع شرارة الحروب القادمة ثم انسحاب إسرائيل عن قناعة من الأراضي التي احتلتها بعد عام 1967 وتفكيك مستعمراتها وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة المسالمة وإعادة الأراضي العربية الأخرى كفيل بخلق حالة من الثقة بين الأطراف والذهاب ابعد نحو تطبيع العلاقات وجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة المحرمة دولياً والتخلص من سباق التسلح حيث تنعم شعوب المنطقة جميعها بالسلام وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.. هل يقبل الحكام الإسرائيليون وحلفائهم في الإدارات الأمريكية المتعاقبة والبعض من الساسة والمسؤولين والكتاب والمثقفين العرب الذين يرون أن إسرائيل دولة حضارية ديمقراطية وهي تريد التعايش السلمي بهذا الحل الجذري؟

السؤال له جوابه لديهم وأيضاً لدى الذين لديهم أنصاف الضمير!!


* كشفت بالصور والأدلة بعد ثورة 14 تموز زيارة رئيسة الوزراء الإسرائيلية كولدا مائير للعراق واجتماعها في قصر الرحاب بينما في العلن أن دولة العراق لم توقع الهدنة مع إسرائيل بعد حرب 1948 .

** قصر الرحاب هو قصر عبد الإله خال الملك فيصل الثاني رحمه الله الذي أصبح مسلخا بشرياً بعد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي.