| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

مثنى حميد مجيد

muthana_alsadi9@hotmail.com

 

 

                                                                                    السبت  23 / 11 / 2013

 

ماركس والروهة وذكريات عن والدي

 مثنى حميد مجيد

كان والدي ملائكي الهيئة ، يشبه إلى حد كبير الملك حمواربي وهو يقدم لائحة قوانين مسلته الشهيرة لإله الشمس مردوخ كما يظهر في رُقيّم طيني ، كان ذو لحية كوساء وملامح مهيبة وعريقة وعميقة موغلة في القدم ، وكان حلالياً من الدرجة الأولى ولذلك كان مفضلا لدى الصابئة في الناصرية لأداء شعائر الذبح واللوفاني ودفن الموتى ، وكان ساخرا حاضر النكتة طيب النفس طاهرا من الضغائن والأحقاد ، وما زاد من محبة الناس له حفظه عن ظهر قلب ، مع كم كبير من الأشعار ، حكايات عنتر وعبلة والزناتي خليفة والأساطير المندائية التي كانوا يتشوقون لسماعها منه والإستمتاع بها في ليالي الشتاء وهم يتحلقون حول كانون الجمر ويرتشفون الشاي المهيّل حين لم يكن إقتناء التلفزيون أو حتى الراديو شائعا ومتيسرا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي .

لذلك كانوا يؤثرون تحبُّبا كنايته ب - أبو عنتر - وحتى أخي الأكبر المرحوم زهير إكتسب هذه التسمية فكنا نناديه في أغلب الأحيان بهذا الإسم الشعبي المكتسب بدلا من إسمه الحقيقي.

وكان والدي ، في آرائه السياسية ، منسجما مع طبيعته المسالمة الخيرة فيقول عن نفسه ببساطة : أنا عراقي وطني ، فهو كما يأسف ويتألم لمقتل الملك فيصل الثاني كان يحب الزعيم عبد الكريم قاسم إلى درجة أنه يوما وخلال فترة المد الشعبي المؤيد لثورة الرابع عشر من تموز وجد نفسه مشاركا في مظاهرة كبيرة حين خرج أهالي الناصرية عن بكرة أبيهم على إثر شيوع خبرٍ لزيارة متوقعة للزعيم إلى مدينتهم ، ولم يستمتع والدي بمشاركته في تلك المظاهرة فقد أمسكت به على جسر الناصرية نوبات الربو الذي كان يعاني منه فشغلته عن الإنتباه لما يجري حوله وما تردده الجماهير الغفيرة من هتافات هادرة وحين عاد من المظاهرة إستغرب المقربون له من أصدقائه مشاركته في هذه الفعالية السياسية وسألوه على سبيل المزحة والدعابة : ماذا سمعت يا أبا عنتر من هتافات الناس ؟ فأجاب ساخرا : سمعتُ ويت ! كأنهم يقولون أكلنا عشا فلانة على عناد فلانة !

أما الشيوعية فكان موقفه منها نقديا تقويميا ففي قرارة نفسه ووفق وعيه المندائي الفطري والجمعي من حركة التاريخ كان يحسب الشيوعيين ضمن قوة النور والخير لكنه كان يسخر من خطأ جسيم طالما دأبوا في نظره على تكراره بقوله : يأتون لك ويقولون أنت تعال معنا ! ويذهبون لهذا وذاك ويقولون لهم أنتم تعالوا معنا ! وهكذا يُرغِّبون ويقنعون الناس ويجمعونهم وحين يصبح العدد كبيرا يقولون لهم : حسنا الآن طش ! إذهبوا إلى السجون وطشوا !

وخلال الأيام السوداء الأولى التي أعقبت إنقلاب ٨ شباط الفاشي وكنت في العاشرة من العمر سمعته يهمس في أذن أخي الأكبر محذرا بحرص وحنان :

- بويه دير بالك من ولد الروهة إذا خرجت إلى الشارع ، روح بدربك وتعال بدربك!.

وعرفت على الفور أنه يقصد بأبناء الروهة جلاوزة الحرس القومي الذين أطاحوا بالزعيم عبد الكريم ومارسوا القتل والتنكيل بأبناء وبنات الشعب العراقي.

ومنذ ذلك الوقت بدأت أدرك ثنائية العناصر المتناقضة المتحكمة بالوجود والتاريخ ، تعلمت من والدي ديالكتيك الغنوص الذي يستمد مقوماته من مجرى الحياة الواقعية وليس من تهويمات وتُرهات الميتافيزيقيا ، من فلسفة النور والظلام ، الخير والشر ، الروح والمادة وعرفت أن النقائض نسبيةٌ وتتداخل مع بعضها بل وتتبادل المواقع مما ينبغي الحذر دائما من تقييم الأشياء تقييما مطلقا فهذا قد يوقعنا في الخطأ من حيث لا ندري ، فحتى الروهة ملكة الظلام وروح الشر هي مخلوق مسكين أصلا يستحق التقييم والرثاء أحيانا ، وقد قامت بأمور مادية كبرى تستحق عليها التقدير فعلى سبيل المثال قام أبناؤها في أول الخلق بحفر نهري دجلة والفرات وبإشراف مباشر من ملائكة النور الذين كان عليهم تزويد النهرين الخالدين بروافد الماء .

بعض الأصدقاء والزملاء الأعزاء يتصورون إني ضد الرأسمالية ، أبدا أيها الأعزاء ! لن أكون يوما ضد الروهة طالما هي تبني وتشيد فهي قوة تقدمية وما على الإنسان العاقل إلا الإنحياز للتقدم والتكنولوجيا لكني ضد مبدأ الربح ، ضد جشع الروهة الذي ، كما قال عنه ماركس ، لا يملؤه الفراغ ، فالمادة تمتلك القدرة على التوغل إلى ما لا نهاية في أعماق الظلام وتلتهم وتشفط الفراغ بشكل متواصل وأبدي وهذا قانون مادي وعلمي تعكسه الروهة في طبيعة تصرفاتها الأرضية فهي تحاول السيطرة على العالم من خلال قانون الربح الذي هو جوهرها وروحها ، ولكن أي معنى لكل هذه الإنجازات المادية البديعة إن لم يكن ثمة ضوء إنساني ينير المسرح ؟ إن لم يكن هناك ماركس يشعل شمعة ويكشف الحقيقة ؟ وما الفائدة والعبرة من ممثلين عميان يمثلون لمشاهدين عميان على منصة مسرح مظلم ؟! تلك هي المسألة وذلك هو السؤال .

هذا ما كنت دائما أود تنبيه أصدقائي وزملائي الأعزاء إليه : روح الإنسان وليس روح الروهة ، وليس الروهة نفسها ، فهي موجودة وقديمة ولكن ثمة ضوء يشعُّ دائما على المسرح الكوني ينبغي أن ننحاز إليه .

كيف أكون ضد الروهة ملكة الظلام وأختها هي زهرائيل الجميلة الزاهية والتي سلبت ملاك الضوء هيبل زيوا لبه فهام بها وتزوجها فكان من ثمرة ذلك الحب وتلك المغامرة ولادة الملاك بثاهيل الذي خلق الكواكب الإثني عشر وخلق آدم جدنا ؟

الروهة نفسها تقول شاكية : إلهي ، إلهي لم خلقتني ؟! هي تبحث أيضا عن خلاص وجودي لنفسها من شر طبيعتها الإمبريالية ، هي تهاب ماركس وتقلده بل وتعكف على دراسته وتدريسه في جامعاتها وتعشقه في أعماقها عشق زهرائيل أختها لملاك الضوء هيبل زيوا .

نعم ، الروهة تعشق ماركس وتراوده عن نفسها في الخيال طالما كان هو غارقا في النوم بكرسيه وغليونه مطفئاً ينتظر عود ثقاب لإشعاله من جديد.


ملاحظات عن مفردات وردت في المقالة :

الروهة : أو الروها هي الروح أو ملكة الظلام وزوجها كرون ملك الظلام في الميثيولوجيا الصابئية.
اللوفاني: هو طعام طقسي يؤكل من أجل نفس المتوفي وأقاربه من الأحياء والأموات والكلمة الآرامية ذات صلة بالفعل العربي آلفَ بمعنى وحّد وربط والبعض يترجم اللوفاني بطعام الإتحاد أي إتحاد النفس بالروح ، وإتحادهما معا بالنظير الأثيري لكل شخص بعد الموت.والنظير لا يقتصر على البشر بل يمتد حتى للأنهار فأنهار دجلة والفرات والنيل لها نظائر في عالم النور ويُعتقد أن واحدا من تسعة أعشار مياههما الأرضية هو ماء حي من عالم النور ، ويشارك الصابئة إعتقادهم هذا بقدسية الأنهار المسلمون كما يتجلى ذلك من أحاديث النبي محمد عليه السلام والآيات القرانية

 

free web counter