لطيف حسن
الخميس 26 / 1 / 2006
نشأة حركة الاسلام السياسي ومنظروهم الاوائل
لطيف حسن
تأسست حركة الاسلام السياسي الحديث لاول مرة في العالم العربي و في مصر بالتحديد ، ( حركة اخوان المسلمين ) عام 1928 كأول رد فعل على رياح التحديث والنهضه والانفتاح على حضارة الغرب والعالم الذي بدأ منذ احتلال نابليون لمصر ، والتي بدأت بالهبوب منها في اواخر القرن التاسع عشر نحو باقي البلدان العربيه والتي سميت بالنهضه الفكريه العربيه ، واخذت هذه الرياح الحضاريه تعصف في بداية القرن العشرين بكل الثوابت المتوارثه في الفكر والعقل العربي الراكد ، واخذت الافكار الاجتماعيه الجديده ( الشيوعيه ) بعد ثورة اكتوبر 1918 الاشتراكيه تتوافد من الشرق الى المنطقه .
ان( حركة الاخوان المسلمين ) تعتبر اول حركه اسلاميه سياسيه للدفاع عن الثوابت في الاصول الدينيه في المجتمع ، في مواجهة مظاهر العلمنه والتحديث ورياح التغيير الغربيه والشرقيه .
بدأت حركة اخوان المسلمين على افكار ( محمد رشيد رضا ) السلفي ، الذي كان يطالب بأعادة انشاء الخلافه الاسلاميه ،واحياء مفهومها القديم واعادة بناء هيكلتها بما يتوائم والعصر الجديد لمواجهة تحديات الهجمه الغربيه على الاسلام ، ولم يكن ( محمد رشيد رضا ) على علاقه جيده مع علماء الدين في الازهر ، فقد كان ينتقدها بشده ويتهمها بالتقاعس والترفع والابتعاد وعدم التصدي لمشاكل المسلمين اليوميه وواقعهم المعاشي اليومي .
أسس الحركه ( حسن البنا) الذي نشاء نشاة دينيه صوفيه (على طريقة الحصافيه ) وتعلم علمانيا في دار العلوم المصريه ، وهي اول مؤسسه علميه مصريه ذات منهج حديث في التعليم ، ضمن هذه الثنائيه في التكوين كونه متصوف سلفي ، وتعليمه العلماني الحديث، فقد ايد من الحداثه بحدود مايتصل بالدين ، احياء الدين بأصوله واركانه الثابته كما كان عليه السلف وجعله صالحا ليدخل تحديات العصر الحديث ، فقد قدم مفهومه لتسويغ شمولية الاسلام كدين ودنيا ومصحف وسيف ، واعتمد في تنظيمه في البدايه على الاوساط المحرومه من الحداثه( التعليم والعمل) والمهمشه اجتماعيا بفعل التحديث والعولمه والاوضاع السياسيه المهيمنه آنذاك ، واستخدم الجوامع والتكيات والمناقب الدينيه لنشر افكاره التي لاقت رواجا كبيرا بين مريديه من الشبان والفتيه بشكل خاص .
كان مشروعه يتلخص على تشكيل حركه سياسيه دينيه شعبيه في مصر والعالم العربي ، واسس مايشبه دوله داخل دوله في مصر بما يتصل بتطبيق الاعراف والعادات الاسلاميه الشرعيه والشريعه على سلوك الناس، مستغلا الدين كأسلوب لخلق قاعده جماهيريه واسعه لحركته التي لاتخفي اغراضها السياسيه في اقامة دولة العدل و الاسلام ، على غرار دولة الخلافه الاسلاميه في العصور الوسطى .
بدأت نشاطات الاخوان المسلمين عنيفه داخل مصر ، ادت الى توتير الجو والوضع الداخلي ، ونشطوا في فلسطين حيث انتهت الاحداث فيما بعد الى تأسيس دولة اسرائيل ، وخسارة الفلسطينيين لارضهم المعروفه .
ان مجموعة الاغتيالات التي قامت بها الحركه على يد جهازها الخاص ، وضعت الحركه في مواجهة وصدام مع الحكومه ، وطرحت للنقاش آنذاك في الازهر مدى اسلامية هذه النشاطات الارهابيه العنيفه التي كان يقوم بها الاخوان .
وقام اخيرا كما هو محتمل البوليس السري بأغتيال ( حسن البنا ) عام 1949 امام المركز العام لجمعية الشبان المسلمين في فترة حكومة ابراهيم عبدالهادي ، انتقاما من مقتل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي .
بعد مقتل (البنا) تعرضت الحركه للملاحقه الشديده ، ومنعت من النشاط وصودرت ممتلكاتها واغلقت مؤسساتها الاعلاميه ، فتحولت الحركه الى النشاط السري .
بعد اغتيال ( البنا ) راجعت الحركه نشاطها وتكتيكاتها للخروج من المأزق ، وتحالفت مع الضباط الاحرار في ازاحة الملك فاروق . ثم تناقضت الحركه مع الحركه الناصريه فيما بعد ، مما اضطرها مجددا لمراجعة وضع الحركه ، فأخذت تبحث عن ثقافه وايدولوجيه مضاده لثقافه وايدولوجية القوميين الناصريين التي انتشرت في العالم العربي في زمن عبد الناصر .
يعلق ( ادموند بيرك) عن الطريقه التي تشكل وتخلق فيها الجماعات الشعبيه المعارضه ايدولوجيتها ( الاخوان المسلمين كمثال) ، فالجماعات المعارضه تقوم بانتاج ايدولوجتها المضاده لمواجهة الوضع القائم ومدى التهديد الذي تتعرض له في المنافسه على الساحه السياسيه مع التيار الاقوى فآيدولوجية الاخوان يعود الفضل الى بلورتها الى علاقتها المتوتره بالتيار القومي الناصري ، كما هي البلشفيه عندما شكلت آيدولوجيتها ( الماركسيه اللينينيه) في خضم صراعها مع خصومها، التي تمثلت في مجموع ردود لينين ونقده لافكارهم ومواقفهم التي تحولت الى نظريه ومنهج للحركه العماليه في روسيا والعالم .
قدم الاطار الفكري لحركة اخوان المسلمين ، وقام بأدلجة الحركه على اساس فكر ( البنا ) ، ( سيد قطب 1906-1966) جاء من خلفيه ثقافيه دينيه ، وكان ناقدا واديبا علمانيا ناجحا قبل ان يهجر ماضيه ، او حسب ما يقولون عنه الاخوان ان يطلق جاهليته ويعتنق مفاهيم وبرنامج الاخوان المسلمين .
نقطة التحول عند (سيد قطب) جائت بعد زياره قام بها الى الولايات المتحده الامريكيه ، وبتأثيرات افكار ( البنا) والكتاب الاسلاميين الذين سبقوه قدم مشروعا ثوريا في الخمسينات من القرن العشرين ، شكل فيها لاول مره معالم الاصوليه للأسلام السياسي في عالمنا المعاصر .
ويعتبر كتابه الذائع الصيت ( معالم في الطريق ) بمثابة المرجع لتاريخ حركة الاخوان المسلمين ، حيث قدم فيه خلاصة مرارته وعدم رضاه وغضبه من الاوضاع التي آل اليه حال الاسلام في البلدان العربيه، ووضع برنامجه لتحرير العقل الاسلامي ، واعطى مصطلح الجاهليه القديم بعدا معاصرا حينما وصف كل المجتمعات التي لاتلتزم بمبادىء الاسلام في التشريع والحياة والحكم ، تعتبر مجتمعات جاهليه توجب فيها الجهاد شرعا لنشرراية الاسلام عليها.
بقي ( سيد قطب)حتى آخر لحظه من حياته ، قبل ان يعدم في زمن عبدالناصر منضرا آيدولوجيا ، ولم يكن معنيا بشؤون التنظيم .
شكل ( سيد قطب) برنامجا فكريا لطليعه مقاتله ، بمعنى الكلمه تقوم بأحياء فريضة الجهاد التي لاتعلوها اية فريضة اخرى ، متأثرا بالعديد من مفكري عصره ، لكن الاثر الاكبر الواضح عليه كان للمفكر الاسلامي الباكستاني ( ابو الاعلا المودودي) الذي كان ( ابو الحسن الندوي) مترجم اعمال ( المودودي) للعربيه ، وكان هذا المترجم صديقا قريبا من ( سيد قطب) . فبفضل ( ابو الحسن الندوي) ترجمت وانتشرت مؤلفات ( المودودي 1903-1979) بالعربيه الذي قدم فيها برنامجا لما يسمى بالصحوه الاسلاميه في شبه القاره الهنديه ‘ وقد حدد ( المودودي ) مفهوم الحاكميه ومفهوم الجهاد في القرن العشرين ، عرف الجهاد انه ليس كما يفهمه الغربيون انه كفاحا مقدسا بالسيف من اجل اجبار الكفار على اعتناق الاسلام فقط ، وليس هو ايضا دفاعا عن النفس فحسب ، لكن الجهاد في حقيقته هو الجوهر الثوري الدائم في الاسلام ، قدم هذا التعريف للجهاد عام 1939 متأثرا بالمفهوم الماركسي الليني للنضال .
ترك موت (سيد قطب ) المأساوي ، وكتابه المرجع تأثيرا كبيرا على الاجيال القادمه . فبعد هزيمة 5 حزيران 1967 التي كانت بمثابة هزيمه ايضا للفكر القومي الناصري الذي دخلوا مرة اخرى في معركه مع خصومهم الاخوان الذين انتعشوا مجددا .
ان اطروحة ( سيد قطب) لم تكن حافله بالغيبيات ، بل كان مثل ( البنا) ، داعيا لتبني المناهج العلميه والطبقيه لاعادة الاعتبار للأمه الاسلاميه ، وفي تعاليم ( البنا ) و( سيد قطب) يبرز الجدل والفرق بين الديني اليقين والغيبي المبني على الدجل، الاسطوري والعلمي المحسوس ، الديني والعلماني .
ايدولوجية الجها د( لسيد قطب) راجعها العديد من المفكرين الاسلاميين خاصة في الاطار المعتدل من الاخوان ، لكنها انتقلت وتمظهرت في العديد من حركات الاسلام السياسسي التي جائت من بعدها ، ليس بالضروره تلتزم بتعاليم ( قطب والبنا) ، هناك اتباع المذهب الوهابي المتزمت ، ومذاهب اخرى تدور في نفس الفلك ، وكلها تشترك في انها تعتمد الارهاب كأسلوب في الجهاد ، مولت ودربت واستغلت من قبل الولايات المتحده لتحقيق استراتيجيتها اثناء الحرب البارده ضد الاتحاد السوفيتي واهدافها الغير معلنه اليوم في تحقيق الهيمنه على العالم بعد تفكك وانهيار المنظومه الاشتراكيه وتحولها الى القطب الاوحد ، بدءا من عصابات المجاهدين الافغان ‘ التي نسلت عنها حركة طالبان والقاعده التي تنتهج المذهب الوهابي، التي خرجت عن الطاعه بعد تحقيق انهيار الاتحاد السوفيتي ، الى الحركه الاسلاميه الارهابيه الوحشيه في الجزائر ، وغيرهاالكثير من الحركات المسلحه الاسلاميه المختلفه الناشطه في انحاء العالم . مشكله اشبه مايكون بالفيالق الامميه للتدخل في مناطق الصراع وبؤر التوتر مع الولايات المتحده والغرب ، اذن هي حركات سياسيه رجعيه في الجوهر ، ،مناوئه للتقدم الاجتماعي لاتتناقض مصالحها بشكل كبير مع مصالح واستراتيجيات الولايات المتحده والغرب في العالم الثالث التي تريد منه استمرار تبعيته ، عن طريق أدامة تخلفه في مسار الحضاره .
و حركة الجهاد (الاسلامي الفلسطينيه) التي لاتخرج عن فلك تنظيم الاخوان في فلسطين تحاول تطبيق افكار ( سيد قطب) على المأساة الفلسطينيه التي فسرتها بناء على مفهوم ديني واوهام لاتمت بصله بواقع الحال الجاري على الارض ، وتطور مسار القضيه الفلسطينيه الراهن ، و التغيرات في توازن القوى في العالم .
بنفس الوقت حركة المقاومه ( حماس) الفلسطينيه قامت بتفسير الصراع العربي - الاسرائيلي من خلال مفهوم ديني معتقده ان التمسك بالنهج الاسلامي في الجهاد يضمن تحرير كافة ماهو قد احتل في فلسطين ، وناقشت اسباب الهزيمه بفرقة الجماعه ونأيها عن نهج الاسلام ، وفسرت النجاح اليهودي ،من خلال التمسك بتعاليم الدين اليهودي الذي كرست اسرائيل نفسها له ، ومن هنا فمشروعها قام على اعادة الاعتبارللجهاد في الأسلام كطريق وحيد لتحرير فلسطين ، وفسرت الكفاح الفلسطيني بأنه محاوله للدفاع عن النفس في وجه المحو والآلغاء.
الا ان هذه الحركات الاسلاميه السياسيه في الاراضي المحتله ، تغير باستمرار من تكتيكاتها وثوابتها المتشدده المستنده على الدين ( وسيلتها في تزييف وعي الناس ) عندما تحقق بعض النجاحات على المستوى السياسي ، فهي دخلت الانتخابات البرلمانيه والبلديات بعد تحريم طويل منها للعمليه عندما تلمست ضعف وتردي السلطه الفلسطينيه ومنظمة فتح في الشارع الفلسطيني بعد وفاة ياسر عرفات ، وحققت نجاحات كبيره في هذه الانتخابات التي تنذر بامكانية ازاحة السلطه الفلسطينيه الحاليه من الحكم .
وتنازلت عن اخطر ثوابتها في رمي الاسرائيليين بالبحر ونسيت موقفها في عدم امكانية التفاوض مع الاسرائيليين على الاطلاق.
وهاهم يلمحون باستعدادهم لعمل كل شيء في حال رضى اسرائيل والولايات المتحده عنهم وقبولهم بهم بديلا عن منظمة التحرير .
ونسمع اليوم الغزل المتبادل بين اسرائيل والولايات المتحده من جهه ، ومن جهة اخرى هذه الحركات بهدف التقارب والتعاون المقبل .