| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مثنى كاظم صادق

 

 

 

 

السبت 18/8/ 2007

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 


 على قبر الجواهري


مثنى كاظم صادق

ولدوا .. فتعذبوا .. فماتوا .. بهذه الحكمة الصينية القديمة بدأ الجواهري مذكراته ... كنت آمل ان التقي الجواهري حيا فمذ كنت طفلا وانا ارى صورته الجلية متصدرة غلاف دبوانه ذو الاجزاء السبعة لابسا الكوفية الكردية الجميلة التي طرزت في حاشيتها كلمة ( كردستان ) والتي اهداها اليه اصدقاؤه الكرد فقد لازمت رأسه واصبحت سمة شكلية له فجمع بها العراق من جنوبه الى شماله حاملا اياها على رأسه متوحدا في العراق ذائبا فيه وبحبه ارضا وشعبا اعجبت بصغري بعينيه الحالمتين ووجهه الذي اكلته الاعوام الطويلة المضنية التي لم تبق فيه الا مشروع ابتسامة بخل بها على المصور ولربما خباها لزمن كان ينتظره . في احدى ليالي الصيف وبالذات يوم 27 / 7 / 1997 نعت الاذاعات العالمية والعربية المتنبي الثاني وثالث النهرين وشاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري من المذياع هادرا حزينا مبحوحا ينشد معلقته الشهيرة الرائعة ( حييت سفحك عن بعد فحييني / يادجلة الخير ياام البساتين ) فخبا املي بلقاء هذا الشاعر العملاق الى ان شاء الله تعالى ان التقي قبره في مقبرة الغرباء بدمشق يرافقني وقتها كل من الأستاذ محمد صادق عبود والمهندس عمار علي الخفاجي وكنا وقتئذ غرباء في مقبرة الغرباء فكانت هذه السطور وهي قبس صغير من مشعل ضوء الجواهري الكبير . تضم مقبرة الغرباء بدمشق القريبة اميرة الغرباء السيدة زينب او الست زينب كما جرت التسمية الدمشقية لها اقول تضم المقبرة خيرة ابناء العراق الذين قضوا نحبهم في شتى البلدان في العالم وحملت نعوشهم الى هذه المقبرة ليحصلوا على مثوى اخير لهم وقبير صغير يلمهم فلربما يقرأ العراقيون عليهم سورة الفاتحة ولعمري قبر غريب عن العراق لهو خير من ميتة بلا قبر داخل العراق كحال ملايين العراقيين الذين قضوا نحبهم في العراق ولم يحصلوا فيه على قبر ومثلما كانت السيدة زينب ترعى اليتامى في حياتها بعد ابيها الا ان القدرة الالهية شاءت ان تكون بعد مماتها راعية لليتامى الذين فقدوا اباهم العراق ودفنوا غرباء مثلها في مقبرة الغرباء . يغفو الجواهري الكبير في هذه المقبرة بين اشجار السرو وورود الياسمين والنرجس وبقية النباتات الدمشقية الجميلة والقبر عبارة عن بناء مرمري مهيب مرصع عليه مجموعة منتخبة من اشعار الجواهري والتي كانت مقربة الى قلبه وقد نقشت ببراعة لتكون صرحا رائعا يليق بهذا الشاعر الكبير ويتخذ قبره شكل قطعة مرمرية سوداء لماعة وناعمة مربعة الشكل مرفوعة الى الاعلى متجهه الى العراق وداخل هذه القطعة المرمرية خارطة العراق والتي تلونت بلون ابيض مكتوب بداخلها البيت الشعري الآتي ( أنا العراق لساني قلبه ودمي / فراته وكياني منه اشطار) اذ ينزل على هذا البيت الشعري الجميل من الاعلى دجلة والفرات اما الجهة اليمنى العليا من الخارطة فمسطور عليها ابياته في الشهيد التي تقول (يوم الشهيد تحية وسلام / بك والنضال تؤرخ الاعوام / بك يبعث الجيل المحتم بعثه / وبك القيامة للطغاة تقام / يوم الشهيد طريق كل مناضل / وعز ولانصب ولااعلام ) وتتخذ الجهة اليسرى العليا من الخارطة ابياتا تتغنى بالشام تلك البلاد الجميلة التي لطالما اراح الجواهري فيها ركابه وارتمى في احضانه ردحا طويلا من الزمن كيما يكون قريبا من العراق بعد ان اتعبته اوربا وهذه الابيات من اروع ماقيل في الشام ( ياشام يالمح الكواكب في دجى / ياموكب الاعراس في صحراء / لله انت اكل يومك حاشد / برجولة ومروءة وفتاء؟ / في أي جو عابس لم تسفري / ريا الجنان ندية الأضواء ) اما في الجانب السفلي الايسر من الخارطة يصرح الجواهري بما عنده من الأسى وكيف يحمله وينتقل معه اينما حل وارتحل ورؤيته حول الصراع الفكري ( انا عندي من الأسى جبل / يتمشى معي وينتقل / انا عندي وان خبا امل / جذوة في الفؤاد تشتعل / انما الفكر عارما بطل / ابد الآبدين يقتتل / قائد ملهم بلا نفر / حسرت عنه راية الظفر) اما اسفل القطعة المرمرية المرفوعة هذه حافتان مستطيلتان الأولى مكتوب عليها بيته ( فأنت مع الصبح شدو الرعاة / وحلم العذارى اذا الليل جا) وتلتقي هذه الحافة مع الحافة الأخرى الارضية المتجهة الى السماء ومكتوب عليها ( محمد مهدي الجواهري ) وعلى يسار القبر يغطي سلام الجواهري هضبات العراق ونخيله وقمره ( سلام على هضبات العراق / وشطيه والجرف والمنحنى / على النخل ذي السعفات الطوال / على سيد الشجر المقتنى / على الرطب الغض اذ يجتلى / كوشي العروس وإذ يجتنى / سلام على قمر فوقها / عليها هفا وإليها رنا / تدغدغ اضواؤه صدرها / وتمسح طياتها والثنى ) ننتقل الآن الى الجهة اليمنى من القبر لنرى فلسفة الموت عند الجواهري وتصويره الرائع لهذا القادم الينا بلا موعد ( لغز الحياة وحيرة الألباب / ان يستحيل الفكر محض تراب / ان يصبح القلب الذي صحراؤه / جرداء حتة من خفوق سراب / انا ابغض الموت اللئيم وطيفه / بغض طيوف مخاتل نصاب / ذئب ترصدني وفوق نيوبه / دم اخوتي واقاربي وصحابي ) وترصع الجهة الخلفية من القبر معلقته الخالدة في ذاكرة العراقيين والسنتهم التي طالما تغنوا بها تاسيا منهم عسى ولعل ان تخفف كلماتها العذبة من عناء الأغتراب داخل العراق والغربة خارجه التي تبدأ ( حييت سفحك عن بعد فحييني / يادجلة الخير ياأم البساتين / حييت سفحك ضمآنا الوذ به / لوذ الحمائم بين الماء والطين / يادجلة الخير يانبعا افارقه/ على الكراهة بين الحين والحين / اني وردت عيون الماء صافية / نبعا فنبعا فما كانت لترويني / ياسكتة الموت ياعصار زوبعة / ياخنجر الغدر يأغصان زيتون / يادجلة الخير ادري بالذي طفحت / به مجاريك من فوق الى دون / ادري على أي قيثار قد انفجرت / انغمك السمر عن أنات محزون / ادري بأنك من الف مضت هدرا / للآن تهزين من حكم السلاطين / وانت ياقاربا تلوي الرياح به / لي النسائم اطراف الأفانين / وددت ذاك الشراع الرخص لو كفني / يحاك منه غداة البين يطويني ) وفي اسفل القبر من الخلف وتحت هذه القصيدة مباشرة تكتب الكلمات الحزينة الآتية والتي اود ان اختم بها المقالة وهذه الكلمات ( هنا وبعيدا عن دجلة الخير يرقد شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري 1898م ـــــ 1997م الفاتحة ) .