| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

أ.د. محمد الربيعي
alrubeai@gmail.com

 

 

 

الأربعاء 9/1/ 2008

 

هل ستلتحق جامعاتنا بركب الجامعات العالمية في القرن الواحد والعشرين؟

ا. د. محمد الربيعي *

انقضت سنة أخرى وجامعاتنا ليست على ما يرام من ناحية إعادة البناء وتجاوز "السكتة القلبية"، سنة تشبه في جوهرها السنة الماضية أو هكذا يشعر المتتبعون. مازالت إدارة التعليم العالي على ما كانت عليه من بيروقراطية ولا زالت مركزية القرار تحد من تطوره. إلا إن ما يلفت الانتباه في هذه السنة الدراسية حول المناخ العام في الجامعات، هو الارتفاع الملحوظ للمواظبة وساعات التدريس، الشيء الذي يؤشر الى عودة الاستقرار ولربما الى بدء قدر من التفكيك وإعادة البناء، دون دك الاسس ومراكمة الانقاض ونحن نعرف جيدا ان لكل اصلاح ثمن، فنسأل اين المسؤول الذي سيجرأ على البدء في التغير ويرسم خارطة طريق وبرنامج عمل للاصلاح خدمة للمصلحة العامة واستثمارا لازما من اجل مستقبل التعليم العالي في العراق؟

الإرهاب وانعدام الاستقرار
وكما هي عليه في السنوات الماضية اثرت ظاهرة الإرهاب وانعدام الاستقرار هذا العام بصورة كبيرة على عمل الجامعات، من تدريس وبحوث وادارة، فأضحت ظواهر التغيب والانقطاع عن الدراسة والغش قائمة الذات، وحاضرة بقوة داخل اغلب الاقسام العلمية، فالمعطيات الواردة من الجامعات تؤكد استمرارية السلوكيات نفسها التي دفعت بعملية التعليم العالي منذ حرب الخليج الى الوراء ولسنوات عديدة، مقارنة بما يحدث بالجامعات الاجنبية من تحديث وتطوير لعمليات نقل المعرفة والتدريب والاستقصاء والابداع.

ونتيجة للاوضاع غير الطبيعية التي عانت منها الجامعات للسنوات الماضية، وما كرسته من مظاهر سلبية عمقت الفوارق بين المستويات الدراسية بين الاقسام سواء داخل الجامعة الواحدة او بين الجامعات المختلفة، تدهور مستوى التدريس، وانعدم عمليا البحث العلمي وطالبت اصوات محلية وعالمية وكل الضمائر الحية من رجال التعليم العالي بحماية التدريسي العراقي من القتل والخطف والتهديد الذي اصابه باكثر مما اصاب اية شريحة اجتماعية في المجتمع العراقي. ومع ان هذه السنة شهدت عودة عدد كبير من العوائل العراقية المهاجرة الى الوطن، لكن المعلومات المتوفرة لا تدل على عودة الأكاديميين العراقيين باعتبار معظمهم ذو خبرة عالية، والجامعات بحاجة ماسة لهذه الخبرات. كما ان توفير الامان والاستقرار ومنع تدخل المليشيات في أمور الجامعة لابد ان يؤدي الى استقطاب الخبرة العراقية المتوفرة بكثرة في البلدان الغربية. وكل ذلك سيساعد الجامعات على بدء عملية اعادة البناء بصورة بعيدة عن الوصاية والاشراف المباشر والتدخل المستمر من الدولة، وهي عملية ضرورية لتطوير التعليم الجامعي، وبدونها لا يأمل من إحداث قفزات نوعية في المناهج واساليب التدريس والبحث العلمي والابداع، بل سيغلب الطابع المعتاد عليه في الدول النامية ذات الموارد المالية من توسع افقي كمي على حساب النوعية نتائجه وخيمة على الاقتصاد الوطني لتكاليف هذا الاسلوب الهائلة وانتاجيته الواطئة.

تحديات العصر أمام الجامعات
تواجه الجامعات العراقية تحديات هائلة في عصر العولمة ومسؤوليات كبيرة تفوق طاقاتها المادية والاكاديمية بسبب أعداد الطلاب الهائلة، بحيث انها تواجه حقا انفجارا بشريا ضخما فضلاً عن انفجار في المعلومات وهو ما يسمى بالانفجار المعرفي. يحتاج الانفجار الاول الى زيادة في عدد التدريسيين والبنى التحتية لسد الحاجة الماسة للنمو الكمي، وهي مسألة تتعلق بإمكانيات التمويل وتوفير الموارد البشرية كبديل افضل من انشاء جامعات جديدة. لانه حسب تطبيق المعايير العالمية في ضرورة انشاء جامعة لكل مليونين من السكان فان وجود اكثر من 20 جامعة وما لا يقل عن 38 من معاهد التكنولوجيا يعني وجود زائد في عدد الجامعات، بالاضافة ان عدد كبير من الجامعات تفتقر الى ادنى الاحتياجات المادية والبشرية ولا تتميز كثيراً عن المدارس الثانوية او معاهد التكنولوجيا. لذلك من الضروري اعادة النظر في سياسة انشاء جامعات جديدة والتريث في التوسع على حساب النوعية، وهي طريقة اثبتت فشلها في بلدان مختلفة لعدم اهتمامها بالنوعية والتي لا تتحقق الا بتوفير الكفاءات التدريسية والبنى التحتية المتطورة. ومن المهم ايضا اعطاء الاولوية للتعليم التكنولوجي والمهني والاسبقية للمعاهد العليا للتكنولوجيا، باعتباره التعليم الاكثر واقعية ومسايرة لمتطلبات العولمة ولحاجات المجتمع. وتتخلف الدول النامية بصورة عامة في هذا المجال حيث نرى معدل 20% من الطلبة يتوجهون بعد انهائهم الدراسة الثانوية نحو التدريب التكنولوجي العالي في مقابل 50% من طلبة الدول المتقدمة. يقترح الدكتور نجاح كاظم في كتابه "التعليم والبحث العلمي – حاجات العراق الجديد" الى تأسيس جامعات متخصصة في الزراعة والتربية والتعمير والنفط والبيئة وتحلية المياه وتأسيس الاكاديمية العراقية للهندسة هدفها تطوير المعرفة والمهارات الهندسية واحداث الترابط المفقود بين الجامعات والصناعة. وهذا يعني القول بضرورة "عصرنة" النظام التعليمي في مختلف مستوياته وذلك بالعمل على تجديد مقرراته ومناهجه وادخال التقنيات المعلوماتية الحديثة التي توجه الطالب نحو القراءة والاطلاع المستقل واستخدام المكتبة والانترنت وتعليم الطالب كيف يفكر، او بعبارة اخرى كيف يتقن الاسلوب العلمي في التفكير بدلا من التلقين واجترار المعلومات. ونحن نستطيع الجزم على ان المستقبل هو لاقتصاد المعرفة المدعوم بتكنولوجيا المعلومات والذي سيتطلب موارد بشرية مؤهلة تستمر في التعلم مدى الحياة لتطوير مهاراتها كي تواكب مستجدات سوق العمل المتجهة نحو المنافسة والعولمة. وبهذا المنظار يحدد الدكتور عبد النبي رجواني في كتابه "حول اصلاح التعليم" الدراسات المتخصصة والمهارات التي تلزم الطالب التوفر عليها في المستقبل وهي:
- مهارات وظيفية: العلاقات العامة والدقة في الاداء والتقدير الصحيح،
- مهارات فنية: التحليل والتركيب واستخدام الحاسوب ،
- مهارات انتاجية: الجودة وخفض الهدر وتحقيق الاهداف واتخاذ القرارات ،
- مهارات اشرافية: توجيه الاخرين والتفويض والتقويم والقيادة،
- مهارات التواصل : الكتابي والشفهي وادارة الخلاف ،
- مهارات شخصية: المرونة والاقناع والاحترافية .
هذه المهارات معظمها مفقودة عند خريج الجامعات العراقية فالاهتمام جله منصب على حشو دماغ الطالب بمعلومات اختصاصه الدقيق وهي معلومات يجترها الطالب بداخل الجامعة وتصبح عديمة الفائدة حال تخرجه لعدم ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل. يقترح الدكتور نجاح كاظم في كتابه المذكور اعلاه ضرورة تأسيس "مجلس للمهارات مهمته تطوير مهارات الطلبة الجامعيين وتهيئة عناصر نافعة للجانبين التجاري والصناعي، وذلك من خلال التعاون بين الشركات الصناعية والمراكز التجارية والاقسام والكليات الاكاديمية ذات العلاقة".

الجامعة وحاجات سوق العمل
لقد كرهت سماع الارقام التي تؤكد زيادة عدد الجامعات والكليات والاقسام والطلبة والخريجين لانها لا تعني الا مزيدا من الارهاق للاقتصاد الوطني بتوفير اعداد هائلة من الخريجين لشغل وظائف دولة لا حاجة للبلاد لمزيد منها، وبذلك فالدولة تساهم في خلق مشكلة البطالة لشريحة واسعة من الخريجين، تصرف موارد كبيرة على تعليمهم الجامعي، دون أن تستطيع توفير وظائف مناسبة لهذه الأعداد الكبيرة من الخريجين الذين تزيد أعدادهم عن حاجة البلاد.

المقارنات التوثيقية استنادا على الارقام والاحصائيات والمؤشرات الكمية نافعة لتحديد المردودية وفق منظور الدولة والمؤسسات الدولية، الا انها كثيرا ما تكون انتقائية ومتحيزة ولا تأخذ بنظر الاعتبار العوامل الاجتماعية وعوامل النوعية. نحن نحتاج الى مقاييس ومعايير لرصد التطور النوعي ومدى ملائمة الخريجين لاحتياجات سوق العمل وجودة التدريب، فعدد الخريجين ليس بالمؤشر الكافي لتأكيد فعالية الجامعة في توفير حاجات المجتمع من القوى العاملة. والارقام بالتاكيد لا تدل على الرقي فعلى سبيل المثال في دراسة لليونسكو عام 2007 ظهر ان عدد الخريجين في 19 دولة نامية يفوق بكثير عدد الخريجين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تظم 30 دولة صناعية متطورة، ويتخرج في الهند اكثر من 200,000 مهندس في حين لا يزيد عدد الخريجين في بلدان الاتحاد الاوربي عن 20,000 سنويا.

ما العمل؟
ان انخفاض الكفاءة التعليمية والتدريبية و"الجودة" وزيادة الفاقد التربوي المرتبطة بنشوء الجامعات الحديثة تتطلب نهجا تعليميا مغايرا لما هو قائم حاليا، لذا ادعو قيادات التعليم الجامعي الى التفكير والتخطيط لنظام تعليمي جامعي يعتمد على:
1. المنافسة خصوصا بين الاقسام داخل الجامعة الواحدة وبين الجامعات المختلفة ،
2. الإدارة اللامركزية للجامعات والمرونة التنظيمية والهيكلية لمختلف مؤسساتها،
3. إدخال أنظمة إدارية وأكاديمية جديدة ملائمة لقبول التغيير السريع والمستمر ،
4. التعاون الأكاديمي والعلمي بين الجامعات العراقية اولا، وبينها وبين الجامعات الاجنبية ثانيا،
5. إيجاد مصادر اخرى لتمويل الجامعات ،
6. تنمية مستوى كفاءات ومؤهلات الموارد البشرية ،
7. تطوير المناهج وطرائق التدريس .

والاقتراحين الاخيرين لهما اهمية خاصة بما يتعلق بموضوع هذا المقال لان التعليم العالي بشكله الحالي يعتمد على الاملاء والتلقين والحشو والحفظ بدل التحليل والتفسير والتعليق والفهم والاستنتاج والاستنباط. ومهما كان التباين الذكائي بين طلبة الكليات استنادا على تحصيلهم الثانوي فأن الخريجين سواء كانوا أطباء او ممرضين يعانون من قلة المهارات المذكورة اعلاه (الوظيفية والفنية والانتاجية والاشرافية والشخصية)، وفيما عدا الطب والهندسة وبعض الكليات المهنية يجد معظم طلبة الكليات الاخرى صعوبة في ايجاد عمل يتلائم مع اختصاصاتهم، ومع ذلك تستمر الجامعات في تخريج دفعات من الطلبة قليلي المهارات بدون أي اعتبار لسوق العمل. الطالب في هذه الجامعات يحصل على شهادة في الفيزياء او الكيمياء او البيولوجيا او غيرها من المواضيع التكنولوجية لكي يحصل على وظيفة تربوية كمدرس في المداس الثانوية هذا علما ان كليات اخرى متخصصة وفي نفس الجامعات تقوم بتدريب عناصر مؤهلة للتدريس في المدارس الثانوية. في الغرب اذا لم يحصل الخريج على عمل في الصناعة وفي المواقع الانتاجية او الخدمية ذات العلاقة يعتبر ذلك هدرا للأموال ومضيعة لجهود التدريسيين. فلماذا نستمر في تخريج هذا العدد الهائل من كوادر ليس لها طلب في سوق العمل؟ لماذا نستمر في الانفاق طالما لا نستطيع انتاج نوعية عالية ومتميزة يحتاجها سوق العمل الداخلي والخارجي؟

ان التفوق في الجغرافية والتاريخ قد لا تكون كافية لتكوين قيادات ونخب المستقبل بل ان القدرة على العمل خارج اطار التخصص وامتلاك المهارات الشاملة ستكون هي العوامل الحاسمة. ولذلك تجد العديد من خريجي الكليات الهندسية والعلمية في بريطانيا يتوجهون للعمل في القطاع المالي والمصرفي حيث يتم اختيارهم لقدراتهم في التحليل واخذ القرارات السريعة.

والحقيقة ان المقترحات السبعة المذكورة أعلاه لتطوير نظام تعليمي جامعي يرقى بالجامعات العراقية الى المستويات الدولية هي جزء من عوامل متعددة ومهمة في تحديد مستوى الجامعة عالميا كما يراها ويتمناها أعضاء هيئات التدريس أنفسهم لجامعاتهم، ولاحظتها بنفسي خلال تواجدي في العراق، ومنها:
- سمعة محلية وعربية وعالمية للشهادات وبرامج التأهيل ،
- بنية تحتية شاملة تتضمن بنايات وقاعات ومختبرات مجهزة تجهيزا عاليا ،
- سمعة عربية وعالمية للبحوث العلمية،
- وجود علماء ومربين في الجامعة متميزين عالميا ،
- بيئة جامعية حرة وجو مفعم بالحرية والتقدير واحترام الرأي وبدون تدخل او ضغوط خارجية ،
- إمكانيات مالية ملائمة وقوة أكاديمية مؤهلة تستمر في التعلم مدى الحياة،
- طموح لا متناهي لتحقيق الجودة الشاملة وتبوأ مستوى عالمي في سلم الجامعات العالمية.

الجامعات العراقية ووزارة التعليم العالي مدعوة لدراسة هذه الرغبات والطموحات ووضعها في نظر الاعتبار عند وضع أي مشروع اصلاحي للنهوض بمستوى الجامعة في العراق والبدء بوضع أرقام لقياس معدلات التطوير والنمو في مجال كل مقترح من الاقتراحات أعلاه.

استقلالية الجامعة
كما ذكرت في عدد من المقالات السابقة والمحاضرات فأني أؤكد مرة أخرى على ضرورة تمتع الجامعات العراقية باستقلالية مؤسساتية وأكاديمية ومالية على وفق مبادئ ومقاييس موضوعية ومرونة تنظيمية ضمن رؤية إستراتيجية لقضايا التعليم العالي ومستقبله تضمن تطبيق مفرداتها الدولة من خلال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لكي تتخلص من مشكلاتها التي تعيق تطورها وتكبل حركتها وتمنعها من أداء رسالتها بحيث تساير الجامعات الأخرى.

إني متأكد أن أي تطوير نوعي للتعليم الجامعي في العراق لن يتحقق طالما تفتقد الجامعات المرونة التنظيمية والهيكلية والإمكانيات المالية اللازمة لإحداث نقلة نوعية سريعة. وهناك العديد من الفعاليات التي يمكن للوزارة التخلي عنها لصالح الجامعات مثل الإيفادات ومشاركة اعضاء الهيئة التدريسية في المؤتمرات وورشات العمل والترقيات الاكاديمية والتعينات الجديدة لرئيس الجامعة ونائبيه وللعمداء ورؤساء الاقسام ووضع المناهج طالما توجد أسس موضوعية وتعليمات داخلية مقبولة. وبالرغم من بقاء اللامركزية (او الحكم الذاتي كما يطلق على استقلالية الجامعات في الأدبيات الغربية) كحل ملائم لازمة الجامعات واساسا لتطويرها والارتفاع بشأنها لتصل الى مستويات مثيلاتها في العالم الغربي، الا انها ستكون ناقصة وقد لا تحقق الاهداف المرجوة منها اذا لم يرافقها تطوير نوعي في ادارة الجامعات، بمعنى ان استقلالية الجامعة ستكون وبالا على الجامعة اذا لم يتوفر جهاز اداري كفؤ يتولى قيادتها له من الخبرة والمعرفة باساليب الادارة العالمية للجامعات من وضع الخطط الستراتيجية للتدريس والبحوث والانظمة الاكاديمية والهياكل واستغلال القابليات والسيطرة النوعية وتحسينها والادارة المالية الحسنة ومعالجة المشاكل وسن القوانين والانظمة المتعلقة بالعمل الاكاديمي داخل الجامعة وطرق التقييم الاكاديمي وفرض الرقابة على ممارسات اعضاء الهيئة التدريسية والطلاب، ورسم السياسات حول دور الجامعة في مجتمعها الخاص والعام. وتفترض ادارة الجامعة الحديثة مشاركة وتعاون اعضاء الهيئة التدريسية، فالقرارات المهمة لا تؤخذ الا بعد مشاورة كل منتسبي الجامعة بكل شفافية وانفتاح، وعلى اعتبار ان هيئة ادارة الجامعة تمثل مصالح منتسبي الجامعة، وان نجاح مهمتها لا يتحقق الا بالتعاون مع منتسبيها الذين لهم حقوقهم وواجباتهم ودورهم المحدد بقوانين تسيير الجامعة. وفي هذا المضمار تلعب سياسات وطرق قياس الاداء دورا مهما في تحقيق اهداف الجامعة. هذا كله يحتاج الى خبرة واطلاع ومعرفة وثيقة بأساليب الادارة الجامعية العالمية واتجاهات التغيير والتطوير.

يتطلب اصلاح النظام الجامعي في العراق الى اعادة النظر في العلاقة بين الجامعات ووزارة التعليم العالي، لربما من خلال تخفيض السيطرة على سياسة وادارة الجامعات عن طريق اعادة توزيع القوة والسلطة بين دوائر الوزارة والجامعات وتأسيس وتفعيل مجالس ادارة الجامعات واعطائها مسؤوليات اكبر واكثر. وعندما لا تؤدي الجامعة وظيفتها على نحو كاف، يجوز للوزارة تغيير نظام ادارة الجامعة بحيث تفرض رقابة او سيطرة لجنة ادارية اعلى بصورة مؤقتة لوضع تعليمات جديدة لاجل رفع مستوى الاداء الاداري والاكاديمي في الجامعة.

الجودة وتقيميها
يرتبط التطور النوعي في ادارة الجامعات بجودة التعليم والبحوث لانها تتطلب ادارة ذات خبرة ودراية ومتحمسة للتغيير. والجودة تعني الحرص على انجاز العمل بالشكل المطلوب وتحسين المنتوج والابتكار والانتاجية العالية والتخلص من الهدر ويتطلب تحقيق ذلك وجود جهاز خاص بالمعايير والمواصفات يقوم بعملية تقييم التدريس والبحوث على اسس التقييمات التربوية العالمية. وللجودة مؤشرات كمية ونوعية عديدة ومن الصعوبة تحديدها حصرا بأحد هذه المؤشرات دون الاخرى فعلى سبيل المثال هل يعتبر نشر بحث واحد في مجلة "النيشر" افضل من نشر عشرة بحوث في مجلات علمية عالمية اقل مستوى؟ وهل ان مجرد تخريج الف طبيب ذو مستويات متباينة افضل من تخريج مائة طبيب ذو مستوى متميز جدا وبمعدلات عالمية؟

يتطرق الدكتور عبد الغني رجواني في كتابه "اصلاح التعليم" الذي أشرت له آنفاً الى ما ذكره شاكر حمود ال حمودة حول مراقبة جودة التعليم في دول الخليج (المعرفة، عدد 108، 2004) الذي اكد على انه " لا يمكن الحكم على جودة التعليم من خلال تقارير الجهات المسؤولة مهما كانت مصداقيتها ومهنيتها في العمل. فتداخل المصالح الذاتية والرغبة في الحضور الاعلامي تجعل الجهات المسؤولة عن التعليم تحتفي باقل الانجازات، وتجعل منها حدثا بارزا وهي بعيدة كل البعد عن التأئير في واقع الممارسة التعليمية... ان جودة التعليم يمكن ان تكون اكثر مصداقية اذا صدرت من مؤسسات مهنية مستقلة، وباحصائيات وتقارير علمية مؤكدة وليست مجرد شهادات ودروع تصدر بقرار من اشخاص لهم مصالح معينة لدى مؤسساتنا التعليمية".

وترى الدكتورة لمياء محمد احمد السيد (العولمة ورسالة الجامعة- رؤية مستقبلية) ضرورة التقويم الذاتي في ضوء معايير الجودة الشاملة لما يتم انجازه او جرى تعثره في ضوء خطة عمل كل كلية خلال العام، ويتضمن ذلك تقييم كفاءة المؤسسة، إداريا وماليا وفنيا وتعليميا وبحثيا، ومدى مشاركة الاساتذة والطلاب في تنظيم الانشطة التعليمية والبحثية والترفيهية والخدمية. وتدعو دكتورة لمياء الى عقد مؤتمر كل عام في الكلية تناقش فيه التقارير والتوصيات التي ترفع الى مجلس الكلية لاخذها بعين الاعتبار عند إعادة التخطيط للسياسات وطرق التنفيذ وأساليب الأداء للعام التالي.

ويبدو ان جامعة بغداد ادركت اهمية تقويم الجودة فعقدت ورشة عمل لتقويم اداء الكليات والمعاهد والمراكز البحثية التابعة للجامعة واوصت الورشة بتكريم الكلية التي تحصل على اعلى نقاط المفاضلة وبضرورة تشكيل لجنتين الاولى خاصة بتقويم الاداء انسجاما مع متطلبات اتحاد الجامعات العربية والثانية تتخصص بموضوع تقويم وانتقاء وتصنيف الافراد عن طريق فتح دورات تخصصية.

إدارة الجامعة
الجامعة العراقية تدار بنمط إداري لا يختلف كثيرا عن ادارة "امانة العاصمة" بالرغم من الاختلافات الجوهرية بين المؤسستين. ولكي يتم التغيير لابد من تأسيس مجلس اداري اعلى (كما بينته في حقل استقلالية الجامعة اعلاه) بالاضافة الى ما هو موجود حاليا من مجلس الجامعة المتكون من الرئيس وعمداء الكليات والذي يقابل المجلس الاكاديمي في الجامعات الغربية. تكون مهمة المجلس الاداري الاعلى الاشراف على التعينات الادارية والاكاديمية العليا والموافقة على الترقيات لرتبة الاستاذية ومراقبة الصرف الجامعي والمصادقة على الميزانية السنوية والإشراف على ممتلكات الجامعة من بنى هيكلية وتحتية بالاضافة الى سن قوانين الجامعة والتي غالبا ما تكون لها خصوصيات تتعلق باهداف الجامعة وسياساتها التي تتعلق بموقعها واختصاصاتها العلمية. والاخيرة ليس من الضروري ان تتشابه في الجامعات المختلفة فتحديدها يجب ان يعتمد على حاجة سوق العمل والخبرة التدريسية المتوفرة وتوفير المختبرات وورشات العمل. ان المركزية تؤدي الى التناسق والتشابه، لذلك نرى الجامعات العراقية بالرغم من الفوارق في عدد التدريسيين والطلبة لا تختلف كثيرا في نوعية المناهج وطريقة الادارة والاهداف وكأنها نسخ من بعضها الاخر، وهي لذلك لا تستطيع تأسيس اقسام ومناهج متطورة تتناسب مع التطور العالمي للمعرفة. كما وتحاول الجامعات الناشئة تقليد الجامعات العريقة بدون دراسة لسوق العمل وحاجة المجتمع، ولقد تعرفت عن كثب على مثل هذا الاسلوب عندما كنت في ادارة التعليم العالي في عام 2003 ، حيث وصلنا طلب من إحدى الجامعات لتأسيس كلية جديدة وسبعة اقسام علمية بدون تقديم أي سبب لهذا الطلب ناهيك عن ذكر الامكانيات التدريسية والبنايات. انا لا اعتقد بأن الجامعات العراقية ستنهض بمسؤلياتها وتتمكن من تخريج اجيال كفوءة طالما بقيت عقلية الكم هي المسيطرة على اخذ القرار فيتم تأسيس جامعات جديدة لان المدينة او المحافظة لا تملك واحدة.

ولغرض تحديد الاوليات عند فتح اقسام او كورسات جديدة لربما من المهم تذكير الجامعات العراقية بإحدى نتائج ندوة المنظمة العربية للتنمية الادارية حول "استشراف الوظائف الجديدة المطلوبة في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين" المنعقدة بالقاهرة في شباط 2006 (مذكورة في كتاب"حول اصلاح التعليم" للدكتور عبد الغني رجواني) وهو بما يتعلق بالوظائف الاكثر طلبا في المستقبل وهي:
- مقدمو الخدمات الطبية ومساعدو الخدمات والعناية الطبية،
- مهندسو الحاسوب وأمن المعلومات والشبكات والتطبيقات ،
- موظفو البورصات والاستشارات المالية والتأمين،
- موظفو وعمال المرافق العامة والخدمات الادارية،
- قطاع الفندقة والسياحة والاستجمام والوجبات السريعة،
- اخصائيو خدمات التعليم.

على قيادات الجامعات الشروع بالتفكير في مسألة العلاقة بين التدريب وسوق العمل وان تكون هذه المسألة الأساس في أي مشروع للإصلاح الجامعي واستقلالية الجامعة. الجامعة الحرة جامعة تخدم حاجات المجتمع لتدريب ما يحتاجه المجتمع، ففي الوقت الذي نؤكد فيه إمكانية الاستفادة من تجارب الآخرين، ولكن لا يجب استنساخ التجارب وتفصيل أقسام علمية على مقاسات جامعات أخرى أو حاجات مجتمعات أخرى، فلكل جامعة ومجتمع ظروفهما الخاصة بهما.


*
مستشار لرئيس الجمهورية للشؤون العلمية


 


 

Counters