| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 15 / 10 / 2026 لينا النهر كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس
وثائق الموتمر الوطني الثاني عشر
نقد التوجه الفكري والسياسي للبرنامج
لينا النهر
(موقع الناس)اطلعت على البرنامج وارى ان المشكله الأساسية في البرنامج ليست نقص المطالب أو الحلول، بل طبيعة التوجه السياسي الذي يقوم عليه. فمكافحة الفساد، وتحسين إدارة الدولة، وحماية الثروات الوطنية وتوزيعها بعدالة، وتطوير الخدمات، كلها أمور مهمة، لكنها لا تجعل البرنامج شيوعياً أو يسارياً بالضرورة. فهذه المطالب يمكن أن تتبناها أيضاً أحزاب ليبرالية واجتماعية ديمقراطية، من دون أن تسعى إلى تغيير النظام الاقتصادي.
فالاشتراكية لا تعني فقط أن تدير الدولة الثروات أو توزّع الأموال بعدالة أكبر، بل تعني أيضاً تغيير شكل الملكية، ومن يسيطر على الاقتصاد، ولصالح من تنتج الثروة. لذلك، لا يكفي أن يعلن الحزب الاشتراكية هدفاً للمستقبل، إذا لم تظهر هذه الرؤية بوضوح في سياساته الحالية وفي خطته للتغيير.
يبدو البرنامج أقرب إلى تحسين إدارة الاقتصاد القائم منه إلى تغييره. فوجود القطاع الخاص والاستثمار ليس مشكلة بحد ذاته، لكن السؤال هو: ما حدود سلطة رأس المال؟ وكيف يحمي البرنامج حقوق العمال؟ وهل يضع احتياجات المجتمع قبل مصالح المستثمرين، أم يكتفي بتنظيم الاقتصاد الحالي بصورة أفضل؟
وينطبق ذلك أيضاً على العمالة الأجنبية، ولا سيما العاملين والعاملات في المنازل، والتي هي من اكبر القطاعات حاليا وأكثرها بشع. فالدفاع عن حقوقهم أمر ضروري، لكن الموقف اليساري لا يتوقف عند حماية الحقوق، بل يسأل أيضاً: لماذا يعتمد الاقتصاد على هذه العمالة؟ ومن يستفيد من ظروف عملها؟ وما البدائل التي يمكن أن تقلل الاستغلال وعدم المساواة؟ كما ينبغي الدفاع عن حقوق العمال العراقيين والأجانب معاً في كل القطاعات، ومن هذا البرنامج لا ارى اختلاف بين عمل وعمل، فهل عامل النفط الأجنبي يعامل كشغيلة البيوت من دول فقيرة؟ الهدف هنا ليس فقط تحسين الظروف، بل فهم أسباب المشكلة والعمل على تغييرها حسب ما تتطلب.
وتظهر إشكالية مشابهة في السياسة الخارجية. فالدفاع عن سيادة العراق ومصالحه الوطنية أمر مهم، لكنه لا يكفي وحده لتحديد هوية حزب شيوعي. فالأممية تعني أن نربط مصالح العمال والكادحين في العراق بمصالح العمال في بقية العالم، وأن نقف ضد الاستغلال والهيمنة والحروب، من دون أن يعني ذلك التخلي عن استقلال العراق. كما تتطلب الحفاظ على استقلال الحزب السياسي والفكري، حتى عند التحالف مع أحزاب أخرى.
المطلوب، اذا، ليس استخدام شعارات أكثر رنانه أو بالضرورة إضافة مطالب جديدة، بل توضيح ما الذي يميز البرنامج الشيوعي عن البرامج الليبرالية والاصلاحية. كيف يريد الحزب تغيير العلاقات الاقتصادية؟ ولصالح أي فئات اجتماعية؟ وكيف يربط الاصلاحات الحالية بهدف بناء مجتمع اشتراكي، وبالتضامن مع الحركات العمالية واليسارية عالمياً؟
جوهر النقد هو وجود فجوة بين الهوية الشيوعية التاريخية للحزب وبين التوجه الاقتصادي والسياسي الذي يعكسه البرنامج. فاذا كانت السياسات المطروحة تكتفي باصلاح النظام القائم، من دون توضيح طريق تغييره، فمن حق أعضاء الحزب وجمهوره أن يطالبوا باجابه صريحة: هل ما زال الحزب يتبنى فكر شيوعياً واضحاً، أم أصبح أقرب إلى تيار اصلاحي يسعى إلى إدارة النظام القائم بصورة أكثر عدالة؟
فالهوية السياسية لا تتحدد بالاسم وحده، بل بما يعتقد و يدافع عنه الحزب اليوم، وبالطريق الذي يقترحه لتحقيق التغيير.