| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. مهند البراك

 

 

 

الأثنين 10/1/ 2011



" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس
(3)

د. مهند البراك

و بعد ان اختلطت اسباب و نتائج تغيّر القطبية الثنائية العالمية، بما حققته و تحققه الثورة التكنولوجية المعلوماتية في العالم . . و تسبب كل ذلك بفوضى و تراكض على المغانم اليومية دون النظر الى الآفاق، و تسبب بتخبّط بين اوساط واسعة . . منها تقدمية و انسانية، يسارية و عمّالية و ديمقراطية متنوعة . .

اخذ يظهر تدريجياً و جلياً و لأوساط لم تصدّق ابتداءً . . ان الذي يسود العالم الجديد هو منطق القوة، برايات (الديمقراطية) التي تلائم الحاجات المستجدة . . و الذي يمارس العنف بلا حياء حين يتطلّب الأمر، و ابتدأ بالإنقلاب العسكري الذي نفذته السي.آي. أي في بنما مطلع عام 1990 واقتادت الرئيس المخلوع مكبّلاً الى الولايات المتحدة لمحاكمته، بعد قيامها بإنزال جويّ على قصره . .

و بدا يظهر ان التغيير في العالم تقوم به اقطاب متوحّشة (1) توظف شعاراتها البراّقة لتحقيق اطماعها في الظروف الجديدة المتسمة بالتخبطّ، و تسعى الى ادامة ذلك التخبّط الفكري و تعمل على تعميقه بالسير على وقع سكّته، في محاولة منها للعودة بالوعي الى وضع يشبّهه قسم و كأنه عودة الى حالة الوعي في عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، اي قبل ظهور و قيام نظام اقتصادي ـ سياسي قام على آليات مناقضة للرأسمالية، اثر انتصار ثورة اكتوبر في روسيا عام 1917 .

في عملية كبيرة معقدة تراهن على الإعلام و على العنف المستتر به، و تعمل على انشاء مناخ تقوم فيه منظمات و احزاب تناسب الواقع و المصالح الجديدة لتسويغها كبديل للمنظمات و الأحزاب التحررية و العمالية و الإشتراكية المجربة الساعية للتجديد ـ على اساس : الضخ الإعلامي بانتفاء الحاجة اليها، و صرف الملايين ـ مستغلة تلكؤ الأخيرة كما مرّ، فالزمان لا يرحم.

و قد اوجز ذلك توضيح كوندوليزا رايس اواسط 2002 حول فضائية الجزيرة و غضّ الإدارة الأميركية النظر عن نشرها لبيانات القاعدة الإرهابية، عبّرت فيه بانهم لاينفعلون من المقابل و لكنها فرصة لمتابعته ؟! و ( لتأكيد ديمقراطيتنا التي تتطلب الحاجة لمعرفة رأي المقابل و تطورات فكره) على حد تعبيرها. بعد ان عرفوا ـ او خططوا بنظر قسم ـ ان منعها يضرّهم اكثر مما ينفعهم في المناخ الساعين لبنائه . . من خلال اعلام يستفز اعلام مقابل على اساس (الرأي و الرأي الآخر)، و رصدت له ملايين فلكية من الدولارات.

و يرى متخصصون بأن الإحتكارات تسعى لأستقراء الذهنية الجديدة التي تنشأ اثر التحولات العالمية الكبرى، مستندة في كثير من سعيها ذلك، على منهج كارل ماركس على حد وصف السناتور زبينغو بيرجينسكي (2) . . في مختبرات و نوادي الخيال العلمي التي تطورت الى معاهد و مؤسسات بحث و دور ثقافة و نشر، كتب و روايات و افلام . . . منها و على سبيل المثال ما تعبّر عنها روايات و افلام الخيال العلمي "الساينس ـ فكشن " science – fiction . . !! و غيرها .

فالمعاهد و المختبرات الستراتيجية لم تتكون عبثاً . . و لم يأت كلام السناتور جيمس بيكر(3) الى طارق عزيز في تشرين 1990 من فراغ او رجماً بالغيب، حين هدد بعودة العراق الى ما قبل عصر الصناعة ان لم تعيد الدكتاتورية النظر بسياستها الحربية الإقليمية . . و لا تصريحات وزيرة خارجية الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون، مادلين اولبرايت عام 1997 ، التي عبّرت فيها عن مجئ فترة دموية و اكثر وحشية على العراق من حالة الحصار، ان لم تكف الدكتاتورية عن مشاريعها العسكرية. . و ذلك ماحصل و يحصل . .

و من هنا تدرك الإحتكارات العالمية الدور الهائل للإعلام في حرف و تعمية الوعي بما يخدم مخططاتها، و للهبوط بقدرة الجماهير على استيعاب مايجري لشلّها عن لعب دورها . . ومن هنا حاجتها الى جيوش الكتاب و الصحفيين و آلاف القنوات الفضائية، و الى الأنترنت بعد ان ازدادت الحاجة اليها كما مرّ ـ و فتحت كمّاً كبيراً من الأسرار ـ و سط نشرها و انتشار كمّ هائل من الإعلام الهابط و افلام البورنو الجنسية الرخيصة . . لتساهم مع درجات الوعي المتأخر في توسيع هوة الضياع، و ليتلقف ذلك الوعي المتأخر، استمرار التنظيرات و التحشيدات الفكرية القائمة على نبش الماضي و على البحث عن ثغرات و عثرات و خسائر و ثارات من قرون سحيقة، ليعاد بنائها في بثّ و تصعيد الفتن الدينية و الطائفية و العرقية الداخلية بمنطق ( استعادة الحقوق في ظل الديمقراطية الجديدة ).

من جانب آخر، وفيما يرى كثير من المراقبين بأن فضائح الفساد الإداري و استغلال النفوذ و مواقع السلطة في واقع اليوم، صار و كأنها لاقيمة لها، فالجميع باقون على كراسيهم رغم الفضائح، الاّ من حانت ساعته لتبييض الواجهة مجدداً . . قد جعل من تلك الفضائح لأن تكون ذات قيمة اقل بكثير مما لو انكشفت في ما وصف بـ (مرحلة الحرب الباردة) . كدليل على ان سلطة القرار في البلدان الستراتيجية يحددها سير و نتائج صراع القوى المتحكمة (دولية، اقليمية، و دولية ـ اقليمية متشاركة) التي تتقبل من جهتها تسرب الفضائح كامر واقع لابد منه، لأن اسكاته يثير ضجة اكبر ولاينهي التسرب من جهة ، ولأن القوى المتحكمة لايهمها ذلك، مادام مايجري يحقق لها مصالحها، كاعتراف الرئيس السابق جورج بوش الأبن بحق الشعب بمقاومة الإحتلال؟! و هو يقود الأحتلال !!

و فيما برهنت محاولات غلق موقع ويكيليكس، بكونها تهدد بظهور مواقع و مواقع جديدة و اخرى لايمكن بسهولة تحديدها في زمان الأنترنت، في برهان منظور على بعضٍ من المديات التي وصلت اليها الثورة العلمية التكنيكية المعلوماتية . . . و صار يشكّل مؤشراً لأزمة من الأزمات المتواصلة للرأسمالية ـ وفق قانونها لتحقيق اعلى الأرباح ـ في زمن العولمة و الإتصالات، و حافزاً لتكوين آليات اعلى جديدة تسعى لأسكاته لبرهة زمنية فقط . . حيث ستتكون آليات اخرى مواجهة للجديدة من طراز " ويكيليكس " و بآليات أعلى ايضاً و بأسماء جديدة (4).
و رغم كل مايقال عن " وثائق ويكيليكس" . . الاّ انها كشفت زيف ( الشفافية ) و كشفت استمرار العمل بـ " نظرية المؤامرة "، و يرى سياسيون أنه بالرغم من ان الوثائق تضمّنت معلومات هامة كشفت كثير من المستور في فهم ماهية المرحلة التأريخية التي نعيشها، الاّ انها بنفس الوقت جاءت متأخرة عن زمان التهاب الحدث و امكان التأثير فيه . . اضافة الى ان الإعلان عن نشرها الكترونياً ثم اعلامياً، قبل فترة زمنية ليست قصيرة لأهداف تخص القائمين على الموقع، و لما تطلبته الصحف العالمية (5) لتقدير صحة نشرها و استعدادها لتحمّل مسؤولية النشر . . قد فسح المجال لأن توظفها اهداف و عمليات متنوعة تقوم بها احتكارات و مؤسسات و هيئات حكومية عليا لتسويغ مراميها من خلال الشطب الفني لفقرات منها . . و لسرعة تتالي الأحداث في عالم العولمة و الإنترنت الجديد .

في وقت جرّت فيه وثائق ويكيليكس العالم الى نقاشات جادة حول حقوق الملكية الفكرية، و ضرورة اعادة النظر بالقوانين المنظّمة لها ـ التي لاتزال غائبة في عالمنا الشرق اوسطي ـ ، و ادّت الى اطلاق وزير العدل الأميركي ايريك هولدر الملاحقات القانونية الأميركية بما يخص الملكية الفكرية على كل العالم بغض النظر عن الجنسية و البلد، كما نشر موقع وزارة العدل الأميركية .

و تشير اوساط سياسية و فكرية وشعبية واسعة، الى ان عالمنا الجديد، يشهد تزايد الصراع بين الفقراء و المحرومين من جهة و بين الإحتكارات الكبرى و حلفائها من الأغنياء و المافيات و الميليشيات، وان الصراعات صار مداها اوسع من حصرها و تحديدها بتعبير " الصراع الطبقي بالمفهوم الكلاسيكي السابق" كما تقدّم، بعد ان صار الصراع الطبقي يأخذ ابعاداً و تجليات اكبر مما مضى، بتوسع ضحاياه و توسع طابعه الإجتماعي . . و بجرّه اوساطٍ عديدة متزايدة اليه، من كفاءات و ثقافات و معتقدات شخصية متنوعة، و من شتى القوميات والأديان و المذاهب و الطوائف. .

الذي يتطلب اعادة بناء آلية حديثة لـ " تفكير جديد " على اساس منهج المفهوم المادي و الإنساني و الحاجات الإنسانية، و كمحصلة لكل العوامل الفاعلة التي صارت تمسّ ما كان يعتبر اسساً لاتقبل الجدل، في عالم اليوم و مخفياته التي صارت تتكشف اكثر لأوساط اوسع يوما بعد آخر. فالتاريخ مستمر و لم ينتهِ . . على اساس نضال الطبقات المسحوقة ضد استغلال قوة عملها العضلي و الفكري. و تبقى الجماهير تصنع التأريخ بآليات اكثر تنوعاً، رغم التغييب و تلاعب الأقطاب و الإحتكارات الكبرى باستخدامها آليات متطورة، التي يمكن ان تكون بيد القوى التحررية ذاتها . . او بيد من ينشد الحقيقة على طريق العدالة الإجتماعية، كما يحصل في نشر وثائق ويكيليكس .

" تفكير جديد " يقوم على اساس زيادة المعارف و الكفاءات و القدرات العلمية و الإجتماعية الحديثة و الإعتماد على المنهج العلمي في التحليل، في حساب المتغيرات و صياغة الأهداف المرحلية و طرق التنظيم و في تحديد الحلفاء و الأصدقاء من جهة، و تحديد اعداء الشعوب و طبقاتها و فئاتها الكادحة، و يعمل على كسب اوساط الشباب و النساء، انطلاقاً من وعيها القائم و من تساؤلاتها عن حقوقها المشروعة في عيش كريم، في زمان صار يتكشف فيه الخداع، من الوقائع الجارية الحية و من استمرار و تزايد ضحاياها، التي تتسبب بتصاعد موجات من الغضب و الرغبة الحارة في كشف المستور .

تفكير يتفاعل مع التغييرات الجارية و لاينعزل عنها . . من موقعه الذي ان يتصوره البعض متواضعاً . . تتواصل معه و تتابعه و تستمد منه العزم، اوساط تتزايد . في عالم صار فيه الإنترنت فضاءً لايمكن الإستغناء عنه، كالكهرباء و الراديو و التلفزيون، و في زمان يسير كما توقع به كثير من العلماء و المتعقلين، في ان التغييرات السريعة الجارية تشمل شئنا ام ابينا الغرب الرأسمالي الكلاسيكي نفسه، بعد انهيار نظام عالمي كامل بشرقه و غربه . . و تغيّره من عالم توازن القطبين الى عالم القطب الواحد الذي يتحوّل الى عالم متعدد الأقطاب يقوم على اسس جديدة تستدعي ظهور منظومات قانونية جديدة، بعد ان بدأت منظومة القوانين الدولية العتيقة تعجز عن السريان .

الأمر الذي يتطلّب ضرورة فهم طبيعة موقع بلداننا مما يجري ـ و بالتالي حركاتنا التحررية و احزابها العمالية و منظماتها و اتحاداتها الشبابية و الطلابية و النسائية و الإبداعية ـ التي قد لم تعد في مكان المتلقي و ميداناً للصراعات بين الكبار فقط كالسابق . . في زمان يشهد هجوم الأنظمة الرأسمالية الغربية على المكتسبات التي حققتها شغيلتها و شعوبها ذاتها بنضالها طيلة قرون . .


9 / 1 / 2011


(1) اي ما اصطلح عليه بـ " الرأسمالية المتوحشة " .
(2) بيرجينسكي، رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي للرئيس الأسبق جيمي كارتر، ابرز مفكري و منظري تجمّع " المحافظين الجدد " الحاكم، عن الحزب الديمقراطي .
(3) جيمس بيكر، وزير خارجية الرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب، و هو القطب الجمهوري البارز في تجمع " المحافظين الجدد" الحاكم، والشريك في " خطة بيكر ـ هاملتون " .
(4) فالأمر يسير كما تسير عليه اجيال الفيروسات الكومبيوترية التي لاتكفّ عن التطور في مواجهة مايسكتها، و كأجيال الديدان الكومبيوترية ـ warms ـ و غيرها الكثير، في عملية متطوّرة و متصاعدة لاتنتهي بمنظور علوم اليوم .
(5) المقصود صحف : نيويورك تايمز الأميركية، ديرشبيغل الألمانية، لوموند الفرنسية، الغارديان البريطانية .
 

" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس (2)
" التفكير الجديد " . . و وثائق ويكيليكس (1)
 


 

free web counter