محمد علي محيي الدين
الأربعاء 17/6/ 2009
الحلة تتحول إلى بصرة ثانية
محمد علي محيي الدين
ليس هذا الخبر منقولا عن فضائية أو مصدر خبري فقد شاهدته بأم عيني وأنا أرتدي نظاراتي الطبية التي تحيل النملة إلى حصان، ففي اليوم الماضي كنت راكبا في سيارة الأجرة كيا ومتوجها إلى مركز محافظة بابل،وكان في السيارة مجموعة من طلبة الجامعة ممن توجهوا لأداء امتحان نهاية السنة،وعند الوصول إلى سيطرة بابل الرئيسية فوجئت بالشرطي المكلف بالبحث عن المتفجرات والأسلحة وهو يطلب من الطلبة الذين أطالوا شعر رؤوسهم حلاقتها مستقبلا وإلا سيقوم بحلاقتها نمرة صفر لأنها تتعارض ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف وإنهم طلاب طبية ومن المعيب عليهم أن يكونوا بهذه الهيئة،ولعلم القارئ فان هذا الشرطي ربما لم يتجاوز في دراسته الابتدائية أو تجاوزها بقليل ولكنه بحكم ثقافته الدينية والاجتماعية!!!!!! يوّجه أطباء المستقبل توجيها خلقيا ليكونوا مستقبلا أناس ناجحين،وأن أطالة الشعر في عرفه مجانبة للأخلاق ناسيا أو جاهلا أو متجاهلا أن السلف الصالح كانوا يعملون ضفائر كما هو حال العراقيات قبل أعوام ،أي إن الرجل العربي اعتبارا من خليفة المسلمين وانتهاء ببائع الفول السوداني في مدينة الرسول كانوا يعملون الضفائر مما يعني أن أطالة الشعر من قيم الشعب العربي في جاهليته وإسلامه وأن التشبيهات أو التمثيل لوقائع التاريخ التي نراها في الأفلام أو الواقع تظهر لنا طول الشعر الذي يشبه شعر النساء ،فإذا كانت أطالة الشعر محرمة شرعا وممنوعة عرفا فكيف كان أئمة المسلمين يطيلونها هل نحن أعرف بديننا من السلف الصالح الذي نروي أخباره ونسير على آثاره.
وسؤال يفرض نفسه من الذي كلف هذا الشرطي بهذا العمل ؟؟ هل كلف من قبل مديرية الشرطة أو وزارة الداخلية أو محافظة بابل أو جهة أخرى وهل وجدت السيطرة لغير القضايا الأمنية ،ومكافحة الإرهاب والخارجين على القانون ،ومن أين له أو من أعطاه الحق بالتجاوز على الدستور الذي تضّمن في مواده حرية الفرد في المأكل والملبس وأن الناس ولدوا أحرارا فلا يمكن استعبادهم من شرطة هذه الأيام .
ولعل ولاة الأمر ممن أصدروا هذا القانون يجهلون أن مدينة الحلة التاريخية عبر مراحل تطورها وما وصل إليه أهلها من رقي وتقدم عبر تاريخها المجيد لم تكن في يوم ما من المدن المنغلقة وإنها موطن الثقافة الحرة والفكر الجديد ولأبنائها تاريخهم السامق في التطور الحضاري ولم تخضع كما خضعت المدن المتخلفة الأخرى إلى نفايات الفكر الرجعي التخلفي وكانت علمانية في ثقافتها وتوجهاتها ولعلمائها الأعلام تاريخهم الحافل بالتجديد ومسايرة العصر ومن بيوتها وأزقتها انطلقت بواكير التقدم والنهضة لتنير الدرب للآخرين ،فهي داعية للسلم والحضارة والسباقة لسن القوانين المنصفة ولم تكن في يوم ما مدينة متزمتة في أفكارها وتوجهاتها وما مر به العراق من تصرفات هوجاء للقوى الطفيلية في فرض قيم ومعايير متخلفة لم يمر بها كما هو الحال في بعض المدن المتخلفة التي لم يصلها التطور ولا زال أهلوها غارقين في بؤر التخلف والضياع لذلك فان مثل هذه التصرفات تثير أهلها وتدفعهم للتصرف بما ينسجم وطبيعة الحدث،فمدينة العراق الثقافية لا تقاس بما عليه مدن التخلف وعلى المسئولين فيها إيقاف هذه التصرفات الهمجية الضارة فان الحكومة المحلية السابقة رغم مسحتها الدينية المتشددة إلا إنها لم تحاول في يوم ما فرض أجندات خارجية عليها أو فرض معايير لا تنسجم وما عليه أهلها من حضارة وتقدم ،فالكازينوهات تستقبل روادها والمدينة حافلة بأفراحها ومباهجها وليس لأحد من الوافدين الحق بفرض ما يخالف أذواق الناس أو الخروج على ما فرض للإنسان من حقوق ،وعلى مجلس محافظتها المنتخب بما يضم من أطياف مختلفة علمانية أو أسلامية إيقاف هذه التجاوزات لأنها تسيء له فالشعب العراقي وأبناء الحلة لن ينتخبوا من يريد إذلالهم واستعبادهم وعلى مدير شرطة المحافظة إيقاف هذه التجاوزات والضرب على الأيدي التي ورائها لأنها تسيء إساءة بالغة إلى التوجه الديمقراطي المنشود وتعيدنا إلى عصور التخلف والانحطاط واختيار عناصر تتميز بالخلق العالي والثقافة من خريجي الكليات الذين تزخر بهم المديرية بدلا من هؤلاء الجهلة والأميين الذين فرضتهم التوازنات غير المنطقية للأطراف الممسكة بصناعة القرار،وعلى مثقفي الحلة وإعلامييها الوقوف بوجه هذا التوجه الذي يسيء لواقع المدينة وتاريخها،وليعلم الفائزين الذين خدعوا الناس بشعاراتهم الوطنية أن فسحة الحرية هي صمام الأمان لبقائهم في السلطة وأن الجماهير ستلفظهم لفظ النواة إذا حاولوا الإساءة لها وكبت حرياتها ولهم بأزلام النظام السابق عبرة فلا زال الكثيرون منهم مختبئين خشية غضب الشعب.