| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

لطفي حاتم

LutfiHatem@hotmail.com

 

 

 

 

الأثنين 14 /5/ 2007

 

 


الاحتلال والبناء الطائفي للدولة العراقية *


لطفي حاتم

منذ انهيار جدار برلين والعلاقات الدولية تشهد تطورات متسارعة لا يمكن الإلمام بها لكثرة منعطفاتها وعمق تغيراتها، ولهذا بات على المهتم بتطور الشئون الدولية رصد كثرة من الظواهر وعزلها والانفراد بها بهدف التحليل في محاولة لوضعها في السياق العام للطور الجديد من العولمة الرأسمالية.

بهذا المعنى نحاول التعرض لبعض الموضوعات الناظمة لحوارنا الفكري الذي يمكن تناوله من خلال ثلاث مفاصل أساسية: ــ

أولاً: ـ رؤية مكثفة لمراحل نشوء الدول الوطنية الهشة
ثانياً: ـ الاحتلال وسمات الدولة الطائفية في العراق
ثالثاً : الدولة الطائفية والأمن الإقليمي

أولاً : ــ التوسع الرأسمالي ونشوء الدول الهشة
من المعروف أن نشوء الدول الوطنية ارتبط بمراحل تطور حركة رأس المال الدولية وبالتالي فان السمات التي حملها كل طور تميزت وتلونت بالمضامين الفعلية لطبيعة تلك الحركة وتعقد مساراتها التاريخية لهذا دعونا نستعرض بتكثيف بالغ التجليات السياسية لتلك الحركة متوقفين أمام التناقضات الرئيسية في كل مرحلة من مراحل تطور رأس المال: ــ

1: ــ تجلت مرحلة المنافسة بين الدول الرأسمالية الأوربية بكثرة الحروب الإقليمية والدولية بهدف السيطرة على مناطق النفوذ والاستحواذ على المواد الأولية للبلدان المفتوحة حيث حاولت الدول الكبرى وبهدف الإبقاء على مستعمراتها أن تبتدع أساليب الوصاية الدولية أو الانتداب على الدول الضعيفة تحت شعارات إدخال التحضر إلى هذه الدول ونقلها إلى عصر التطور والتحرر وعلى الرغم من أن هذه التداخلات شكلت خطوة تاريخية خاصة بعد بناء الدول الوطنية وما نشأ عنها من تقلص لدور المؤسسات التقليدية العشيرة والطائفة إلا أن المحصلة النهائية تمثلت في إبقاء هذه الدول ضمن الحركة العامة التي تتحرك في مساراتها مصالح الدول الكبرى.

2: ـ أفضى انتقال حركة رأس المال من طور المنافسة إلى طوره الاحتكاري إلى جملة من الانعطافات التاريخية الكبرى متمثلة بانقسام العالم إلى رؤيتين اقتصادية / أيديولوجية انعكست على تنامي قوة الفكر الاشتراكي وانتشار النزعة القومية لدى الشعوب المكافحة من اجل استقلالها، وبهذا المسار برز اتجاهان

الاتجاه الأول تمثل بمبادئ الرئيس ولسن والتي سعت الولايات المتحدة الأمريكية من خلالها كسر هيمنة راس المال الأوربي على البلدان المحتلة خاصة في الشرق الأوسط لغرض مشاركة أوربا في استثمار ثروات هذه البلدان، وبهذا السياق نشير إلى أن بروز الولايات المتحدة الأمريكية كمحور أساسي في الصراعات اللاحقة انطلق من التقاليد الأمريكية المشرقة بجانبيها السياسي الفدرالي الديمقراطي و الاقتصادي المبني على الروح الفردية وتطور مؤسسات المجتمع المدني وروحه التضامنية.

والاتجاه الثاني ارتكز على المبادئ اللينينية وحق الشعوب في تقرير مصيرها والتي حاولت الثورة البلشفية من خلالها تأجيج النزعة الاستقلالية بهدف جعلها رديفاً للثورة الاشتراكية العالمية.

إن انتشار النزعة القومية في هذه المرحلة وسماتها التحررية لم يمنع الرأسمال الألماني من تعزيز الروح العنصرية في حركته التوسعية والذي حاولت تقليدها كثرة من الحركات القومية العربية.

إن التعارضات السياسية في حركة رأس المال وتنازع مساراته وضعت العالم في الفترة ما بين الحربين العالميتين أمام تناقضات رئيسية أهمها التناقض بين تيارات الحداثة الليبرالية والماركسية من جهة وبين الفاشية الألمانية وحلفائها العسكرية اليابانية والعنصرية الإيطالية من جهة أخرى.

3: ــ أنتجت الحرب العالمية الثانية معسكر يين متناحرين رأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن انتصرت على خصومها الأوربيين واشتراكي بعد ظهور الدول الأوروبية ذات النمط السوفيتي حيث تطورت نزعة التدخل في الشئون الداخلية واندلعت الحروب الأهلية على اساس الانقسامات الاديولوجية التي جرت تغذيتها من قبل الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي.

إن الصراع الأيديولوجي الذي تحكم في مسار العلاقات الدولية انعكس في الدول الوطنية الهشة على شكل صراعات دامية بين تيارين قومي ذو نزعة عنصرية وتيار اشتراكي ذو أردية شمولية و ما نتج عنها من إرهاب شامل وحكم استبدادي كان ضحيتها الديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان حيث ساندت الولايات المتحدة الأمريكية الأنظمة الاستبدادية المناهضة للديمقراطية وكذلك شجعت الكتلة السوفيتية أنظمة الشرعية العسكرية المصرة على الوحدانية الحزبية.

4: ــ أخيرا لابد من القول أن مراحل تطور بناء الدول الوطنية الهشة لم يكن بمعزل عن حركة الرأسمال وأشكال صراعا ته المرحلية مع خصومه التاريخيين ذوي البرامج الاقتصادية الراديكالية أو أولئك المتلحفين بالروح العنصرية المحتكرين للسلطة القومية.

5: ــ افرز انهيار الكتلة الاشتراكية كثرة من المفاهيم الليبرالية مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، المجتمع المدني, تجريد الدولة من مسؤوليتها الوطنية / الاجتماعية و التي تعززت برؤى جديدة على صعيد العلاقات الدولية منها حق الانفصال, حق التدخل الإنساني، تآكل مبدأ السيادة الوطنية، وأخيراً محاولة إلحاق الدول الهشة بالتكتلات الاقتصادية الدولية.

على أساس تلك المعطيات يمكننا القول إن مضامين الليبرالية الجديدة باعتبارها أيديولوجية الرأسمال المعولم تتجلى اليوم بمنحيين أحدهم يتسم بتهديم سيادة الدول الوطنية وتخريب تشكيلاتها الاجتماعية. وثانيهما بالنزعات الالحاقية المتمثلة في تهميش اقتصاديات الدول الهشة عبر إلحاقها بالاحتكارات الدولية بهدف الهيمنة على الثروات الوطنية.بكلام مختصر فتح الأبواب أمام حرية حركة راس المال المدول وامتداداته وصولا" إلى بناء أسواق إقليمية تابعة للتكتلات الاقتصادية.

أن الليبرالية الجديدة المفروضة بالقوة العسكرية الأمريكية تلعب دوراً محورياً في إحداث تغيرات هيكلية في مواقع القطاعات الاقتصادية الوطنية عبر اشتراطات المؤسسات الدولية وما يتطلبه ذلك من تسريع عمليات الحراك الاجتماعي لصالح القوى الطبقية الناهضة في هذه البلدان والمتشابكة مصالحها الاقتصادية ومصالح الشركات الدولية.

إن الآثار السياسية / الاجتماعية التي تفرزها الطبيعة التخريبية لحركة راس المال المعولم على مستقبل الدول الهشة وتشكيلاتها الاجتماعية يمكن ملامستها عند التعرض إلى مفاصلها الأساسية والتي يمكن تأشيرها بــ: ـ

أ: ــ رغم تقدمية عمليات التشابك والاندماج وتشكيل الأسواق الإقليمية قياسا" إلى الأسواق الوطنية إلا أن ترابط تلك العمليات وحركة قوانين التمركز والتركز والاستقطاب تشكل عودة معاصرة إلى مرحلة الهيمنة الكولونيالية المتجاوبة والعولمة الرأسمالية.

ب: ــ إن وحدة العالم الرأسمالي الاقتصادية وترابط مستوياته المتقدمة منها والمتخلفة تشترط تطوير آليات الهيمنة الطبقية المزدوجة الخارجية منها والمتمثلة بالمراكز الرأسمالية والداخلية المتجسدة بالقوى الطبقية المحلية الناهضة والمتحالفة مع الوافد الخارجي وما ينتج عن ذلك من تحويل الدولة إلى مؤسسة وطنية ناقصة السيادة تتلخص وظيفتها الأساسية بحراسة وحماية المصالح الدولية / المحلية المشتركة.

ج: ــ يمثل تحويل الدول الهشة في الشرق الأوسط من دول وطنية إلى دويلات طائفية جوهر الشكل السياسي لنظام ازدواجية الهيمنة الكولونيالي في الطور المعاصر من الرأسمالية المعولمة. ( 1 )

إن الملاحظات المكثفة المشار إليها تحيلنا إلى دراسة المفاصل الأساسية للدولة الطائفية.باعتبارها الشكل السياسي المعبر عن ازدواجية الهيمنة في الطور المعاصر من حركة التوسع الرأسمالي.

ثانياً: ــ الاحتلال وسمات الدولة العراقية.
قبل الخوض في تقدير ملامح الدولة الطائفية في العراق لابد لنا من تدقيق مفهوم الدولة الدينية التي يرددها كثرة من الكتاب والباحثين وبهذا الصدد أود أن أشير إلى أن هذا المفهوم لا يتمتع بالدقة العلمية المطلوبة وذلك للأسباب التالية: ــ

ــــ ليس هناك دولة دينية بمعنى الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية بيد شخصية أو هيئة حاكمة واحدة.
ــــ هناك كثرة من البلدان العربية الإسلامية ذات الدساتير العلمانية تعتمد على أحد المذاهب الإسلامية في قوانين الأحوال الشخصية الأمر الذي يجعلها دولة ذات صبغة طائفية بسبب اعتمادها على مذهب دون غيره وما ينتج عن ذلك من تعرض أنصار المذاهب الأخرى للتمييز المذهبي أمام المؤسسات الشرعية للدولة.
ـــ هناك كثرة من الدول الهشة التي أفرزتها حركة رأسمال التاريخية حملت بذور الطائفية السياسية وبهذا المعنى بات من الأصح التركيز على مفهوم الدولة الطائفية بدل الدولة الدينية  لتدقيق موضوعة المزاوجة بين الطائفية كصيغة دينية للدولة الوطنية وبين ممارستها السياسية نعمد إلى دراسة بعض النماذج التاريخية المعاصرة للدولة الطائفية: ـ

أولا: النموذج ( الديمقراطي) للدولة الطائفية: ــ

1: ــ تعتبر الدولة اللبنانية الشكل الطائفي الأكثر وضوحاً في منطقة الشرق الأوسط حيث جرى تقاسم الدولة وسلطتها السياسية استناداً إلى نصوص دستورية منبثقة من مبادئ التوافق الطائفي حيث ( طوّر الفكر الدستوري أعرافا لها قوة الدستور نفسه وهو ما عُرف ب<الصيغة> واستقر العرف على توزيع طائفي للرئاسات الثلاث وعلى كيفية تشكيل الحكومة وتجسد في قانون انتخاب يؤمن التمثيل الطائفي والمناطقي ويراعي حصص الطوائف في الإدارة ). ( 2 )

إن نموذج الدولة الطائفية في لبنان وبسبب تغيرات كثيرة منها ديمغرافية ــ تزايد نسبة الشيعةــ وأخرى سياسية بسبب هزال الدولة وانخراط الأطراف الوطنية بالصراعات الدولية / الإقليمية يعيش أزمة حادة لن نتوقف عند مساراتها المستقبلية لارتباطها بجملة من التشابكات الوطنية / الدولية.
2: ــ الدولة الطائفية الإيرانية: ـ على الرغم من أغلبية التيار الشيعي في إيران إلا أن (ديمقراطية ) هذا البلد تتحرك في إطار تيارات سياسية مستندة إلى مبدأ ولاية الفقيه الذي شكل مرتكزاً فقهياً ودستورياً أساسياً في البناء السياسي للدولة الفارسية. وبهذا الإطار يشير الدستور الإيراني في مادته الخامسة إلى (أن ولاية الأمر وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في زمن غيبة الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر عند الشيعة الأمامية): تكون بيد الفقيه العادل المتقي العالم بأمور زمانه.

ثانياً: ــ النموذج الديكتاتوري للدولة الطائفية: ــ

1: ــ نموذج الدولة الطائفية الديكتاتورية في العراق والذي جرى بناءه على طواقم قيادية لطائفة دون غيرها مع استخدام العنف المنظم ضد الأغلبية الشيعية والأقليات القومية.

إن السمة الأساسية لهذا النموذج هو تلحفه برداء الدولة القومية رغم أن الدولة وسلطتها السياسية كانت منسلخة عن غالبية مكوناتها الاجتماعية الأمر الذي وسمها بالدولة البوليسية.

2: ـ المملكة العربية السعودية المعتمدة على تحالف السلطة السياسية للدولة مع التيار الوهابي الأصولي المهيمن على الحياة السياسية / الاجتماعية في البلاد وكذلك ممارسته الإرهاب ضد الطوائف الأخرى فضلاً عن اعتماد العنف ضد القوى السياسية المعارضة للنهج المتطرف للسلفية الوهابية. ( 3 )

تلخيصاً يمكننا القول أن الدولة الطائفية بشكليها الديمقراطي / الديكتاتوري تتسم بسمة أساسية ترتكز على تداخل الأجهزة الاستخبارية / الأمنية مع الشبكات العنفية ذات النزعة الطائفية وما يشترطه ذلك من اشتداد نزعة التدخل في الصراعات الوطنية للدول الأخرى ونسج التحالفات الإقليمية / الدولية المناهضة لمصالح البلاد الوطنية.

على أساس المحددات المشار إليها يواجهنا السؤال التالي : ــ هل يتناسب الشكل الطائفي للدول الهشة مع المصالح الأساسية للطور المعاصر من العولمة الرأسمالية ؟.

للاحاطة بمضامين السؤال المثار دعونا نبحث الأمر من خلال التجربة التاريخية للدولة العراقية عبر المحددات التالية: ــ.

المحدد الأول: ــ لا يمكن الحديث عن بناء الدولة العراقية ومستقبلها دون التعرض لدور الاحتلال البريطاني في نشأتها وما رافقها من ثغرات خطيرة أفضت إلى بناء الدولة الوليدة على أسس طائفية وذلك انطلاقاً من ثلاث سمات أساسيين منها: ــ

ـــ اعتماد البناء البيروقراطي للدولة العراقية على الطائفة السنية العربية /التركية الخارجة من جهاز الإمبراطورية العثمانية بعد انهيارها في الحرب العالمية الثانية.
ـــ إقصاء الأكثرية العربية الشيعية و أبناء القومية الكردية من المساهمة في بناء الشرعية الوطنية للدولة الجديدة.
ـــ تزامن سياسة الإقصاء والإبعاد مع القمع السياسي المنظم.

إن السمات الأساسية التي رافقت بناء الدولة العراقية في مرحلة الاحتلال البريطاني نمت وتطورت بأشكال مختلفة واتخذت ألوان متعددة أهمها الدولة / القومية التي أصبحت غطاءً سياسياً للمحافظة على الجوهر الطائفي المتمثل بسيطرة الأقلية الطائفية على الدولة وسلطتها السياسية. ( 4)

المحدد الثاني: ـ ساهم الاحتلال الأمريكي للعراق في إحياء البناء البيروقراطي / الطائفي للدولة القديمة بأردية جديدة عبر إعادة إنتاجها بأشكال(حضارية ) ـ الديمقراطية السياسية، الشرعية الانتخابية، الشرعية الدستورية، المساومات الطائفية، وما نتج عن ذلك من اقتسام سلطة الدولة بين الطوائف والأعراق.

المحدد الثالث: ـ توزع السلطات الثلاث للدولة وأجهزتها السيادية على الكتل السكانية المنضوية تحت ألوية طائفية/ عرقية عبر المحاصصة السياسية وما حمله ذلك من مخاطر تفتيت الوحدة الوطنية.

المحدد الرابع: ــ رغم امتلاك الدولة العراقية لجيش وطني إلا أن الكتل الطائفية تمتلك أجهزتها العسكرية الخاصة باعتبارها المدافع الفعلي عن المصالح الطائفية.

المحدد الخامس: ـ أفرز البناء السياسي للدولة العراقية نظاماً سياسياً يرتكز على مبدأ التوافق بين القيادات الأساسية للطوائف / الأعراق الناشطة في العملية السياسية.

على أساس تلك الملاح السياسية لبناء الدولة الطائفية نحاصر بالإشكالية التالية ما هي سمات التشكيلة الاجتماعية الساندة للدولة الطائفية ؟ وما هي قدرتها على النمو والتطور ؟

بهدف التقرب من الإشكالية المثارة نحاول تدقيق المعطيات التالية. ــ

المعطى الأول: ــ تشترط الدولة الطائفية انقسام التشكيلة الوطنية إلى كتل سكانية طائفية/ عرقية متلازمة ونتائج فرعية أهمها: ـ

أ: ــ العزل السكاني وما يتطلبه ذلك من توتير الروح الطائفية التي تتحول في مجرى التطور إلى غطاء إيديولوجي لبنية اجتماعية مغلقة مناهضة للروح الوطنية. ( 5 )

ب: ــ يفضي العزل السكاني وتطور البني الاجتماعية المغلقة إلى تأجيج روح الانفصال وانقسام الدولة الوطنية إلى دويلات متفاوتة التطور بسبب امتلاك الثروة لدى البعض وانعدامها لدى البعض الآخر ( 6 ).

ج: ـ يقود تفاوت الثروة والروح العصبية ومشاكل الحدود إلى توترات سياسية وحروب دائمة بين ( الدويلات ) تغذيها المصالح الدولية / الإقليمية المتناقضة.

المعطى الثاني: ــ يشترط انقسام التشكيلة الاجتماعية في الدولة الطائفية إلى كتل سكانية هلامية تجريف الحدود الطبقية بين الطبقات الاجتماعية وما يعنيه ذلك من ركود الصراع الاجتماعي المبني على تناقض المصالح وتطورها. بهذا الإطار نشير إلى إن الشرائح المهيمنة اقتصادياً والقائدة طائفياً تشكل وبسبب هزال وحدتها الوطنية الحامل الاجتماعي لنهج التنازلات الوطنية.

المعطى الثالث : ـ يستند ضبط التوترات الاجتماعية داخل البنية الطائفية الى ديمقراطية سياسية شكلية تتحكم فيها آليات عدة يتصدرها : ـ

ـــ آليات أيديولوجية معبر عنها في الفتاوى والمواعظ الدينية ذات الأهداف السياسية الرامية إلى كبح المشاركة الشعبية في الحياة السياسية على أسس وطنية.

ــ آليات سياسية تتحكم في مساراتها أحزاب طائفية معبرة عن مصالح شرائح اجتماعية سائدة في البنية الطائفية في هذا السياق نشير الى أن أحزاب الأيديولوجية الدينية تحاول التحكم في أنشطة منظمات المجتمع المدني بعد بناءها بروح طائفيةً، حيث تنتشر هناك شبيبة إسلامية وأخرى مسيحية ونقابات لهذه الطائفة أو تلك الأمر الذي يعيق بناء الروح الديمقراطية المستقلة المدافعة عن حرية المواطن ومستقبله الديمقراطي.

ــ آليات اقتصادية / اجتماعية تترابط وفعاليات مختلفة / مساعدات مالية / مدارس مجانية / خدمات طبية، خدمات اجتماعية متعددة تشكل رافعات أساسية في شد القوى الهامشية وضبط حركتها داخل البنية الطائفية. بكلام آخر يؤدي المستوى الاقتصادي / الاجتماعي دور الضامن الأساسي في ضبط البنية الطائفية من التفكك عند اشتداد الصراعات الاجتماعية.

إن صيانة البنية الطائفية من التفكك والانقسام يستند الى تحالف الشرائح الاجتماعية السائدة في البنية الطائفية والمتمثلة بــــــــــ: ــ

1: ـ الشرائح المالية: ـ التي تتوزع بدورها على القطاعات المصرفية والبنوك الإسلامية المترابطة مع قوى رأس المال واحتكاراته الدولية.
2: ـ الفئات الكمبورادورية: ـ بأقسامها التقليدية المرتكزة على تصدير واستيراد السلع التراثية المرتبطة بالمزارات الدينية و الشرائح الجديدة الناهضة المترابطة والشركات الدولية عبر عقود الوكالة التجارية. وبهذا المعنى تشكل الشرائح الكمبورادورية التقليدية منها والجديدة الرافعة الأساسية لإقامة التحالفات الإقليمية/ والدولية ذات النزعة الطائفية.
3: ــ الشريحة العقارية المستندة الى قطاعي الخدمات والسياحة المزدهرين في ظل انتعاش الشعائر الدينية

المعطى الأخير: ــ إن تفتت الوعي الوطني وتوزعه على خانات طائفية عرقية يكون عاملاً أساسياً من عوامل القبول بالهيمنة الخارجية لحفظ التوازنات الداخلية.

ثالثاً: الدولة الطائفية والأمن الإقليمي.
بعد هذا العرض السريع والمكثف لملامح الدولة الطائفية يواجهنا السؤال التالي: ـ كيف ينعكس هذا البناء الطائفي على الأمن الإقليمي وما هو مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في التشكيلات الطائفية ؟

محاولة التقرب من مضامين الأسئلة المثارة لابد لنا من استعراض طبيعة الصراعات الفكرية / السياسية التي أحاطت في منطقة الشرق الأوسط خاصة في العقود الأخيرة من عمر الدول الوطنية الهشة.

بداً نشير إلى موضوعة أساسية يتحدد مضمونها في أن العوامل الخارجية كانت ولازالت أهم العوامل في تصدير وتغذية النزاعات الفكرية / السياسية التي دارت وتدور بين التيارات السياسية في التشكيلات الاجتماعية للدول الوطنية.

لغرض تقدير شرعية هذه الموضوعة دعونا نستعرض تلك النزاعات عبر تجلياتها التاريخية بعناوين عامة آملين اغناءها لاحقاً عبر دراسات تفصيلية.

1: - انعكس الصراع بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية على دول منطقة الشرق الأوسط عبر تبعية اقتصادية / سياسية لأحد المعسكرين وبهذا المسار سادت مفاهيم الدول الرجعية والدول التحررية على قاعدة أيديولوجية شكلت غطاءً سياسياً لاحتكار السلطة وشيوع الإرهاب السلطوي.

2: ــ تجلت الخلافات في دول الشرعية الانقلابية بين الأنظمة القومية وأحزابها من جهة وبين القوى الديمقراطية واليسارية من جهة أخرى تحت رايات إحياء الروح القومية ومناهضة الروح الشعوبية وما نتج عن ذلك من هدر لحقوق الإنسان وسيادة النزعة البوليسية في سياسة الدول الرسمية.

3: ـ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته الاشتراكية انتقل الصراع بين الخارج والداخل على قاعدة مكافحة الإرهاب ذو النزعة الإسلامية.

4: ــ لغرض تفتيت الروح الإسلامية المناهضة لروح العسكرة الأمريكية يجري العمل على تفكيك التيار الإسلامي في كل بلد عبر استنهاض مكوناته المذهبية واستحضار صراعا ته التاريخية.

5: ـ تسعى المراكز البحثية للمراكز الرأسمالية إلى تحويل النزاعات المذهبية الداخلية إلى نزاعات إقليمية وتطويرها إلى تناقضات أيديولوجية عدائية وما يحمله ذلك من مخاطر تفتيت الأمن الإقليمي وسيادة الكراهية والعداء بين شعوب المنطقة.( 7 )

6: ـ استناداً إلى الرؤية المشار إليها يتبلور اتجاهان طائفيان في توجهات السياسية الإقليمية أحدهما تمثله المملكة العربية السعودية ينطلق من تزاوج الروح العربية / الإسلامية بمذهبية طائفية. ( 8 ) وثانيهما تتحدد مسانده بطموحات قومية فارسية للهيمنة الإقليمية بعباءة شيعية.

خلاصة القول إن الدول الهشة وبسبب بناءها الخارجي وسماتها الداخلية عاجزة عن فرز بنية ديمقراطية قادرة على احترام حقوق الإنسان في الظروف التاريخية المعاصرة الأمر الذي يجعلها عرضة للتفتت والانقسامات الطائفية / العرقية الذي تعززه الميول المتناقضة لتطور مسارات العولمة الرأسمالية.


1: ــ انظر: ــ لطفي حاتم انتقال السلطة وازدواجية الهيمنة في العراق (الحوار المتمدن - العدد: 924 - 2004 / 8 / 131)
2: ــ سليمان تقي الدين الفكر الدستوري اللبناني بين الطائفية والمواطنة (السفير 26-04-2006)
3: ــ يشير دستور المملكة العربية السعودية في المادة الأولى من الباب الأول إلى أن المملكة دينها الإسلام ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله. كما تنص المادة الثانية من أن عيدا الدولة هما عيد الفطر والأضحى.. وتقويمها هو التقويم الهجري. المادة السادسة والثامنة من الباب الثاني تشيران إلى مبدأ المبايعة والشورى وفق الشريعة الإسلامية
4: ــ انظر لطفي حاتم المواطنة بين المساواة الشكلية وتفكك الدولة العراقية (الثقافة الجديدة العدد 315 لسنة 2006)
5: ـ تحاول المليشيات الطائفية تهجير المواطنين العراقيين على أساس الهوية الطائفية بهدف إغلاق المناطق لهيمنتها السياسية / الاجتماعية. وبهذا المنحى تشكل الجدران العازلة محاولة لتثبيت العزل الطائفي
6: ــ إن المخاطر المشار إليها تتناسب وميول العولمة الرأسمالية التي تسعى لسلخ المناطق الغنية عن دولها وإلحاقها بالتكتلات الاقتصادية وإهمال المناطق الفقيرة.
7: ــ قال العاهل السعودي لصحيفة الوطن الكويتية ".‏27‏ كانون الثاني‏، 2007 " نحن على علم بأبعاد عملية التشيع والى أين وصلت، لكننا نرى أن هذه العملية لن تحقق غرضها لأن أكثرية المسلمين الطاغية التي تعتنق مذهب أهل السنة والجماعة.
كذلك انظر: ـ فهمـي هـويـــدي مصارحة ضــرورية قبل اندلاع الفتنة ألكبرى (الأهرام المصرية ‏الثلاثاء‏، 30‏ كانون الثاني‏، 2007)
8: ــ تسعى الإدارة الأمريكية ومن وراءها الكثير من المؤسسات البحثية والإعلامية إلى تحقيق تحالف إقليمي طائفي يضم مصر والسعودية والباكستان والأردن والإمارات وأخيراً تركيا، مناهض لإيران الشيعية.

* أرسلت هذه المساهمة إلى إسبوع المدى الثقافي المنعقد في اربيل من يوم 29 نيسان إلى 4 أيار