محمد علي محيي الدين
السبت 30/8/ 2008
هوامش على مذكرات حسين سلطانمحمد علي محيي الدين
(1)
قبل أيام تفضل مشكورا الأخ الكريم باقر إبراهيم الموسوي وأرسل لي مذكرات الفقيد حسين سلطان صبي،المناضل الشيوعي الكادح،وأبن مدينة النجف الباسلة التي أغنت الحركة الوطنية وحزبها الشيوعي بآلاف المناضلين الأشداء،وفي أزقتها نمت بواكير الفكر الشيوعي في العراق،ومن جوامعها انطلقت الجحافل الثورية لتسهم في نضال الشعب العراقي طيلة عقود من السنين، وفيها كانت العاصفة الحمراء التي تعد من اللبنات الأولى في إشاعة الفكر الشيوعي الخلاق،ويكفي هذه المدينة الشامخة فخرا أن يكون الشهيد حسين محمد الشبيبي عضو المكتب السياسي لحزبنا الشيوعي العراقي من أبنائها،وحسين أحمد الرضي (سلام عادل) من شبابها،وحسن عوينة من فتيانها ،ومحمد موسى من طلائعها ،ومحمد حسن مبارك من مناضليها،وعلي الشبيبي من أعلامها ، وحسين سلطان صبي الكادح الحقيقي الذي لم تتسرب الأفكار البرجوازية العفنة إلى تفكيره أو تؤثر في توجهاته ،فكان من البروليتاريا صاحبة المصلحة الحقيقية في النضال الوطني.
لقد كانت هذه المدينة من أهم البؤر الثورية في العراق،وطبيعتها العلمية أوجدت فيها حراكا فكريا حادا يختلف عن المدن الأخرى ،فالنائيني أتخذ منها موطنا لبث رسالته التجديدية في المشروطة والمستبدة،ومحمد حسين كاشف الغطاء نزع عن وجهها ما تركه الزمن فكانت حاضرة التجديد والتقارب الديني ،والأمام ألحمامي أطلق منها حمامات السلام لتجوب مدن العراق،وحسين الشبيبي خطيبها الذي هز العروش بخطبه الوطنية النارية..و..و،وتختلف عن بغداد العاصمة بمفكريها وأدبائها فهي عاصمة السلطة والجاه لذلك ندر أن خرج من أوساطها مناضل حقيقي له قصب السبق أو فضل الريادة،وإنتاجها السياسي لا يعدو سياسيي الصالونات الذين تجذر نضالهم من خلال السلطة ومراكز الحكم،فيما كانت النجف تختلف جذريا عنها،فهي عاصمة الفكر والشعر والأدب،وبوتقة الثقافات المختلفة التي تعددت وتنوعت بتنوع ما فيها من وافدين من دول أخرى مزجوا الكثير من ثقافتهم في ثقافتها،ويتميز أبنائها حتى غير المتعلمين منهم بموفور الثقافة،لاختلاطهم بالطبقة الفكرية والثقافية من خلال المجالس العلمية والأدبية التي تحضرها مختلف الطبقات الاجتماعية،وتناقش فيها القضايا العلمية والأدبية،ومحافلها الأدبية التي كانت تقام يوميا كسوق عكاظ ومربد البصرة بما يلقى فيها من شعر في مناسبات مختلفة،وكان الأمي يحفظ غرر الشعر وروائعه،وأعقد المسائل وأصعبها،بل أن الكثيرون منهم مارسوا النظم وأن لم يكونوا على شيء من علم،أو يجيدون القراءة والكتابة،أمثال الحاج زاير متنبئ الشعر الشعبي العراقي ،وعبود غفلة الشمرتي صناجة الشعر ألنجفي، وغيرهم الكثير،بل أن بعض شعرائها من طبقات الشعب الدنيا ومن الأسر الكادحة أمثال مهدي الحجار الذي كان والده ينقل الحجارة من خرائب الكوفة إلى النجف على الدواب،وتمتاز بأن أبنائها سواسية فقرائهم وأغنيائهم،لا يميز المتميز منهم إلا علميته وقدرته على الإجادة في فن من فنون المعرفة،وإنها تحتفي بالأديب والعالم والشاعر أكثر من احتفائها بأغنى الأغنياء،وكان لأبنائها من رجال الدين وصغارهم بالذات الأثر الكبير في نشر الفكر الوطني في الريف العراقي،وكان الكثير من هؤلاء ينقلون الفكر الرافض والثوري إلى القرى والأرياف في زياراتهم الموسمية،فأسهموا بشكل أو آخر في نشر الوعي الفكري في الريف،ومن هذه المدينة بالذات أنطلق شعراء الحركة الوطنية كالشبيبي محمد رضا والجواهري وبحر العلوم وغيرهم من قمم الشعر الوطني في العراق.
في هذه المدينة نشأ حسين سلطان صبي،وهو يتفيأ أفياء دوحة وارفة الضلال من الحماس الثوري والاندفاع الوطني،فقد كان (كاظم صبي) علم النجف وقائد ثورتها عام 1918،ويقال – ولا أدري صحة ما يقال- أنه تشرب بالأفكار الثورية عندما كان أسيرا في روسيا وشهد فيها الحراك الثوري الذي قادته طلائع الثورة البلشفية وزعيمها الخالد لينين،وفي معتقلاتها تعلم شيئا من الفكر الجديد الذي أخذ بالأتساع والتنامي بهمة الشباب الثوري الشيوعي لإسقاط نظام القياصرة ،بثورته الحمراء اللاهبة التي زينت وجه التاريخ،لذلك كان علم الثورة النجفية ضد المحتلين،وأسهم مع فتية جعلوا الوطن رائدهم في تلك الثورة العظيمة التي كانت فاتحة لثورات قادمة ضد ألاحتلال ،وقدم روحه الطاهرة فداء لما آمن به من فكر وطني أصيل،وارتقى أرجوحة الشرف بعنفوان ثوري وبسالة ليس لها مثيل.
ولا غرو أن يكون لحسين سلطان توجهاته الوطنية وهو يسمع ما تتداول الأسرة من بطولة لعمه الثائر،وأن تنزع نفسه نحو الثورة على الواقع الفاسد والانحياز إلى جانب الكادحين،فكان وهو دون العشرين في طلائع الركب الشيوعي ألنجفي،ونمت البذرة الشيوعية في تفكيره فلم يستطع منها فكاكا،وظل على شيوعيته حتى ساعاته الأخيرة،وأن سارت به الدروب في مسالك شتى ،وأبعدته الأيام في منعرجاتها الوعرة،وجعلته السنين يرقب بصمت قافلة الزمن وهي تنحوا في مسيرها نحو الشمس.
وهذا الكتاب الذي أعده أبنه خالد،تضمن نتف من هذه المسيرة الطويلة لأسباب بينها في مقدمة الكتاب،فقد ضاعت الكثير من الأوراق التي سجلها الفقيد في فترات متباعدة من حياته،ولم يعثروا إلا على غيض من فيض كان منه هذا الكتاب الذي حوا في طياته لمحات من هذه السيرة،وقبس من هذه المسيرة ،وكان على رفاق الفقيد ممن عملوا معه أن يكون لهم وجودهم في هذا السفر إلا أن التبعثر والغربة والبعد حال دون جمع ما يمكن أن تجود به ذاكرة رفاقه الذين يحتفظون بالكثير مما هو حري بالتسجيل ،ولعل الأيام القادمة تدفع من يمتلك معلومة أو يحتفظ بوثيقة الإعلان عنها ففي تاريخ الرجل الكثير من المحطات الحرية بالتسجيل لأنها تشكل جزءا من التاريخ النضالي للحزب الشيوعي العراقي،وعلينا عدم تناسي الصفحات البيضاء لمن ساروا في الطريق الشيوعي وأن أبعدتهم المسالك حينا من الدهر فالماضي هو ملك التاريخ وعلى الجميع عدم إهمال الماضي لأنه يشكل النواة الأولى للتاريخ العام بما فيه من حوادث شخصية تصبح ملكا مشاعا للجميع علينا استظهارها والكتابة عنها ليصدر التاريخ حكمه على هذا أو ذاك.
وقد أقر الكاتب في أشياء وأخالفه في أخرى،ولكن ذلك لا يجعلني أبخس الرجل حقه،فقد كان علما من أعلام الحزب والحركة الوطنية وطليعتها البروليتاريا العراقية صاحبة المصلحة الحقيقية في النضال الوطني،فهو من طبقة عمالية هي صاحبة المصلحة الكبرى في النضال الشيوعي،وأثبتت الأيام أن هذه الطبقة كانت أكثر ثباتا واتزانا من البرجوازية التي تسربت إلى الحزب ،الصغيرة منها والكبيرة ،الوطنية أو غير الوطنية،لذلك كان مناضلا صلبا عنيدا يحسب له ألف حساب،وأستطاع بفضل ألمعيته وذكائه الفطري أن يكون شيئا مذكورا في مسيرة الشيوعيين العراقيين ،وأن يتبوأ مكانة عليا في الحزب الشيوعي رغم عدم حصوله على مؤهل علمي سوى دراسته في المدرسة الشيوعية الكبرى،التي كانت الرائدة في تخريج آلاف المناضلين والمفكرين،الذين قرنوا النظرية بالتطبيق فكانت أفكارهم نتيجة خبرة نضالية عملية ،قادتهم أن يكونوا في مقدمة المنظرين،واستوحوا أفكارهم من أرض الواقع فكانت واقعيتهم أكثر قوة ومتانة من الفكر النظري الذي لم يكن نابعا من واقع معاش،على خلاف المناضلين البرجوازيين الذين خلفوا الكثير من الأمراض،وكان بعضهم جرثومة تنخر في العظم الشيوعي حتى لفظوا خارج الزمان والمكان وأن تركوا خدوشا لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.
نقل الفقيد عبر حياته النضالية التي أمتدت نصف قرن أو يزيد من حال الى مال،ومن مسئولية الى أخرى،فكان حريصا على الوفاء بالتزاماته ،والنهوض بأعباء المسئوليات التي كلف بها،ولم يتكاس أو يتخاذل في أصعب الظروف،وظل عبر هذه المسيرة مثلا لما يجب أن يكون عليه الشيوعي الأصيل،وكان لا يألوا جهدا في االعمل الحزبي في أحلك مساراته،ولم تثنيه الصعاب مهما كثرت عن القيام بكل ما أوكل اليه،فقد كان يبيت على الطوى أياما،ويسكن في غرف مظلمة لا يدخلها النور،ولم يعيقه مرض أو حر أو برد في تفيذ واجبا أو القيام بمهمة،وكان بحق مثلا أعلا لمن يحاول ترسم طريقه أو الأقتداء به،وله كثير من المآثر التي لا زالت طرية على الألسن مثلا للصلابة المبدئية والجرأة والتفاني والأخلاص ونكران الذات،ولم يكن من أولئك الوالجين في الأحزاب السياسية لمصلحة خاصة،أو أملا في ربح أو مكسب،ولم يعرف عنه التكالب على وظيفة أو مكانة تعلي من شأنه ،فقد كان كبيرا في نفسه وتفكيره،لذلك كان هو في أي مكان أو زمان.
وكان مهذبا حتى عند الحديث عن أعدائه وقاتليه،فهو عندما يتحدث عن محاكمته في المجلس العرفي العسكري يشير الى الحاكم بقوله(المرحوم النعساني) ولا أعتقد أن نفسا مهما علت تدعوا بالرحمة لمن أساء إليها أو أضر بها،ولكنه الخلق الشيوعي النبيل،والتربية الماركسية الأصيلة،تضفي أدبها على معتنقها،فلا يسيء حتى لأعدائه، وهذا الخلق الشيوعي الفريد –رغم صحته- أدى الى الكثير من ألأذى،فالتعامل الإنساني الشيوعي مع الآخرين جعلهم في منظور هؤلاء ضعفاء غير قادرين على الرد بالمثل،وعندما يشهر عليك أحدهم سلاحه لا تواجهه بزهرة،ولكن هكذا هم الشيوعيون يقابلون أعدائهم بما لا يستحقون من ألاحترام،وهذا هو الخطأ الفادح الذي قاد الى الكوارث،فلم يظهروا بأسا في ساعات القدرة،ولم يقابلوا المسيء بما يستحق على أساءته،بل يقدمون المساعدة لقاتليهم ،وهذا جعلهم في موقف الأضعف ساعات المواجهة،وليس هذا نتيجة جبن ولكنه خلق تربوا عليه ونهج أخذوا به،وهو يصلح في حياة غير هذه الحياة،وفي مجتمع غير هذا المجتمع،وهؤلاء أناس وجدوا في غير عصرهم ومجتمعهم،ولم يستفيدوا من التجارب وعظة التاريخ،فيقابلوا الإساءة بمثلها ،والأذى بما يوازيه،وهام اليوم يعيدون الكرة،فيصافحون الأيدي التي ذبحتهم بدلا من بترها حتى لا تعود لأذيتهم ذات يوم،وما تصرف الشهيد حسن سريع مع وزراء البعث الذين أعتقلهم في ثورته الباسلة وعفا عنهم ،فكانوا شهود الإثبات عليه إلا مثلا شاخصا لما هم عليه الشيوعيون حمامات سلام تعيش بين الغربان.
ومن أخلاقه الرضية المرضية في هذا الجانب توفر فرصة الهروب من سجانيه ،وهو المهدد بحكم يقصم الظهور ،ولكنه أنف عن ذلك ورفض أن يكون سببا في أذى مواطن لا ذنب له إلا عمله في سلك الشرطة،وهو يعلم حق العلم أن سجانه هذا لا يتورع عن قتله أو تعذيبه والإساءة إليه لتنفيذ ما يصدر إليه من تعليمات،ولكنه يخشى عليه مغبة هروبه وما سينال من عقاب يقول((خلال تلك الفترة حصلت لي فرصة واحدة ، أثناء زيارة عبد السلام محمد عارف الى النجف فـي مـطـلع عـام 1966 إلا انه يصعب عليَّ الإساءة لمن أحسن لي حتى وان كان الثمن غاليا . وعندما ذهبت تلك الفرصة حاسبت نفسي حسابا شديدا وحاولت إقناعها بتجاوز العادات والتقاليد ، أخيرا لم أستطع إقناعها وذهبت تــلك المحاسبة أدراج الرياح .)).(2)
وكان يتحلى بالجرأة الثورية والصلابة المبدئية التي ليس لها مثيل،فلم يؤثر عنه أنه أعترف أو أفشى سرا لجلاديه، أو أنه هان واستهان تحت ضغط التعذيب البشع الذي تعرض له،ولم يسجل عليه في حياته النضالية أنه استخذى أو لان في أحدى المواجهات،فكان المحققين ورجال الأمن يحسبون له ألف حساب،ويعلمون فشل مسعاهم في أجبارة على الإقرار أو الاعتراف،لذلك كان يقابل بالاحترام والتقدير والمهابة العالية،حتى يخال للرائي أن من يحقق معه يبدو قزما ضئيلا اتجاهه،لذلك بعد أن أخذ شهرته في هذا المجال وعجزوا عن الوقوف على أسراره،كانوا يتحاشون التحقيق معه أو إجباره على الاعتراف لعلمهم بقوة شكيمته وعجزهم عن الحصول على أقراره،ولا يتعرض إلى ما يتعرض له الآخرين من تعذيب أو إرهاب لعلمهم بأنهم عاجزين عن الوصول إلى ما يريدون (كان الرفيق مهدي عبد الكريم يحمل بعض الرسائل في جيبه ولم يعثروا عليها أثناء تفتيشه ، لذلك ذهب إلى المرافق الصحية وأخرج الرسائل ورماها هناك ، ووجد أحد أفراد الأمن تلك الرسائل ونقلها إلى مدير أمن بغداد وهو قاضي لا أتذكر اسمه ، لذلك نادى علينا وأوقفنا بانتظام أنا كنت في المنتصف وأبني سلام بالأخير ، فسألني عن الرسائل هل هي لك فقلت له لا ، وسأل أبو كسرى ( مهدي عبد الكريم ) والبقية فقالوا له لا فثارت أعصابه وقال سوف أسَلِمَكم بأيدي رجال يجعلونكم تتسابقون للقول إن تلك الرسائل لي ، فأجبته قائلاً : السيد المدير افعل بنا ما تشاء وينبغي أن تعرف إننا شيوعيون وكل واحد منا رأى الموت أكثر من مرة وتجاوزه ، بعدها نظر ألينا من خلف نظاراته والتزم الصمت . . ثم قال اخرجوا ، فأخرجونا وجلسنا في الخارج ).
وفي السجون له مكانته المحترمة بين السجانين ويتحاشون الإساءة له أو الاصطدام به لما له من ماض معروف في هذا المجال،فهو قادر على أثارة المشاكل لإدارة السجن وتأليب السجناء عليهم،من خلال الإضراب عن الطعام أو المواجهات المسلحة وله مواقف كثيرة في ها المجال مبثوثة في ثنايا مذكراته.
وله نظرته الخاصة وتعامله الإنساني مع المنهارين والضعفاء ،وقد يجد العذر لهم،فالنفس الإنسانية عجيبة في تكوينها،غريبة في أسرارها،فترى مناضلين أشداء لهم البلاء الحسن والموقف الرصين في الكثير من المواقف ،إلا أنهم يضعفون في ساعات الشدة،وينهارون تحت وطأة التعذيب،لا لضعف في أيمانهم ولكن لعدم قدرتهم على التحمل والصبر والجلد على العذاب،فيحاول ما وسعه الجهد أن لا يقابلهم بالنبذ والأبعاد والاحتقار،وقد يجد عذرا للضعف الإنساني ويحاول تبرير انهيارهم في بعض المواقف،فتراه ينظر إليهم نظرة تختلف عن الآخرين،ويعاملهم معاملة لا تجعلهم في مصاف الأعداء أو المنبوذين ولقد أشار إلى ذلك في مذكراته عند الحديث عن عباس كربل ص25.
وكان وهو في السجن رغم مسئوليته الكبيرة ،وكونه المسئول الأول بصفته من أكبر الكوادر الموجودة في السجن يعمل أسوة بالسجناء الآخرين ولا يميزه عنهم أي شيء رغم مكانته وسمعته،بعكس البعض ممن أشار إلى حادثتهم في ص26 ،الذين ميزوا أنفسهم عن الآخرين بالطعام والتسيد عليهم،وجعلوا أنفسهم بعيدين عن أي عمل في السجن. ويرى أن القائد يجب أن يكون مثالا للآخرين في عمله ويكون قدوة صالحة يتميز بها عنهم بما يقدم من عمل يجعله مثلا أعلا لرفاقه الآخرين.
ولا يستهين بالآخرين حتى أذا أختلف معهم،ويعطي لكل ذي حق حقه وأن كان من أعدائه،ويقول الحقيقة التي يؤمن بها ، فيقول عن حسين ياسين (ورغم كل انطباعاتي عن حسين ياسين إلا انه في ذلك اليوم بانت شجاعته ورباطة جأشه وكان حقاً متماسكاً ومتميزاً عن بعض جماعته . وانتقلنا إلى غرفة النفق ونزل الجماعة لفتح النفق وبقينا السبعة واقفين على فتحة النفق).
ويؤمن أن المناضل يجب أن يكون في صميم العمل النضالي وأن لا يستكين للسجن،لأنه وجد للنضال والكفاح والسجن محطة استراحة على الشيوعي الحقيقي العمل للخلاص منها ،لذلك حاول مرات عديدة الهرب ألا أن محاولاته لم تنجح لأسباب كثيرة منها محاولته أغراء الحارس بعمل نسخة من المفتاح للهروب في وقت الظهيرة الذي ينصرف فيه السجانين للنوم،ومنها محاولته الهروب من سجن السماوة إلا أن المحاولة لم تنجح لوجود سجناء عاديين لا يمكن الثقة بهم،ومنها في طريق عودته من نقرة السلمان ،وآخرها عملية الهروب من سجن الحلة التي كما يقول فكر فيها قبل نقله وقرء عن محاولات للهروب قام بها بريطاني للهروب إلى الاتحاد السوفيتي ،وسماعه من أحد سجناء النقرة عن محاولتهم الهروب من سجن الحلة بحفر نفق من غرفة الصيدلية ،وفعلا بعد نقله للحلة نسق مع آخرين للهروب ونجحت المحاولة وكانت أكبر عملية هروب في تاريخ العراق الحديث وأن كان هناك اختلافات في القائمين بها ،حيث يدعي الكثيرون قيامهم بها وأشرافهم عليها وهو موضوع يطول، ذكر عنه الأخ جاسم المطير الكثير وتناوله نعيم الزهيري وعلي عرمش شوكت وصباح كنجي وعقيل حبش وكل له رأي يختلف في الجهة المنفذة ويتفق على الطريقة،ويقول في ذلك(إن جميع هذه المحاولات كانت تعكس شيئاً واحداً . هو إن موضوع الهروب كان الحلقة الرئيسية في تفكير العديد من المناضلين من أجل الالتحاق بركب الحزب والمساهمة في سوح النضال مع المناضلين من جماهير الشعب وكانت تعكس أيضاً إن تركيز الاهتمام على شيء ما لدى المناضل لابد أن يحققه إذا كان واقعيا ومع توفر الإمكانات ولان استمرار التفكير بذلك الشيء قد يساهم إلى حد كبير بتذليل الصعاب ، وتوفير الإمكانات كلما ارتفعت الهمم.)
وكان له موقفه الرافض لأي انشقاق أو تكتل يهدف إلى شق وحدة الحزب وبعثرة جهوده في عمله النضالي لذلك كان موقفه من انشقاق عزيز الحاج أكثر قوة ومتانة من الآخرين فقد ذكر(وأخذت اللجنة تمارس مهماتها السياسية والتنظيمية في داخل السجن بعد الانشقاق ويبدو إن المنشقين أصابهم الغرور من إن كل كوادر الحزب والقاعدة معهم . والأمر الذي ساعدهم على هذا التصور إن بعض الرفاق أعطيت لهم مسؤوليات في إدارة شؤون الـسجناء قــبـل الانـشـقاق مثلا مظفر النواب ورفيق آخر لا أتذكر اسمه ــ وهو قائد نقابي ــ هو الآخر مسئول أرزاق السجن في الإدارة والتحق معهم أغلبية أبناء الموصل عدا عدد قليل بقى مع الحزب وهكذا أوحى لهم هذا الوضع إن جميع الأمور أصبحت بأيديهم وسوف يخضعون البقية إلى ما يريدون ولكن الحقيقة غير ذلك . وفي اليوم الرابع أو الخامس لإعلان بيان الحزب في السجن وجهت دعوة إلى جميع الكوادر الـحـزبـيـة لـعـقـد اجـتـمـاع لـــهـم على أن يكون جدول العمل نقطتين فقط : الأولى منها كل واحد منا يدلي بما عنده في المجالات الفكرية والـسـياسية والتنظيمية والأحداث الجاريــة بصورة حرة . والنقطة الثانية : بعد الاستماع إلى ما يقدم يقرر كل واحد منا موقفه مع الحزب أو مع الانشقاق وبصورة حرة أيضاً وأما القاعدة الحزبية وبقية السجناء وهم الأغلبية كل واحد منهم يقرر موقفه دون إكراه مع هذا الجانب أو ذاك . إن هذه الدعوة استجاب لها الجميع عدا نـفر قليل حاولوا أن يعرقلوا مثل هذه الدعوة إلا إن تلك المساعي باءت بالفشل وانعقد الاجتماع فعلاً وحضره جميع الرفاق بما فيهم أولئك الذين كانوا يسعون لعدم عقده وفتحت النقاش بكلمة مطولة تحدثت فيها عن أهمية وحدة الحزب وقلت إن الخطأ في السياسة يمكن إصلاحه بالنضـال الهادئ الصبور وتكلمت عن تجربتي في انشقاق راية الشغيلة وختمت كلمتي أنا مع وحدة الحزب ومع صيانة مبادئه التنظيمية والتي بواسطتها نعدل إن كان هناك خطأ في السياسة أو الفكر وعلينا أن ندرك إن الانـشقاق لا يؤدي إلا إلى خدمة أعداء الشعب والطبقة العاملة مهما كانت النوايا . وتعاقب المتكلمون مع التشديد على الشرط المسبق ، هو عدم السماح بالمقاطعة والمتكلم حر باختيار الجمل التي يعبر بها عن أفكاره وتكلم الجميع ومنهم من أطنب ومنهم من أخذ بقاعدة خير الكلام ما قل ودل . وبعد انـتـهاء الـنقاش اتفقنا على أن ينادى بالأسماء وكل من يرد اسمه يعلن انه مع هذه الجهة أو تلك وكانت النتيجة (8) مع الحزب و (8) مع المنشقين . واثنين رفضا إعطاء أي رأي بحجة لا نستطيع تحديد موقف في هذه الساعة وكان مجموعنا ثمانية عشر رفيقاً وبعد ذلك انتهى الاجتماع في ساعة متأخرة من تلك الليلة . ومع هذا الوضوح في الفرز خاصة في الكوادر إلا إن المنشقين بقوا يدعون إن معهم الأكثرية من القاعدة الحزبية وينبغي أن يبقى كل شيء من الأعمال الإدارية بيدهم وأسمعونا بعض التهديدات . وكان رد الفعل عندنا عنيفا قلنا لهم نحن مستعدون لكل طارئ ونرجو أن لا تحملونا على الانفصال عنكم مكانياً ومعاشيها وفي كل شيء وهذا ما يفرح أعداءنا وأكدنا لهم في الحديث : لا تستطيع قوة في الكون إخضاعنا ونحن أحياء فكيف بوضعكم الهزيل . وأنتم منشقون تطمحون بذلك ، وبعد هذا اللقاء بـبـضـعة سـاعـات جـاء حـافـظ رسن وتحدث معي حديثا لطيفاً وليناً وقال : أن افترقنا الآن ولكن لا بد أن نلتقي ويجب علينا أن نبقى موحدين أمام إدارة السجن وكل أعداءنا . وحصة كل منا نصف واتفـقـنا على ذلك وشكلنا لجنة من الطرفين لبحث القضايا تفصيلياً وخلال أسبوع من الإرهاصات ليل نهار . إلا إن بعد هذا الاتفاق أخذت الأمور تهدأ تدريجيا وتعود إلى وضعها الطبيعي عدا إن التنظيم الموحد صار تنظيمين منفصلين)
وعندما حاول الأنشقاقيون الهروب لوحدهم بغفلة عن أعضاء اللجنة المركزية أكتشف الأمر بحدسه ويقظته،يقول:(وفي ذات اليوم عصراً والساعة تقترب من السادسة مساءاً وأنا أتجول في جانب من ساحة السجن لاحظت بعض العناصر المنشقة تأتي مـــــن القلعة القديمة إلى القاعة التي أشار لها حافظ رسن صباح ذلك اليوم باعتبار عندهم اجتماع فيها ولكن ما يجلب الانتباه إن القادمين إلى تلك القاعة كل واحد منهم يحمل بيده كيساً من القماش أو من النايلون ومنهم من يحمل لفة ــ بقجة ــ والى هنا أخذت أقترب من هدف الجماعة وحيث كان يظهر الارتباك حتى في سيرهم وكانوا واضعين برنامجاً للدخول إلى القاعة ، دقيقة بين واحد وآخر وحارس يقف على باب القاعة منهم وبقيت أراقب الحالة وجو السجن هادئ تماماً وقد دخل القاعة ما يقارب خمسة عشر شخصاً ومرت عدة دقائق ولم يأتِ أحد للدخول وخلال تلك اللحظات مر أمامي أحد الرفاق وهو شجاع وصدامي ــ مع الأسف لا أتذكر اسمه ــ إلا إني أعرفه من أبناء الموصل ، ناديته فجاء مسرعاً قلت له : اذهب إلى تلك القاعة وانظر من فيها فذهب وبقيت أتبعه بنظري وعند الباب منعه الحارس من الدخول فعاد لي وقبل أن يصل ناديته وبنبرة لا تخلوا من الحدة ، أدخل عنوة ً، فعاد إلى القاعة بعزيمة أشد ومسك الحارس من يده ودفع به إلى ساحة السجن ودخل وعاد لي مسرعاً وقال لا يوجد أحد في القاعة . وقفت في ساحة السجن وأمامي الرفيق الموصلي وجاء الرفيق جدو تواً وساحة السجن خالية تماماً ، وقلت لنفسي : أمامي بضعة دقائق ينبغي أن أتخذ خلالها موقفاً وأتحمل مسؤوليته شخصياً وكان القرار النهائي أن أذهب إليهم بالعنف وأرغمهم على مشاركتنا بالهروب وإذا رفضوا نخوض معهم معركة والنتائج هم يتحملونها . وخلال تلك اللحظات كنت أشاهد الرفيقين الموصلي وجدو متوترين الأعصاب واقفين وقفة شبه عسكرية شاخصين بنظرهم نحوي وكأنهم يقرؤون ما في وجهي . وكان بقربنا قطعة من الحديد يكسرون بها الثلج ، قلت إلى جدو هات ذلك ــ الهيم ــ الحديد وعندما جلبه لي قلت لهم اتبعوني وتوجهنا نحو غرفة النفق ومعلوم لدي إن باب غرفة النفق لها قفلين واحد من الخارج والثاني من الداخل فوضعت ــ الهيم ــ الحديدي في رزة القفل وقبل أن أكسره قلت لجدو أطرق الباب عليهم فسأل حسين ياسين من الطارق ، قال له أنــــــا جدو ، فأجابه حسين ياسين اذهب يا جدو وبعد ساعة عد ألينا . والى هنا كسرت القفل وقلت لحسين ياسين : يكلمك أبو علي افتح البــاب وإلا كسرتها وفتح الباب وهو يشد بربطة عنقه ومن شدة الانفعال بصقت على وجهه ورفعت يدي وقلت أهكذا الغدر يا . . . وخلال دقائق معدودة صارت ساحة السجن ساحة معركة بين الطرفين وكان أحدهم ينوي طعني بسكين لكن الشهيد عبد الأمير سعيد هو الذي حال دون تحقيق هدفه . وخلال تلك الحالة طلبت من أحد الرفاق أن يأخذ معه رفيقاً آخر ويمسكوا باب القلعة ولا يسمحوا بالدخول أو الخروج منها وأحاطني عدد من الرفاق حتى أدخلوني الغرفة وقبل أن أولع سيجارتي جاء حسين ياسين إلى باب غرفتي ، إلا إن الرفاق أبعدوه بالدفع والاهانة وسمعت منـه كـلامـاً : أريـد أبـو عـلـي وكـان بـقـربـي الـرفـيق ألحمامي ، فقلت له : اذهب إلى حسين ياسين وافهم منه ماذا يريد مني ذهب وعاد لي يقول : انه يريد اللقاء بك شخصياً ، قلت : افرغ الغرفة المجاورة من الرفاق وآت به . وعندما التقينا في الغرفة وقبل أن يجلس قال حسين ياسين : اغفر لنا يا أبا علي ما فعلنا وعالج الأمر بحكمه لئلا تذهب كل الجهود أدراج الرياح ، قلت له : جيد أتوافقون أن نخرج في البدء عشرة رفاق خمسة منكم وخمسة منا ويمسك النفق خلال ساعتين وبعدها يخرج من يريد . قال : موافقون ، قلت : إذن خلال خمسة دقائق يكون الجميع جاهزين).
ورغم أنه كان من ضمن القيادة التي أقرت التحالف مع البعث ووافقت على المشاركة في الجبهة الوطنية إلا أنه على ما أعتقد كان عارفا بنوايا البعثيين ومحاولتهم إضعاف الحزب وإنهائه من خلال التحالف معه وإنهاء قواعده الجماهيرية وإبقائه (قيادة بدون قواعد )وليس لها تأثيرها الشعبي وقوتها الجماهيرية ،فيتحدث عن المظاهرة التي هيئ لها أن تخرج تأييدا لبيان 11 آذار(في شهر آذار عام 1970صدر بيان رقم 11 لحل المسألة الكردية لذلك تقرر أن تحشد الجماهير في مظاهرة سلمية تأييدا وابتهاجا بهذا القانون وذلك في يوم 21 آذار والذي يعتبر عطلة رسمية ، حيث كانت الجماهير مستبشرة بحل القضية الكردية حلا سلميا وعادلا والتي أرغم البعثيين عليه ، وكان حزبنا والحزب الديمقراطي الكردستاني متهيئون للمظاهرة لذلك في يوم 20 آذار اتفقت مع أحد الرفاق أن نلتقي يوم غد صباحا في مكان قرب منطقة ساحة الميدان حيث يوجد جامع على شارع الجمهورية ، فذهبت على الموعد المقرر ووجدت صاحبي وبقينا ننتظر الرفيق محمد الخضري والذي له أيضا نفس الموعد هنا وذلك لتكليفنا بقيادة المظاهرة ، وكنا كذلك في انتظار وصول بعض الرفاق من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للمشاركة في المسيرة ، ثم بدأت الجماهير بالانتظام بصفين أحدهما للحزب الديمقراطي الكردستاني والصف الآخر لنا في ساحة الميدان الكبيرة ، ولم يحضر رفيقنا محمد الخضري لذلك توجهت أنا إلى المسيرة لترتيبها والوقوف أمامها إلى أن يكتمل حضور بقية الرفاق ، وكانت مضايقات البعثيين ( أي مخابراتهم ) لنا مستمرة وأنا كنت أقرر الموقف حيث أي شعار يطلبون إنزاله ، ننزله وكنت أنتظر وصول الجماعة حتى نفهم الموقف ، بعد ربع ساعة تقريبا ونحن على هذا الحال حيث أنزلنا شعارين وصلوا الرفاق : زكي خيري ، باقر إبراهيم ، عامر عبد ألله ، مكرم الطالباني ، رحيم عجينه وبشرى برتو حيث وقفنا أمام الشعار الرئيسي ، ولكن البعثيين أوقفوا أمامنا قوات ومنعونا من السير ، بينما سار الحزب الديمقراطي الكردستاني أما نحن فيعيقوننا كلما تحركنا ، وكان يقف على رأس هذه الجماعة من البعثيين خالد طبرة ، فطلــــــب مني الرفيق باقر إبراهيم أن أذهب إليه وأتفاوض معه : هل نحن ممنوعون من المشاركة في المسيرة ، فتقدمت إليه وسألته فقال : لا...لا غير ممنوعين ، ولكنه لم يركز معي في الكلام حيث كان يَسْتَلمْ إشارات من بعيد ونظره كان نحو مصدر الإشارات باتجاه وزارة الدفاع والتي كانت قريبة من الميـــــــــدان ، وبعد لحظات جاءت قوه أمنيه واسعة دخلت بين الشعار الرئيسي والجماهير أي عزلت القيادة عن الجماهير وابتدأت عصاباتهم تلك بالهجوم على رفاقنا المتظاهرين وهم قادمون لمظاهرة سلمية وابتهاجية ، وقد ضربت تلك العصابات عدد غير قليل من رفاقنا وجرحوا بعضاً منهم بالسكاكين والهراوات وفرَّقت المظاهرة على أثر الاعتداء الوحشي ، وقد لاحظت أحد رفاقنا مضروب في مقدمة رأسه ضربة قوية أدت إلى نزول جزء من جلد مقدمة الرأس على وَجْهه ، وبقينا واقفين نراقب الوضع وأثناء ذلك سألت الرفيق زكي خيري قائلاً : رفيق زكـــي ( بَعَدْ شَكُوا ) لماذا لم تذهب هل تنتظر الحصول على ضربة ، فأجابني وبمرارة : ( وَينهَة الضَربَة هَسـَـــــــة ).وإشارته واضحة إلى أهداف البعثيين من عقد التحالف هو إنهاء الثقل الجماهيري للحزب الشيوعي و(عزلت القيادة عن الجماهير) ولكن لنا أن نتساءل كيف له وبعد سنوات من إنهاء التحالف والضربة الموجعة التي وجهت للحزب أن يعيد الكرة ثانية ويحاول أعادت التحالف وهو من الموقعين على البيان الصادر سنة 1992,
ولكن للأسف الشديد فأن هذا الماضي الزاهر العابق بنسائم الصمود الأسطوري والنضال المرير لنصف قرن ،انتهى نهاية مؤسفة لا نرتضيها للمناضلين،فالمعروف عن الفقيد أنه كان ضد أي انشقاق أو عمل تخريبي ومواقفه التي ذكرناها من انشقاق القيادة المركزية كانت مثالا واضحا لحقيقة الشيوعي الأصيل الذي يرفض أي تكتل أو انشقاق يحاول أضعاف وحدة الحزب وضمور قوته وبعثرة نضاله فكيف له وهو الذي له تجارب وتجارب مريرة مع البعث أن يعتقد أن أبن أوى سيكون عابدا ورعا في يوم ما،وكيف له أن يشد الرحال إلى بغداد ويعلن عن استعداده للتعاون مع القيادة البعثية في جبهة جديدة،لو كان الأمر أثناء الحرب العراقية الإيرانية(رغم عدم أحقيته) لقلنا أنه شعور وطني دفعه للوقوف مع بلده فأضطر إلى العودة والمشاركة في حماية الوطن ،ولكن الأمر جاء في فترة كان فيها النظام يعاني من أزمة خانقة،وكان توقيعه على البيان المشترك الداعي لتكوين جبهة مع النظام ألصدامي الصادر سنة1992 موقف غير محمود لا يمكن لمناضلين متمرسين لهم خبرتهم النضالية وتاريخهم الوضاء أن ينجروا إلى هذا الطريق الملتوي لأن النظام ألبعثي في تلك الفترة لم يكن له مؤيد أو صديق وقد ظهرت حقيقته الفجة للعالم كنظام لا يرعى عهدا أو يخفر ذمة وينقلب على أصدقائه وحلفائه ويصبح عدو مبين،فما قدمته الدول الخليجية لصدام في حربه المجنونة على إيران كان جزاءه احتلال لبلد شقيق كان له أسهامه الفاعل في دعم صدام وحكمه المتهاوي ،ومحاولته العبور للسعودية التي كانت معينه الأول في تلك الحرب،أن نظاما من هذا النوع لا يمكن الركون له أو التحالف معه وخصوصا للشيوعيين الذين يعرفون البعث ورجاله قتلة وخونة وسفاكين ولنا في رقابهم دماء لا يمكن نسيانها على مدى السنين والأحقاب،هذا الموقف زعزع من الصورة الرائعة لهذا المناضل القدير.
والأمر الآخر الذي لنا أن نلومه عليه أنه في جميع مواقفه كان مع الحزب ،ومن أشد المؤيدين له في أكثر المواقف أثارة للخلافات وسياسته الثابتة أنه مع الحزب ظاهرا وباطنا، لن يختلف ومعه حتى وأن وجد ما لا يتفق ورؤيته ،بل كان من أكثر الرفاق مسايرة للحزب والتزاما بقراراته رغم تحفظاته عليها ،فكيف له أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى عدو لحزب له العمل الطويل في صفوفه والإسهام في بنائه،وهو من المؤمنين بالإصلاح الداخلي كما ورد في مذكراته ،فكيف له أن يختلف معه ويصرح ضده،أعتقد أن لذلك أسبابا تتعدى التوجه الفكري والاختلاف العقائدي وربما كان مدفوعا لذلك بحالة نفسية جعلته يقف هذا الموقف أو كان ضحية لإرادات أخرى فرضت عليه الانجرار إلى مواقف لا تنسجم وتاريخه النضالي الرائع.
أن من يختلف مع الحزب أو يتعارض مع مواقفه أو يضطر لترك النضال أو يتجه اتجاه آخر عليه في أردأ الحالات أن لا يحاول الهدم والتخريب والإساءة إلى الحزب الذي عمل فيه لعقود،ومثل الفقيد أبو على الذي أمضى أكثر من خمسة عقود في صفوف الحزب الشيوعي لا يمكن له أن يقف هذا الموقف ويحاول الإساءة إلى حزبه ،ولنا أن نتساءل هل أنه كان لخمسة عقود يسير في الطريق الخاطئ وعاد الآن إلى صوابه،وهل يرتضي الإنسان إضاعة خمسة عقود في حزب تكون نظرته إليه هذه النظرة العدائية،وهل أنه أستمر على خطأه هذه السنوات الخمسون ،وعاد إلى تصحيح أعماله في سنتين أو ثلاثة،وعندما يخطئ قيادة الحزب ،أليست هي القيادة التي عمل معها هذا العمر الطويل فكيف تكون بين ليلة وضحاها قيادة مرفوضة،أن الأمر لا يتعدى خلاف عولج بشكل خاطئ،ولو تهيأ للفقيد كتابة مذكراته هذه الأيام لكانت نظرته إلى الأمور غير ما ظهر في هذا الكتاب وأن الكثير مما سطر هو نقل لأراء لا ندري هل أن الفقيد يحبذ نشرها أو لا ،فرسالته التي قدمها للحزب عن هيمنة الأكراد على مقدرات الحزب شأن داخلي أخذ طريقه الرسمي داخل الحزب ،ولا أعتقد أنه لو كان حيا سيورده بالصورة التي أقحم بها ،وأن الكثير من الآراء الواردة في الكتاب وفيها توضيح لأسباب الخلاف لم تكن مما كتبه الفقيد وإنما كانت رأي لأبنه أو رفاقه لا يمكن لنا نسبته إليه بأي حال من الأحوال ،نعم أنه أختلف وخرج وأرتبط بأطراف أخرى لها وجهة نظرها فيما يجري ،ولكن ليس من الصحيح تقويله ما لم يقله،ولو كان في نيته كتابة مذكرات لكان له الوقت الكافي لكتابتها عند عودته إلى بغداد ،والذي يمكن أن يقال أن مذكراته ما كتبه عن الانشقاق وعملية الهروب من سجن الحلة،
ختاما لا يسعني إلا الإشارة إلى أن الخلل الذي واكب العمل الحزبي في الثمانينيات والإرهاصات التي ألقت بضلالها على التعامل اليومي كانت وراء هذه الأخطاء وأن المواقف المختلفة أدت إلى هذا التقاطع ولابد لمن كان له تأريخ أو صفحات بيضاء في الحزب أن لا يتنكر لتلك الصفحات ويحاول إلغائها بعمل لا يجدي نفعا،فها هو الحزب باق رغم جميع الاختلافات والانشقاقات والإرباكات التي صاحبت مسيرته وأن نظرته الإصلاحية البعيدة عن الجمود الفكري والانعزالية والطفولية اليسارية كفيلة ببقائه على الساحة رمزا للشيوعيين العراقيين ،وأن بقاءه مرهون بمواقفه الوطنية التي لا يمكن أن يزايد عليها أحد وأن مصير الانشقاقيين والخارجين هو الضياع والتلاشي بمرور الزمن والدليل أن جميع التكتلات والانشقاقات انتهت دون أن تخلف أثرا وظل الحزب باقيا رافعا رايته بين الرايات بانتظار القيادة التي ستقوده يوما إلى شواطئ النصر والأمان.