| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كاظم حبيب

 

 

 

الأربعاء 9/1/ 2008

 

ملف خاص في الذكرى العشرينية لمجازر الأنفال وحلبچة
ضد الإنسانية والإبادة الجماعية

[
النظام البعثي ألصدامي خطط ونظم وأشرف على تنفيذ تلك الجرائم ضد الشعب الكُردي]
  شباط/فبراير – تشرين الأول/أكتوبر 1988

الدكتور كاظم حبيب

في الذكرى العشرينية لجرائم الأنفال وحلبچة
وجهت الرسالة أدناه إلى الشعب الكُردي معبراً عن احتجاجي واعتذاري وتضامني مع الشعب الكُردي لما لحق به من اضطهاد وتعذيب وتقتيل وتهميش وتعريب قسري وتهجير وتغيير ديموغرافي لبعض مناطق كُردستان العراق المهمة على أيدي النظم المركزية ببغداد , ولكن بشكل خاص في فترة حكم البعث التي دامت قرابة 35 عاماً عجافاً. وقد كشفت محاكمات الأنفال عن طبيعة الجرائم التي ارتكبت والتي كتبت عنها في العام 2002 معبراً عن طبيعتها الشوفينية والعنصرية وعن كونها تشكل جزءاً من جرائم الإبادة الجماعية وضد الإنسانية. حتى الآن لم نجد إلا قلة قليلة جداً من عرب العراق وعرب الدول العربية , وخاصة من المثقفات والمثقفين , ممن عبر عن حزنه واحتجاجه على ما حصل للشعب الكُردي على أيدي النظام البعثي الدموي المخلوع من جرائم بشعة على امتداد حكمه ولكن بشكل خاص جرائم الأنفال وحلبچة والتي برهنت محاكمة بعض المجرمين الذين أشرفوا وقادوا ونفذوا تلك العمليات البشعة , وعلى رأسهم صدام حسين وعلى حسن المجيد ومن لف لفهما على ما ارتكب فيها من بشاعات يندى لها جبين البشرية.
إن الاعتذار الذي أقدمه من جديد بإعادة نشر تلك الرسالة والمقالات التي كتبتها نابع من حقيقة أن كل ما ارتكب من جرائم قد تم باسم كل العرب ودفاعاً عنهم , وهي أكبر فرية مارسها النظام البعثي , إذ لم يخوله أحد منا بممارسة تلك الجرائم أولاً ولأن الكثير من العرب لم يتضامنوا في حينها ولا الآن مع ضحايا تلك الجرائم. لقد كنت في جبال وقرى كُردستان حين ارتكبت تلك الجرائم وكنا نتابع العمليات يوماً بيوم , وليس هناك من يستطيع أن ينكر ما فعله النظام سواء بقصف سكاك حلبچة بالكيماوي أو في العمليات التي استمرت طول أحد عشر شهراً دعْ عنك الفترة التي جرى التحضير لها وما أعقبها , إضافة إلى ما نفذ قبل ذاك من جرائم ضد سكان كركوك أو للكُرد الفيلية.
أتمنى على العرب جميعاً في الذكرى العشرينية لهذا المأساة الإنسانية أن يبادروا , ومنهم المثقفات والمثقفون الديمقراطيون العرب في كل مكان , إلى نشر المعلومات عن تلك الجرائم وإدانتها من أجل بناء صرح سليم من العلاقات الأخوية والتضامنية مع الشعب الكُردي.

رسالة اعتذار إلى الشعب الكُردي وتضامن معه
[حملة من أجل الكشف عن مصير ضحايا الأنفال في كُردستان العراق]
تقع على عاتق العرب في العراق وخارج العراق قبل أن تكون مهمة الشعب الكُردي والقوميات الأخرى في كُردستان العراق مهمة المطالبة المستمرة بالكشف عن ضحايا عمليات ومذابح الأنفال في كُردستان العراق, هذه الجريمة البشعة التي ارتكبها النظام العراقي, بما فيها مجازر الكيماوي في حلبچة, إذ أن ما ارتكب من جرائم في كُردستان العراق خلال فترة حكم البعث الطويلة بقيادة الدكتاتور صدام حسين كانت تنظم باسم الدفاع عن "عروبة العراق" وباسم "القومية العربية" و "وحدة العراق".
أشعر كمواطن عربي من العراق بأن ما حدث في كُردستان العراق, رغم إدانتي الصارخة والمستمرة ضد ما ارتكب فيها من جرائم على امتداد عدة عقود من السنين, وبالتالي أتحمل مع بقية العرب مسؤولية تقديم الاعتذار الشديد للشعب الكُردي ولضحايا الأنفال وعائلاتهم, ومنهم ضحايا مجزرة حلبچة الكيماوية, رغم أن هذا الاعتذار لا يشكل سوى الجانب الأدبي لإدانة ما ارتكب باسم العرب والعروبة والوحدة الوطنية العراقية وهي منهم براء. كما أتحمل مع الناس الطيبين والديمقراطيين من العرب مسؤولية العمل والمساهمة الفعالة في فضح ما ارتكب هناك, والعمل على إيجاد حلول واقعية وسريعة لضحايا الأنفال وحلبچة وتقديم التعويضات المناسبة لضحايا الشعب الكُردي, التي تبقى رمزية.
ومثل هذا الموقف من جانب العرب يتطلب وعياً بطبيعة الجرائم التي ارتكبت في كُردستان العراق والذهنية العنصرية المقيتة التي كانت وراء ذلك والعواقب الوخيمة التي ترتبت عليها. إذ بتلك الجرائم البشعة, وجَّه النظام العراقي بقيادة المستبد بأمره والعنصري المقيت صدام حسين أكبر إساءة للأخوة العربية الكُردية والقوميات الأخرى في العراق وللوحدة الوطنية العراقية وحقوق الشعب الكُردي المشروعة والعادلة. ويتطلب هذا الموقف منّا جميعاً المشاركة فيما يلي:
1. الاتفاق على تأسيس مركز علمي موحد في كُردستان العراق لجمع وتصنيف وترتيب وحفظ الوثائق الخاصة بما ارتكب بحق الشعب الكُردي من جرائم خلال العهود المنصرمة, ولكن بشكل خاص خلال الفترة التي أعقبت مجيء البعث إلى الحكم في العراق.
2. تشكيل لجنة دولية تنفيذية دائمة يكون مقرها في إحدى المدن الأوروبية المهمة سياسياً وتشكيل فروع لها في بعض مدن العالم وحيثما أمكن, إضافة إلى مقر مركزي آخر في كُردستان تضم إلى مجلسها الموسع شخصيات علمية وثقافية واجتماعية وسياسية عراقية مستقلة وحزبية ومن مختلف القوميات, إضافة إلى شخصيات عربية ودولية يكون بمقدورها تحريك العمل للنهوض بحملة عالمية مستمرة للانتصار لضحايا الأنفال في كُردستان العراق.
3. تقديم طلب رسمي باسم اللجنة الدولية الدائمة والمسئولين في كُردستان العراق إلى الأمم المتحدة من أجل اعتماد تنظيم ندوة دولية خلال العقد الجاري تبحث في أسباب وعواقب مجازر عمليات الأنفال التي مارسها النظام العراقي, باعتبارها أعمالاً عنصرية استهدفت التطهير والإبادة الجماعية للشعب الكُردي في كُردستان العراق, واستخلاص الدروس والسياسات والإجراءات الممكن اتخاذها لمعاقبة النظام ومن أجل منع تكررها في كُردستان العراق أو في أي مكان من العالم, وهي بمثابة تحذير لكل الحكومات والقوى والسياسات العنصرية في المنطقة, وخاصة في تلك الدول التي تعيش فيها بقية أجزاء الأمة الكُردية.
4. تهيئة وثائق اتهام رسمية ضد قادة الحكومة العراقية, باعتبارهم قاموا بالتفكير والتخطيط والتنظيم والتنفيذ الفعلي لمجازر الأنفال في كُردستان العراق والعمل على إخفاء معالمها عن الرأي العام العالمي والعربي والعراقي, إلى المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والتجاوز على حقوق الإنسان وخاصة حقه في الحياة. ويتطلب هذا الأمر إصدار أوامر دولية من المحكمة باعتقال قادة النظام وتقديمهم لهذه المحكمة الدولية.
5. فتح صفحة خاصة على الإنترنيت باسم حملة الأنفال الدولية وإصدار نشرة خاصة بها بلغات مختلفة.
6. قيام اللجنة الدولية بتنظيم ندوات أو مؤتمرات سنوية تعقد في كُردستان العراق من أجل مواصلة فضح هذه السياسات والكشف عن السبل والأساليب والأدوات التي أستخدمها النظام في قتل هذا العدد الهائل من السكان الأكراد في كُردستان العراق وعن بقية جرائم النظام بحق الشعب الكُردي وبنات وأبناء القوميات الأخرى.
7. قيام اللجنة الدولية الدائمة بالتعاون مع القوى والأحزاب السياسية العراقية, سواء العربية منها أم الكُردية أم غيرها, بعقد ندوات خارج العراق, سواء كان ذلك في البلدان العربية أم الدول ذات الأكثرية المسلمة, أم في الدول الأوروبية أم في بلدان أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وغيرها من الدول حول موضوع الأنفال والواقع العراقي الراهن. ويمكن أن يعتمد يوم محدد في السنة ليكون يوم تخليد لذكرى شهداء الأنفال في كُردستان العراق وعلى صعيد العراق كله.
8. اعتماد مجلة الأنفال من قبل المركز العلمي لوثائق الأنفال لتصبح الأداة الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية الفعالة في الكشف عن الجرائم التي ارتكبت وفضح خلفياتها وعواقبها للمجتمع الدولي, إذ يفترض أن تنشر بلغات عدة إلى جانب اللغة الكُردية والعربية, وتوزيعها على نطاق واسع في الدول العربية أيضاً.
9. تأمين إقامة معارض فنية تشكيلية حول الواقع العراقي ومجازر الأنفال, ومنها حول جريمة حلبچة, ونضال الشعب الكُردي وإصدار البوم خاص بتلك اللوحات ونشرها على نطاق واسع, على أن يدعى لها أوسع عدد ممكن من الفنانين العراقيين من مختلف القوميات, إذ في ذلك إدانة فعلية للعنصريين من العرب بسبب المجازر التي ارتكبوها بحق الشعب في كُردستان, وفي مقدمتهم قادة الحكم القائم في العراق وعلى رأسهم صدام حسين وعلي حسن المجيد.
10. إيلاء اهتمام كبير بالناس المتبقين والفالتين من عمليات الأنفال لضمان استكتابهم أو إجراء المقابلات معهم للحصول على أوسع وأدق التفاصيل عن هذه العمليات العنصرية وتسجيلها صورة وصوتاً ونشرها بشكل منظم ومبرمج.
11. كما يفترض إيلاء اهتمام خاص من جانب الأحزاب الوطنية الحاكمة في كُردستان العراق, وفي العراق الديمقراطي القادم بالناس الذين نجوا من المذابح, ورعاية أطفال وعائلات شهداء مذابح الأنفال.
12. بناء متحف في كُردستان لضحايا الشعب الكُردي وخاصة ضحايا مجازر الأنفال ليكون موقعاً ومعلماً يزوره الناس ليتعرفوا على طبيعة الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية في كُردستان العراق من جانب النظام والذهنية التي حكمت ذلك, كما يمكن أن يتحول إلى مزار لكافة سائحي كُردستان أيضاً.
13. إقامة نصب تذكاري مركزي ونصب أخرى لضحايا الأنفال تقام في مواقع مناسبة من كُردستان.
14. عناية الحكم الفدرالي وكذلك الحكم الديمقراطي المركزي بعد التغيير في العراق بدعم الكتب التي تبحث في المجازر والمحن التي تعرض لها الشعب الكُردي وبقية القوميات في كُردستان العراق من أجل فهم العوامل الكامنة وراء ما حدث واستيعاب دروسها ومنع حصولها مستقبلاً.

برلين في 13/9/2002


العنصرية في الممارسة
(أو) حملات مذابح الأنفال وحلبچة في كُردستان العراق *

إقليم كُردستان العراق
ربيع عام 2002

المقدمة : الشعب العراقي ضحية الاستبداد والقمع والعنصرية
كان وما يزال القسم الأعظم من الشعب العراقي, بتكوينه السكاني المتنوع, عرباً وكُرداً وأقليات قومية وأتباع ديانات وطوائف دينية عديدة أخرى وأصحاب عقائد وآراء سياسية مختلفة, يعاني منذ ما يقرب من أربعة عقود من السنين من أوضاعٍ شاذة واستثنائية غير منقطعة تجاوزت ما عاناه الشعب في ظل الحكم الملكي الإقطاعي في العراق, بحث بدأ البعض يترحم على نظام أرسى الأساس المادي لما نعانيه اليوم من ويلات ومحن وكوارث متلاحقة. ومعاناة الشعب لا تقتصر على إرهاب النظام وقمعه الفاشي المتواصل وحسب, بل وبسبب الحصار الدولي المتعدد الجوانب الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضد هذا الشعب, رغم الادعاء بأن المستهدف بالحصار هو النظام, في حين أن المتضرر الأول والأخير منه, والمستهدف به هو الشعب العراقي وإذا ما جري البحث في هذا المجال عن نضال ومآسي وكوارث الشعب الكُردي في كُردستان العراق وعن مذابح الأنفال العنصرية, ومنها مجزرة الأسلحة الكيميائية في حلبچة, وهي قمة الإرهاب العنصري والعداء السافر للجنس البشري, فأن علينا أن لا ننسى معاناة بقية أبناء وبنات الشعب في الوسط والجنوب, وبتعبير أدق, على امتداد الرقعة العراقية الراهنة. فالمعاناة كما أشار إلى ذلك بصواب وصدق كبير الكاتب والروائي العراقي سلام عبود حين كتب, مقارنا بين تجربة العراق مع النظام ألصدامي وتجربة ألمانيا مع النظام الهتلري, يقول: فرغم اختلاف التجربتين في أمور عديدة, لكن جوهر السؤال سيظل سليماً, حيث أن العنصر الأساسي فيه هو وجود نظام قائم على احتكار السلطة احتكاراً مطلقاً وسيادة الإيديولوجية العنصرية, وتحويل المجتمع إلى قوة حاملة لأعباء حرب مدمرة غير عادلة. والنقاط الثلاث السالفة, هي في تقديري جوهر خصائص الواقع السياسي في العراق, الجوهر الأساسي الذي يجعل الاعتبارات الأخرى مجرد تفاصيل إضافية, لا تلعب دوراً حاسماً في تكوين خصوصية لوحة الحياة العامة" (1) . ويمكن توسيع النقطة الثالثة ومدها إلى أبعد من الحرب والقول: …, وتحويل المجتمع إلى قوة حاملة لأعباء سياسات وحروب النظام غير العادلة الداخلية والإقليمية على امتداد العقود الأربعة المنصرمة وعواقبها على الأجيال الراهنة والقادمة. فالحرب ضد إيران وغزو الكويت والحرب الخليجية الثانية والحرب ضد الشعب الكُردي وضد شعب الأهوار وضد المنتفضين كانت جزءاً من تلك السياسات, وأن كانت الجزء الدموي منها, فأن مجمل سياساته على مدى أكثر من ثلاثة عقود كانت وراء الأعباء التي يحملها الشعب العراقي على كاهله ويتلقى عواقبها مباشرة, في حين يبقى قادة النظام والقاعدة التي يستند إليها في منأى عنها.
فالكُرد الفيليون, وهم جزء من الشعب الكُردي, بخصوصيتهم المعروفة, كما أنهم جزء من بنات وأبناء العراق, تعرضوا على امتداد العقود المنصرمة منذ تأسيس الدولة العراقية, لتمييز واضطهاد النظام الملكي بحدود معينة, ولكن معاناتهم الحقيقية بدأت مع وصول البعث وبعض القوى القومية إلى الحكم في المرة الأولى والبعث في المرة الثانية. فالعائلات الكُردية الفيلية البغدادية العريقة وفي المدن الأخرى تعرضت للمضايقة والملاحقة والتعذيب والقهر والنهب والسلب ومصادرة كل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وتهجير عشرات الألوف منهم بالقوة القسرية الظالمة إلى إيران. كما أجهز البعث الحاكم بالقتل على مجموعة كبيرة من الشباب الكُردي الفيلي المتمسك بوطنه العراق والمحب له. والموقف من الأكراد الفيليين كان وما يزال يتسم بالعنصرية البغيضة والحقد المسموم. ومارس النظام عملية "تطهير عرقية" فعلية ضد الأكراد الفيليين في مناطق سكناهم, ومنها بغداد.
وشمل هذا الحقد الأسود عرب الوسط والجنوب, حيث رحل النظام في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات أعداداً غفيرة من المواطنات والموطنين العرب بحجة كونهم من التبعية الإيرانية, بسبب كونهم يدينون بالمذهب الشيعي في الإسلام, وكأن المذهب الشيعي من نتاج المجتمع الإيراني وليس من اجتهاد المسلمين العرب منذ العصر العباسي ومنذ أيام الإمام جعفر الصادق على أقل تقدير.
يقدر عدد المهجرين العراقيين من العرب والأكراد الفيليين من جنوب ووسط العراق, بما فيها بغداد, بما يزيد على 450000 مواطنة ومواطن عراقي. وتعرض هؤلاء الذين هجروا في فترة الحرب العراقية الإيرانية بشكل خاص إلى مشاق السير بين الألغام والموت على هذا الطريق, وإلى الاعتداءات والإهانات التي يندى لها جبين الإنسان لبشاعتها, والتي لم تميز بين طفل وشيخ طاعن في السن أو رجل وامرأة حامل, أو رضيع أو مريض. كما اعتقل النظام أعداداً كبيرة من شباب الوسط والجنوب وزجهم في السجون والمعتقلات ولم تسمع أخبارهم منذ الثمانينات. وكل الدلائل تشير, كما في حالة الأكراد الفيلية ومذابح الأنفال, إلى إجهاز النظام عليهم وقتلهم ودفنهم في مقابر جماعية لم تكتشف كلها حتى الآن.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن النظام العشائري والطائفي القائم في العراق قد عامل العراقيين من بنات وأبناء المذهب السني بطريقة إنسانية. فالاضطهاد والاعتقال والتعذيب والقتل شملهم أيضاً, فالنظام يقف ضد كل من يعارض النظام أو يختلف معه أو حتى يشك في ولائه للنظام بأي قدر كان.
وارتكب النظام جرائم بحق الآشوريين والكلدان بأساليب وصيغ شتى دفع بعدد كبير جداً منهم إلى ترك البلاد والهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلندا وبعض الدول الأوروبية. ففي هذه البلدان يلتقي المرء بأكثر من 300 ألف إنسان من العراقيين الآشوريين والكلدان والسريان من أتباع الديانة المسيحية بطوائفها المختلفة.
كما يجد الإنسان عدداً متزايداً من الأكراد الإيزيديين المقيمين في أوروبا على نحو خاص, ولكنهم موجودون أيضاً في دول أخرى, ويزيد عدد المهاجرين الهاربين من ظلم النظام وقهره ما يقرب من 30 إنسان. وهكذا حال الصابئة المندائية الموزعين على بلدان أوروبا الغربية وأمريكا وكندا وغيرها. فعدد العراقيين القاطنين في الشتات يصل اليوم إلى أكثر من 3 مليون إنسان, موزعين على إيران وسوريا والدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وغيرها من دول العالم. وهم يشكلون ما يقرب من 12 % من سكان العراق في الداخل والخارج البالغ عددهم حوالي 25 مليون نسمة.
ولكن أين تبرز معاناة العراقيات والعراقيين في المرحلة الراهنة؟ يمكن بلورة الجواب عن هذا السؤال بعدد من النقاط الجوهرية التي تشخص بوضوح الطبيعة الاستبدادية الشمولية والقمعية والعنصرية والعشائرية والطائفية التي يتميز بها النظام في العراق, إضافة إلى نزعاته الأخرى المنبثقة عن خصائصه الأساسية:
1. يفرض صدام حسين في العراق نظام حكم فردي دكتاتوري شمولي على الشعب العراقي كله دون استثناء, ويمارس سياسة تضرب عرض الحائط كل المبادئ والقيم والأسس الديمقراطية والدستورية في الحكم, كما يضرب كل المواثيق واللوائح الدولية الخاصة بحقوق الإنسان عرض الحائط. فالسجون مليئة بالسجناء والمعتقلين, سواء بمحاكمة صورية أم بدون محاكمة, ولم يعد ممكنا تقديم لوحة مقربة عن عددهم بسبب كثرة من اعتقلوا حتى الآن, وكثرة من قتلوا في السجون خلال السنوات العشرة الأخيرة على أقل تقدير. وعدد السجون والمعتقلات كبير جداً, وهي موجودة في كل مكان في العراق, سواء كانت بصورة علنية ومعروفة أو سرية تديرها أجهزة خاصة ترتبط مباشرة بأفراد عائلة صدام حسين المقربين جداً منه؛
2. وعلى هذا الأساس فكل ما هو موجود من مؤسسات تدعي الحكم باسم الشعب, إنما هي مزورة ومشوهة لإرادة الشعب, كما هو حال المجلس الوطني العراقي أو المنظمات والنقابات المهنية. فالحاكم بأمره هو الذي يقرر كل شئ في العراق, فهو المشرع والقاضي والمنفذ أو الحاكم في آن واحد, إضافة إلى أنه المسؤول عن الإعلام؛
3. والنظام العراقي كان وما يزال يستخدم أكثر من جهاز واحد للأمن الداخلي والمخابرات العسكرية التي تقوم برصد تحركات المجتمع العراقي بطريقة تساعده باستمرار على التقاط من يتحدث ضد النظام أو يعمل ضده. ويدخل الرصد في بيوت الناس ومحلات عملهم وفي كل مكان, بحيث لم يعد للإنسان القدرة على الحلم والتنفس بحرية. فالعراق يئن تحت وطأة القمع والقسوة, بالمعنى الإنساني العميق للكلمة. إذ أصبح الإنسان خشية قمع السلطة يقوم بقمع نفسه بصيغ وأشكال شتى, فالمجتمع كله, حتى الجلاد ذاته يعيش تحت أنواع مختلفة من القمع الذاتي والخاص والعام, وهي قمة التوتر والتدهور في المجتمع.
4. وتأخذ القوانين العراقية المليئة بأحكام الإعدام على عاتقها تحقيق حالة القمع العامة من خلال إرهاب الناس ودفعهم بعيداً عن العمل السياسي المعارض مثلاً, إذ أن الموت يمكن أن يحصدهم في كل لحظة دون مسائلة الجاني على فعلته ودون أن يعرف أحد بذلك؛
5. والجامعات والكليات والمعاهد ودوائر الدولة الأساسية, وخاصة وزارات الدفاع والخارجية والداخلية والإعلام والشباب والقوات المسلحة وغيرها, ليست محرمة على غير البعثيين وأنصارهم ومؤيديهم فحسب, بل هي أوكار لنشاط قوى الأمن واضطهاد المواطنين والتآمر. والاستبيانات المستمرة في محلات السكن والعمل والدراسة وغيرها مسؤولة عن تأمين معرفة مدققة بالناس العراقيين وعن قدرة الأجهزة الأمنية على التحكم بالوضع في مناطقهم وحمايتهم من قوى المعارضة السياسية لهم. إن من يريد الوصول إلى أي مقعد دراسي أو وظيفة ينبغي له أن يحمل بيديه كتاب تزكية له من الحزب الحاكم ومن أجهزة الأمن الداخلي, وهي غالباً ما تكون مرتبطة بفرض تنازلات لهم, بما فيها المشاركة بتقديم معلومات ووشايات ضد الناس في محلات السكن أو العمل أو الدراسة (الملحق رقم )؛
6. وبسبب سياسات النظام العربية والإقليمية وحروبه الدموية كان وما زال الشعب العراقي يعاني لا من وطأة استبداد هذا النظام فحسب, بل ومن جور الحصار الدولي, وكلاهما يجهز على العراقيين بالقمع والتجويع والحرمان والموت بصيغ مختلفة. علماً بأن هذا الحصار الدولي لا يضعف النظام, بل يسمح له بطول العمر وكسب تأييد الشعوب العربية وشعوب الدول "الإسلامية" على نحو خاص.

المدخل : لمحة مكثفة عن الشعب الكُردي
تعتبر المسألة الكُردية واحدة من الإشكاليات الكبيرة التي تواجه شعوب منطقة الشرق الأوسط, وخاصة في تلك البلدان التي اقتسمت في ما بينها كُردستان في أعقاب الحرب العالمية الأولى, أو التي وزعت عليها, رغم أن التقسيم الأول لكُردستان كان قد تم عملياً في وقت سابق. والإشكالية الحقيقية تبرز في أن شعوب المنطقة كلها تقريباً أسست خلال القرن العشرين دولها المستقلة الجديدة, ومنها الشعوب العربية التي كونت لها في منطقة الشرق الأوسط وحدها خمسة عشر دولة, وبعضها قزمي, كما في بعض إمارات الخليج, ومُنح يهود العالم دولة أقيمت على القسم الأكبر من أرض فلسطين, في حين لا يتمتع الشعب الكُردي, أو الأمة الكُردية, بسكانه الذين تجاوز عددهم اليوم أكثر من 30 مليون نسمة بدولته المستقلة على أرض وطنه كُردستان. وهذه الإشكالية المؤرقة, وبحق, للشعب الكُردي, لا تجد حتى الآن التفهم العقلاني والإنساني من جانب الحكومات والنظم في المنطقة وبقية دول العالم ولا حتى من الأمم المتحدة, إذ لا يبدو في الأفق القريب أي حل جذري لهذه المشكلة لصالح الأكراد. والإشكالية الأكثر قساوة تكمن في أن غالبية القوى القومية المتعصبة واليمينية, سواء كانت عربية أم فارسية أم تركية, ترفض حتى الآن الاعتراف بواقع وجود شعب كُردي كان وما يزال محروماً من حقه في تقرير مصيره في الأجزاء التي توزع عليها عبر القرون المنصرمة لإقامة دولته الوطنية المستقلة, كما أن بعضها يرفض حتى حقه في إقامة اتحاد فدرالي في إطار الدولة القائمة أو حتى إقامة الحكم الذاتي, بغض النظر عن الواجهة القومية أو الدينية التي يسعى البعض للتستر بها لتغطية الروح الشوفينية التي تميز سياساته ومواقفه. والبعض الآخر ينسى تماماً أن الشعب الكُردي واحد من أقدم شعوب المنطقة, كما كانت له يوما دولة عامرة, وكانت له فيما بعد إمارات كثيرة وفي مختلف العصور, ولكنه خضع أيضاً, كما في حالات شعوب أخرى للهيمنة والاضطهاد والظلم والقهر المتنوع.
فتاريخ الشعب الكُردي عريق في المنطقة وعلى الأرض التي يعيش عليها اليوم. فالتنقيبات الأثرية المكتشفة عن عهد الملك الآشوري توكولتي -ننورتا في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. تشير إلى وجود شعب في المنطقة أطلق عليه في أحد الألواح كوتي وفي لوح آخر كورتي (والراء الزائد بسبب تضعيف التاء في جميع اللغات), وأن هذا الشعب ينحدر من أمم جبال زاغروس الكبرى أثناء العهد السومري, وكان أول ملوك هذا الشعب هو "أي أناتوم" الذي حارب العيلاميين, وكان ملكاً على لگش , ثم الملك "لوكال - زاكيزي" الگوتي لذي حكم في أوروك (الوركاء) وسومر. ومن ملوكهم أيضاً "انو بانيني" فاتح هالمان أو حلوان الواقعة بين قصر شيرين وكرمنشاه. ووفق دراسات المتخصصين فأن الشعب الگوتي كان يعيش في بلاد سومر قبل أن تؤلف الحكومات فيها بزمن غير قصير. وأن آخر ملوكهم كان أتريكان الگوتي. وأكراد اليوم هم أحفاد الگوتيين القدامى. وجاء ذكر بلاد الكُرد عند زينوفون في كتابه "Anabasis" المشهور برحلة زينوفون (2) , حيث أشير إلى مرور الجيش اليوناني الناكص على أعقابه نحو اليونان ببلاد الكُرد الجبلية المتاخمة لأرمينية, أي أن الكُرد هم أحفاد الكوردوك الوارد أسمهم في كتاب زينفوون (3).
لم يكن الأكراد عشيرة واحدة بل كانوا وما زالوا عشائر كثيرة, كما هو حال بقية شعوب العالم حينذاك وبعضها الكثير حتى يومنا هذا. وتعتبر القبائل الميدية أو الميذية كُردية أيضاً, وهم في الوقت نفسه, كما في حال الگوتين, أسلاف الشعب الكُردي الحالي. والأكراد ينتمون, كما في التقسيم الشائع عالمياً, بغض النظر عن مدى صواب التقسيم الدولي أصلاً, إلى الأقوام الأرو-هندية, كما يقال نفس الأمر عن الشعب السومري, والتي تداخلت بطبيعة الحال, بسبب عيشها المشترك في المنطقة منذ آلاف السنين, بالأقوام السامية وتفاعلت الحضارات في ما بينها لتنتج الثقافة الراهنة للشعب الكُردي في مختلف الأجزاء التي يعيش فيها. ولا تختلف التباينات الموجودة بين الشعب الكُردي في العراق عن الشعب الكُردي في تركيا أو في إيران أو عن الأكراد الفيلية الذين هم من نفس الأصل والانحدار الگوتي أو الميدي, بكثير أو قليل عن الاختلافات القائمة بين الشعوب العربية في المنطقة. فكما أن العرب يعودون لأمة عربية واحدة, فالأكراد في وطنهم الموزع يعودون لأمة كُردية واحدة أيضاً.
جاء ذكر الأكراد أو الكوتين في أحد الرقم السومرية في عهد الملك سرجون الأول (حوالي 2330-2280 ق.م.) التي كتبت بأذنه في عام 2340 ق.م. قوله بفخر كبير, بأنه غزا بلاد الگوتيين (4) . ويشير الدكتور زهدي الداوودي أيضاً إلى ما يلي:"ونسب أحد الملوك الذين جاءوا من بعده لنفسه أنه قمع إحدى انتفاضات الگوتيين" (5).
والمعلومات التاريخية الموثقة تشير أيضاً إلى قيام تحالف سياسي-عسكري بين الميديين والبابليين, وكان الكلدانيون قد أسسوا لتوهم دولتهم الجديدة, الدولة الكلدانية أو الدولة البابلية الحديثة في عام 626 ق.م., وتمكنوا معاً من احتلال مدينة آشور سنة 612 ق.م. واستمرت قوات التحالف الميدي (الكُردي -البابلي أو الكلداني) في مطاردة فلول الجيش الآشوري حتى حران وقضت عليها. واختفت بذلك واحدة من أكثر الإمبراطوريات العراقية القديمة سطوعاً وتوسعاً وتركت آثاراً ستبقى خالدة باعتبارها جزءا من الإرث الحضاري البشري. ووفق الدراسات التاريخية تم اقتسام مناطق الدولة الآشورية بين الكلدانيين والميديين فكانت منطقة جنوب بلاد ما بين النهرين وقسم من شمالها, وحصة الميديين الأجزاء الشمالية والشمالية الشرقية (6).
وجاء ذكر الكُرد في كتابات الجغرافي اليوناني سترابون في القرن الأول قبل الميلاد حين كتب يقول:
"بالقرب من دجلة بلاد الكُرد الذي سماهم القدامى "كوردوك" ومن مدنهم "سريزا" و "ستالكا" و "بيناكا" (7) وهي محصنة جداً وفيها آكام مسورة بسور خاص يجعلها تكون ثلاث مدن, غير أن ملك أرمينية استولى عليها ثم استولى عليها الرومان بهجوم خاطف. إن الكورد بارعون جداً في العمارة والريازة والتحصينات الحربية وفنون المحاصرة والاستيلاء" (8).
وتمكن كورش, إمبراطور الفرس القضاء على الدولة الكلدانية ودخول بابل في عام 539 ق.م. . ولكن كان قبل ذاك قد قضى على مملكة ميديا وألحقها بفارس ثم أخضع آسيا الصغرى قبل أن يدمر الدولة الكلدانية ويحتل أراضيها (9).
وعاش الأكراد في ظل الحكم الأموي والعباسي, وكذلك في العهد العثماني في إطار ما أطلق عليه بالدول الإسلامية العربية وغير العربية, وشكل في فترات مختلفة إماراته التابعة أو المستقلة نسبياً في مختلف مناطق كُردستان. وكان نضاله معروفاً وعلى امتداد العصور المنصرمة في سبيل أن يحكم نفسه بنفسه. ولكن الصراعات والأطماع وغيرها لم تسعفه ذلك إضافة إلى تدخل المصالح الإمبريالية الحديثة التي أعاقت نشوء الدولة الوطنية المستقلة للأكراد في أعقاب الحرب العالمية الأولى, حيث كرس الوضع القائم حالياً حينذاك, ولم يكن في كل الأحوال في صالح الشعب الكُردي. وكان السبب الأساسي في كل ما عاناه وما يزال يعاني منه هذا الشعب من محن وكوارث وقمع ويتعرض لتعامل عنصري مهين من حكومات الدول التي توزعت عليها ارض وشعب كُردستان.
وكانت كُردستان الجنوبي من حصة العراق, الدولة الملكية الإقطاعية الحديثة التي تأسست في المنطقة في عام 1921.

الفصل الأول: العنصرية والتطهير العنصري في العراق
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وضم كُردستان الجنوبي إليها, مارست الحكومات العراقية المتعاقبة في ظل الحكم الملكي سياسات تتسم بالتمييز وعدم المساواة بين المواطنين العراقيين, رغم ما تضمنه الدستور العراقي الملكي من مضامين ديمقراطية في هذا الاتجاه. وإذا كان الشعب الكُردي قد عانى أكثر من غيره من التمييز في المعاملة وفي مختلف مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي, فأن بقية الأقليات القومية والدينية, ومن بينهم الآشوريين والكلدان والتركمان واليهود والشيعة, لم تكن معاناتها قليلة بهذا الصدد. إلا أن تلك السياسات التي تميزت بالشوفينية والتمييز الديني والطائفي لم ترتق إلى مصاف وخصائص العنصرية والتطهير القومي والديني والطائفي, رغم أنها كانت مرفوضة في المعايير الدولية والقيم الإنسانية وللائحة حقوق الإنسان والمواثيق الدولية الأخرى. ولهذا كان الشعب العراقي يقف ضد تلك السياسات ويناضل ضدها ويعمل من أجل الخلاص من النظام الملكي. ولا شك في أن النظام الجمهوري الأول بقيادة عبد الكريم قاسم لم يتخلص من بعض مظاهر التمييز القومي والخشية على وحدة الجمهورية غير المبرر في ممارسة سياسات عنفية وعدوانية ضد حقوق الشعب الكُردي, ولكنها هي الأخرى لم ترتق إلى مصاف سياسات التمييز والتطهير العنصريين, علماً بأنها كانت هي الأخرى مرفوضة ومتقاطعة مع المعايير الدولية في مجال حقوق القوميات والأقليات القومية والدينية والطائفية, كما أنها متعارضة تماماً مع لوائح حقوق الإنسان والمواثيق الدولية بهذا الخصوص.
إلا أن الانقلاب الذي أطاح بالجمهورية الأولى وأقام جمهورية البعث وبعض القوى القومية في شباط/فبراير 1963 دفع الأمور في العراق باتجاه آخر بدأ يتطور تدريجاً ليصل, كما نرى إلى مصاف السياسات العنصرية والتمييز والتطهير العنصريين ضد الشعب الكُردي بالدرجة الأساسية, ولكنه لم يبخل بالتمييز والاضطهاد بحق الأقليات القومية والدينية والطائفية في العراق. ويتطلب منا هذا الأمر التعرف على الأساس النظري لهذه السياسات والممارسات العملية لتفسير واقعي وعلمي لما يجري في العراق. إذ يتطلب منّا الإجابة عن السؤال التالي: : لِمَ نظمَ ونفذَ الحكم القائم بقيادة صدام حسين ورهطه على امتداد أكثر من ثلاثة عقود عمليات متلاحقة ومنظمة بدءاً بالاعتقال والسجن والتعذيب والتهجير القسري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية والدفن الجماعي لمجموعات من البشر, سواء كانوا أحياءً أم أمواتا, أو حتى مطاردة البعض منهم في المنفى القسري الذي فرض عليهم لقتلهم؟ ويمر ببالنا أولاً وقبل كل شئ حملات مذابح الأنفال في كُردستان العراق, وقبل ذاك عمليات التهجير الواسعة لأبناء الشعب الكُردي من الفيليين في المدن العراقية الأخرى, وخاصة في بغداد والكوت, أو عمليات التهجير القسري لسكان عرب الوسط والجنوب الشيعة بعد اعتبارهم من التبعية الإيرانية بالمقارنة مع التبعية العثمانية, ثم محاولات التعريب ضد الأكراد أتباع واحدة من أقدم الديانات في هذه المنطقة, الإيزيدية, أو ضد الآشوريين والكلدان والتركمان أو ما يجري اليوم من تطهير عرقي لسكان محافظة كركوك في كُردستان العراق؟
بعد تجارب طويلة ومريرة عاشها الشعب العراقي مع نظام البعث ألصدامي الحاكم في العراق يحق لنا أن نتساءل: هل يمكن اعتبار سياسات النظام القائم في العراق, التي كان وما يزال يمارسها منذ عام 1968 التي تتميز بالعنف والدموية وعمليات إبادة جسدية جماعية وتطهير عرقي تهجير واسع أو تعريب قسري, في إطار وضمن مفهوم العنصرية والتمييز والتطهير العنصريين من الناحيتين الفكرية والسياسات والممارسات الفعلية؟ ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال سنحاول, وبشكل مكثف أن نتبين مفهوم ومضمون العنصرية وتطورها, وبالتالي يمكن إجراء مقارنة بين تلك المعايير وما جرى ويجري في العراق.

أ. مفهوم العنصرية والتطهير العنصري
مرت الأيديولوجيا والممارسات العنصرية وقبل أن تعرف بهذا الاسم, بمراحل مختلفة حيث كانت بعض المجتمعات تميز بين الناس على أساس السادة والعبيد الناجم عن وقوع أسرى بسبب الحروب والغزوات أو بسبب ديون لا يقوى على دفعها المدين, كما في العصور البابلية والفرعونية, ولكنها لم تكن تستند إلى لون الإنسان أو منحدره أو الجماعة التي ينتمي إليها أو لغته وثقافته أو الآلهة التي يعبدها. وتطورت هذه الممارسة لتصاغ على شكل أفكار ونظريات في فترة أرسطوطاليس حيث اعتقد هذا الفيلسوف بأن المجتمع يستند في وجوده إلى توزيع طبيعي بين الناس تقرره الطبيعة أساساً, أي أنه يقوم على أساس وجود سادة من جهة وعبيد من جهة أخرى, وأن على الجماعة الأخيرة أن تعمل في خدمة وإسعاد الجماعة الأولى. فالإنسان يولد أما سيدا أو عبدا دون إرادته, وبالتالي فمحكوم على السادة وأحفادهم أن يمارسوا السيادة, إلا إذا أساءوا التصرف بها, ومحكوم على العبيد البقاء عبيدا هم وأحفادهم لدى السادة. وفي هذه الحالة أيضاً لم يكن لون البشرة أو شكل الشعر أو الفوارق في جسم الإنسان هي السبب في أن يكون السيد أو النبيل (الأرستقراطية الغنية) سيدا ونبيلا والعبد عبدا خانعا وخاضعا. ولكن المنحدر "الطبيعي" منذ المولد شكل السبب في ذلك التمييز وفي إعادة إنتاجه. وكانت هذه الحالة بالنسبة للعصور الماضية تستند إلى قاعدتين أساسيتين هما:
• هيمنة السادة على الحكم أو السلطة أولاً وبالتالي من يولد في صفوفها ومنها فهو من السادة؛
• وهيمنتهم على الثروة والنفوذ أو الجاه في المجتمع ثانيا.
وبرز في فترات مبكرة تمييز آخر يستند إلى الدين حين نشب الصراع بين اليهودية والمسيحية, وقبل ذاك تجلى في ما ورد في العهد القديم من تقسيم البشر, رغم كونهم جميعا من أولاد وأحفاد نوح, إلى أبناء وأحفاد يافت, وأولاد وأحفاد سام, وأولاد وأحفاد حام. حيث اعتبر فيما بعد أن البيض هم من أولاد وأحفاد يافت, في حين أن الآسيويين هم من أحفاد سام وأن السود هم من أحفاد حام, حيث كتب على الآخرين بسبب الذنوب والخطايا التي ارتكبوها أن يقوموا بخدمة يافت وأحفاده. وتجلى التمييز بين البشر في العهد القديم أيضاً, حين أشير فيه إلى أن اليهود هم "شعب الله المختار". وتحدثت بعض الأديان السماوية الأخرى بنهج مماثل أيضاً. ومع أن المسيحية لم تطرح مثل هذه الفكرة الاستعلائية على الأديان والشعوب الأخرى التي سجلتها الديانة اليهودية "شعب الله المختار" والإسلامية "كنتم خير أمة أخرجت للناس", فأن الكثيرين من الحكام ورجال الكنيسة قد تصرفوا وفق هذه المقولة, من خلال قناعتهم بأنهم كانوا يهودا قبل أن يصبحوا مسيحيين, وبالتالي فهم "شعب الله المختار" أيضاً وهم الأحق به من اليهود, وهم الذين حاربوا اليهود قرونا طويلة, باعتبارهم "قتلة المسيح". وهذه التهمة هي التي حكمت علاقة المسيحيين الكاثوليك والكنيسة الكاثوليكية والبابا باليهود حتى أوائل العقد السابع من القرن العشرين, حيث بدأت تنفرج العلاقة بينهما تدريجا, ثم صدر قرار الفاتيكان في عام 1994 بتبرئة ذمة اليهود من دم المسيح. ولم يكن موقف المسيحيين البروتستانت على نفس شاكلة الموقف الكاثوليكي المحافظ والمتزمت إزاء اليهود.
ومارس العرب والفرس في العهود الأموية والعباسية والعثمانية تجارة استيراد وبيع الناس السود ك "عبيد" مستجلبين من أفريقيا‎, ولكنهم كانوا يستوردون في الوقت نفسه الناس البيض من مناطق القفقاس وجورجيا وغيرها ك "عبيد" وجواري أيضا. فالعبد هنا لم يكن مقترنا بلون البشرة, بل بسبب وقوعه أسيرا أو شراءه من عائلته بطرق وأساليب مختلفة ولغايات مختلفة.
والعنصرية بنظرياتها وممارساتها ومواقفها الحديثة برزت في عصر النهضة في أوربا وفي فترة الاكتشافات الأوروبية الحديثة لمناطق جديدة من الكرة الأرضية. واقترنت بعوامل استعمارية واستغلالية ودينية واضحة المعالم, بدأت مع دور أسبانيا في اكتشاف أمريكا, ومن ثم استيراد وتصدير السود من أفريقيا إليها. ولكنها لم تقتصر على أوروبا, بل مارستها دول وحكومات عديدة بما فيها الدولة العثمانية والدولة الفارسية, كما مارسها عنصريون عرب بسبل شتى.
يحمل الفكر العِرقي وممارساته المتنوعة في أوروبا وفي غيرها من بلدان العالم, ومنها الدول العربية معه وظيفته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والإعلامية والعسكرية, سواء كان ذلك إزاء الداخل أم الخارج, كما أن له تاريخ طويل. فالظاهرة التي نعيشها اليوم ليست جديدة وليست من بنات أفكار هذا الجيل, بل هي قديمة وتحمل معها تراكمات الماضي وتجاربه المريرة والشريرة. ولكن ذلك لا يعني أن العنصريين في المجتمعات الأوربية الراهنة وفي غيرها ليست لهم ممارساتهم التحديثية في هذا الصدد.
فعودة متأنية ومدقِقة إلى الكتب التي تبحث في التاريخ الأوروبي وفي العلاقات بين شعوبه وشعوب البلدان الأخرى تؤكد الوجود القديم حقا لظواهر التمييز بين البشر, التي يمكن أن يطلق عليها "ما قبل العنصرية", وتطورها فيما بعد إلى عقيدة عنصرية وممارسة صارمة ومستمرة للتمييز العنصري والقومي والديني والطائفي والفكري والسياسي, رغم التطورات الجديدة التي طرأت عليها خلال القرن العشرين. ويتجلى أيضا في القناعات غير المبررة للغالبية العظمى من السكان في فترات مختلفة بأحكام مسبقة أو تكوين صورة ألـ"أنا" وقياس صورة ألـ"آخر" على أساسها. ولا شك في أن هذه الظاهرة لم تبرز دفعة واحدة بل مرت بمراحل عديدة وانتقلت من ممارستها في داخل أوروبا إزاء القوميات والأقليات المختلفة إلى ممارستها إزاء البلدان والشعوب والقوميات والأديان الأخرى. إن ما يذكره التاريخ عن مشكلات العنصرية الأوربية وممارستها الفعلية يؤكد بجلاء الموضوعة التالية:
إن ما تواجهه بلدان الاتحاد الأوربي من تصاعد في الفكر العِرقي وممارسات فعلية في التمييز العنصري وتزايد الاعتماد على الأحكام المسبقة الراسخة في أذهان الناس ومن كراهية وعداء صريحين ومستترين ومتنوعين يصل إلى حد القتل والحرق, دعْ عنك الإهانات والسخرية والمشاكسة والتمييز في العمل والسكن والرزق وجعل الحياة جحيما لا يطاق للمواطنين الأجانب أو "للغرباء" الذين يعيشون سوية مع المواطنين الأوروبيين في بلدان الاتحاد الأوروبي, أي أن العنصرية المعاصرة, ليست حالة جديدة أو طارئة يمكن أن تختفي بسرعة, بل هي حالة ثابتة نسبيا ولها امتداد متوارث وغير منقطع لظواهر مماثلة قديمة في التاريخ الأوروبي, رغم إنها قد اتخذت في مراحل مختلفة أشكالا عديدة وارتدت لبوسا متباينة وتبنت تبريرات وأسباب مختلفة, وهي ليست بعيدة عن ممارسات سلطوية وتشريعية معينة. والأمر المقلق في هذا الصدد يبرز في تنامي ملموس لهذه الظاهرة في أوساط جديدة من المجتمعات الأوروبية واتساع تأثيرها على السياسات اليومية للحكومات المتعاقبة وقوى المعارضة في آن واحد, واتخاذها مظاهر جديدة وانعكاسها في شعارات شعبوية جديدة مبتذلة, رغم أنها تعبر في الوقت نفسه عن حالة كانت قائمة في السابق أيضا. فالعودة الواعية إلى التاريخ الروماني والإغريقي, أو إلى تلك الفترة التي اعتنقت أوروبا الديانة المسيحية القادمة من الشرق, أو إلى فترات الحروب الصليبية وما بعدها, أو إلى الأحداث التي عرفتها أسبانيا وعموم أوروبا في القرون الوسطى وفي عهد اكتشاف القارة الأمريكية, أو إلى الانتعاش المتعاظم للعنصرية الفكرية والبايولوجية في أوروبا في عصر النهضة, وعلى نحو خاص في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين, أو إلى العنصرية النازية والفاشية التي اقترنت بالانتقامية الألمانية والعنجهية الإيطالية والعسكرية اليابانية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية وما أججته النازية الهتلرية والفاشية الموسولينية من أفكار عنصرية عدوانية وممارسات بشعة وغير إنسانية في هذا الصدد, سواء ضد اليهود أو الغجر أو السُلافيين أو غيرهم من الشعوب ومن حملة الأفكار الأخرى. فالأساليب الراهنة التي تمارسها بعض القوى السياسية الأوروبية, سواء كانت في الحكم أم خارجه, ليست كلها جديدة, بل إن بعضها قديم وآخر يمزج ما بين القديم والحديث وبعضها الآخر جديد حقا. ولكنها تبقى في كل الأحوال تعبر عن مضمون واحد وأساسي يتجلى في القناعة لدى هؤلاء الناس بأن "البشر ليسوا سواسية". ماذا يعني ذلك بالممارسة العملية؟ إنه يعني باختصار أن مجموعة من البشر تعتقد بكونها أرفع شأنا وأكثر تفوقا في البنية الداخلية وفي المظهر أو شكل الإنسان وفي تركيب أو بنية الدماغ, وبالتالي في الذكاء والفكر والعمل والأخلاق, من المجموعات البشرية الأخرى, لأنها منحدرة من جنس يختلف عن الأجناس الأخرى التي ينحدر منها بقية الناس, لأن الدماء التي تسير في عروقها نقية وهي ليست من ذات الدماء غير النقية أو المختلطة والفاسدة التي تجري في عروق الآخرين. أي أن هذا التمايز بين بني البشر ناشئ عن الاختلاف في العِرق أو النسب المرتبط بدوره بنقاوة دم الجنس الأوروبي الأبيض وعدم نقاوة الدماء الأخرى التي تجري في شرايين وأوردة الشعوب الأخرى غير الأوروبية, وأكثر تحديدا الشعوب غير الآرية. وهي ترى بأن هذا "الفارق الجوهري" الذي يميزها عن الآخرين يمنحها في الوقت نفسه مركزا متقدما وحقوقا إضافية على المجموعات البشرية الأخرى. فمن حقها مثلا أن تهيمن على المناطق التي تعيش فيها تلك الجماعات الأقل شأنا ومقاماً وذات الدم غير النقي أو الفاسد, وأن تستثمر مواردها وتستعبد وتستغل شعوبها لصالحها. أي أن على الشعوب الأخرى من تلك الأجناس ذات الدم غير النقي أن "تخدم بقناعة وارتياح كبيرين ودون تذمر أو احتجاج" الشعب المنحدر من عرق متفوق ومن دم نقي وطاهر. ومن حق أصحاب العِرق والدم النقيين وواجبهم الحتمي أن يتجنبوا الاختلاط المباشر بتلك الجماعات ذات الأصل المنحط وأن يبتعدوا عن التزاوج معها, لكي تتجنب الحط من قدرها وتدنيس دمها النقي وتسئ تدريجا إلى جنسها الصافي الذي يمتلك خصائص إضافية لا تمتلكها الأجناس الأخرى, وبالتالي تحل أللعنة عليها وتقترب نهاية هذا النوع المميز من البشر. وعلينا هنا أن نتذكر التصفيات الجسدية والإبادة الجماعية التي مارستها الجماعات الأوروبية الاستيطانية التي هاجرت موطنها أوروبا واستقرت في أمريكا المكتشفة حديثاً ضد المواطنين الأصليين, أي ضد الهنود الحمر. وهي ليست بخافية على أحد, كما أن بعض الأفلام الأمريكية عرضت ذلك "بافتخار كبير" لما قام به أجدادهم الأوروبيون في هذا القارة, إضافة إلى استمرار التمييز بصور شتى إزاء الهنود الحمر المتبقين وإزاء الأفارقة الأمريكيين. وأمامنا اليوم تنهض صورة ما تقوم به حكومة إسرائيل ضد السكان العرب في فلسطين نموذجاً آخر لهذه الممارسات في العنصرية والتطهير العرقي. ولا شك في أن الحكام العرب لم يقصّروا في هذا المجال قبل ذاك. وفي هذه الاتجاهات الفكرية والسياسية المسمومة والخرافية, التي كانت وما تزال تنطلق من مصالح اقتصادية استغلالية واستعمارية توسعية, تكمن الوظيفة الفعلية والأساسية للعِرقية أو العنصرية بصيغها القديمة أو المستحدثة. إن أحداث الماضي البعيد والقريب تشير إلى إن هذه الاتجاهات الفكرية الخرافية والأساطير المتناقلة عبر الأجيال والممارسات السياسية الشائنة المرتبطة بالعنصرية والناشئة عنها كانت لها في الماضي عواقب وخيمة وخطيرة على العلاقات بين البشر, وكانت من أهم الأسباب في ما نشأ من خلافات ونزاعات وما وقع من حروب وما حصل من كوارث ومآسي لا حصر لها, كما لا يمكن أن تكون لها نتائج أخرى أفضل في الوقت الحاضر أو في المستقبل. ولنا في ما حصل بين قبائل الهوتو وقبائل التوتسي في رواندا خير تعبير عن العواقب المحتملة لهذه الاتجاهات في العنصرية والتطهير العنصري (10).
ولا شك في أن المجتمعات الأوروبية التي واجهت مثل هذه الظواهر شهدت في الماضي وما تزال تشهد قوى اجتماعية وسياسية أخرى اتخذت وتتخذ اليوم أيضاً مواقف ديمقراطية ذات مضامين عامة وعقلانية مناهضة لتلك الاتجاهات العِرقية والممارسات العنصرية والمعادية للشعوب أو القوميات الأخرى أو الناس الآخرين من لون بشرة مغايرة أو دين مختلف أو لغة أخرى وقاومتها وأدانتها وسعت إلى اجتثاثها من الفكر الأوروبي, وهي ما تزال تسعى إلى تحقيق هذا الهدف الإنساني النبيل. ولكن الدلائل التي تواجهنا يوميا لا تسمح للمقيمين في أوروبا من قوميات وشعوب ولغات وألوان بشرة أو أديان أخرى بالتفاؤل الكبير أو أن تبقى دون حذر كبير أو دون نضال ديمقراطي وسليم دؤوب لمواجهتها, إذ أن على الإنسان المقيم في أوروبا أن يقّر حقا بوجود اتجاه عنصري مغامر وزاحف تدريجا ولكن بصورة ملموسة في أوروبا, وإن هذا الاتجاه يمكن أن يقود إلى نتائج وخيمة لا على المواطنين الأجانب أو المتجنسين بجنسيات هذه البلدان فحسب, بل وعلى الشعوب الأوروبية ذاتها, وعلى القوى الديمقراطية فيها, وعلى المدافعين عن حرية وحقوق الإنسان وعن مبادئ الثورة الفرنسية البرجوازية التي نادت بالحرية والأخوة والمساواة, إن لم تتصدى له كل القوى الاجتماعية الديمقراطية على اختلاف اتجاهاتها الفكرية والسياسية فكريا وسياسيا واجتماعيا, وأن تفضح هشاشة وفراغ وبؤس خلفيته ومخالفته للعلم والنتائج الكارثية التي يمكن أن يقود إليها لاحقا. وقد جرَّت هذه الاتجاهات الفكرية العنصرية, وهي في السلطة, الشعوب الأوروبية وغيرها إلى أتون الحرب العالمية الثانية وعواقبها الكارثية المعروفة للجميع.
يؤكد تاريخ أوروبا القديم والحديث إن اتجاهات التمييز العنصري والقومي والديني والطائفي وكذلك الفكري والسياسي أو التمييز إزاء المرأة, لم تختف يوما ما عنها, ولكنها كانت تظهر بشكل حاد ومرير ومباشر وصريح أحيانا, فكانت تتسبب في نشوب نزاعات وحروب غير قليلة وتكلف ضحايا هائلة, كما حصل في الحروب الصليبية و حروب القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى وكذلك الحرب العالمية الثانية مثلا, وكانت تبرز في أحايين أخرى وكأنها أقل حدة وأقل ظهورا على سطح الأحداث وأقل صراحة أو أكثر استحياء, كما حصل في أعقاب الحرب العالمية الثانية, وبشكل خاص في سنوات العقدين السادس والسابع مثلا, أو أنها كانت تتراجع نسبيا لتظهر من جديد بصيغ وأساليب جديدة وقديمة وبحيوية جديدة, وهو ما يميز ظهورها الراهن في الكثير من بلدان الاتحاد الأوروبي. وكانت أوضاع المجتمعات الأوروبية وأزماتها الاقتصادية والسياسية أو رفاهها الاقتصادي العام والهدوء الإيجابي في أوضاعها الداخلية تؤثر على الواقع الاجتماعي-السياسي وتساهم في تصعيد أو تخفيف تلك الظاهرة. وبمعنى آخر فأن الرفاه الاقتصادي لا يلغي هذه الظاهرة, كما إن البطالة والجوع والحرمان لا تشكل الأسباب الرئيسية وراء وجود هذه الظاهرة العنصرية أو القومية الشوفينية, ولكن عاملي الغنى والفقر أو الرفاه والشحة يلعبان دورا مهما في خفوتها النسبي أو في غليانها, في تسترها أو في ظهورها بكل صراحة وعلانية وجهارا وربما أكثر عدوانية وعنفا أيضا.
وفي هذه المرحلة, ومع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة تواجه المجتمعات الأوروبية تعاظما في وجهة العولمة موضوعيا من جهة, وتفاقما في نزعة التمييز والنظرة الأحادية الجانب للآخرين وتفاقم ظاهرة العداء للأجانب التي لا تنطلق كلها من مواقع عنصرية واضحة ولكنها تصب فيها في خاتمة المطاف وتزيد من تأجيج الأحقاد والكراهية بين الشعوب, أو بين الجماعات البشرية التي تعيش في بلد واحد, أو بين الأكثرية والأقليات القومية أو الدينية, أو إنها تتسبب في خلق مصاعب إضافية للمواطنين من أصل غير أوروبي من المقيمين بصورة دائمة أو مؤقتة في بلدان الاتحاد الأوروبي. فالعولمة الجديدة تؤشر بمعنى معين وجود مجموعة الدول الغنية والمتقدمة من جهة, ومجموعة الدول الفقيرة والمتخلفة أو النامية من جهة أخرى. وهذه الحالة تعزز لدى العنصريين مفهوم التفوق العرقي والثقافي, سواء صرح به جهارا أم بقى كامنا ومتسترا بصيغ وأساليب متنوعة. ويبقى هدفه الأول والأخير الهيمنة وفرض الإرادة وتحقيق أقصى الأرباح على حساب بقية الشعوب.
ولكن وجود العنصرية والسياسات العنصرية والتمييز القومي والديني والطائفي لم يقتصر على الحكام والجماعات العنصرية الأوروبية فحسب, بل ومارسها العديد من الحكام في مختلف بقاع العالم, ومنهم الحكام في دولة فارس والدولة العثمانية وكذلك قبل ذاك الحكام العرب في الدولة الأموية والدولة العباسية إزاء الشعوب والقوام والأديان والطوائف الأخرى. وفي المرحلة الجديدة من تاريخ الأقطار العربية نجد هذه الظاهرة بصيغ شتى في سياسات العديد من حكام البلدان العربية. وأبرز نموذج لها سياسات الحكم القائم في العراق.

ب. الذهنية العنصرية وممارسات التمييز والتطهير العنصري في عهد حكم البعث وصدام حسين
تتطلب معالجة هذا الموضوع التعرف على المراحل التي مر بها تطور ذهنية وسياسات وممارسات حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق منذ تأسيسه حتى الوقت الحاضر. وسنعالج هذه النقطة بكثافة شديدة في ما يخص العراق وحده والجناح العفلقي-ألصدامي في حزب البعث العربي الاشتراكي فقط. وعليه يمكن تقسيم فترة النصف قرن المنصرمة منذ نشوئه في العراق إلى خمسة مراحل, وهي:
1. المرحلة الأولى: فترة التأسيس 1951/1952 - 1958؛
2. المرحلة الثانية: فترة التميز والتهيؤ والانقضاض على السلطة 1959-1968؛
3. المرحلة الثالثة: فترة تكريس النظام ورسم السيات الاستراتيجية والتكتيكية 1968-1974/1975؛
4. المرحلة الرابعة: مرحلة البدء بالتهيئة الفعلية لتنفيذ السياسات الاستراتيجية 1975-1979؛
5. المرحلة الخامسة: مرحلة الهجوم التوسعي وممارسة فعالة للسياسات العنصرية على الصعيد الداخلي, والسياسة التوسعية والعدوانية وشن الحروب على الصعيد الإقليمي ابتداءً من 1979 حتى الوقت الحاضر, وستستمر هذه السياسات ما دام النظام الراهن قائماً في العراق.

المرحلة الأولى: : فترة التأسيس 1951/1952 - 1958
تبلورت الأفكار القومية في الصراع ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي في المشرق العربي, في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين, وتنامت في الأربعينات وفي ظل الاحتلال والصراع من أجل انتزاع الاستقلال والسيادة الوطنية, وكذلك حول القضية الفلسطينية ووعد بلفور بإقامة دولة عبرية على أرض فلسطين في عام 1917. وفي هذه الفترة برزت مجموعات فكرية وسياسية قومية في مواقع عديدة في بعض الأقطار العربية وبشكل خاص في سوريا ولبنان والعراق. وكانت الجامعة الأمريكية في بيروت إحدى تلك المواقع حيث كان الطلاب العرب من مختلف الأقطار العربية يلتقون للدراسة فيها. وفي داخل الأحزاب والقوى القومية تبلور تدريجاً الاتجاه القومي البعثي وتشكل حزب البعث العربي الاشتراكي من حزب البعث ومن حزب العمل العربي في سوريا في عام 1947. ونقل الطلبة العراقيون الدارسون في لبنان وسوريا وكذلك بعض المعلمين العرب العاملين في العراق أفكار واتجاهات البعث القومية إلى العراق. حيث تشكلت كتلاً صغيرة في الكليات العراقية, ووجدت لها مواقع في داخل حزب الاستقلال. وفي نهاية عام 1951 وبداية عام 1952 تشكل حزب البعث العربي الاشتراكي لأول مرة في العراق, باعتباره فرعاً قطرياً آخر للحزب القائم في سوريا. واعتمد الحزب الجديد في تكوينه على عناصر منحدرة من أصول برجوازية صغيرة وبرجوازية بيروقراطية ومن أبناء ذوي المهن الحرة كالمحامين والأطباء والقوات المسلحة. ولم يكن يخلو الحزب من بعض أبناء شيوخ العشائر وكبار الملاكين, إضافة إلى احتوائه على عناصر منحدرة من أصل شبه بروليتاري. وإذا كان حزب البعث عند تأسيسه الأول قومياً يمينياً بشكل عام, فأنه لم يكن في تلك الفترة حزباً طائفياً أو عشائرياً. إذ كانت في عضويته عناصر من كربلاء والنجف والحلة أو بغداد, وعناصر أخرى من لواء الدليم (الأنبار لاحقاً) وديالى مثلاً, كما برز فيما بعد في صفوفه بعض الأكراد المستعربين, الذين قطعوا صلتهم بالقومية الكُردية وتبنوا نهائياً القومية العربية, وهم قلة قليلة جداً, ومن بينهم على صالح السعدي على سبيل المثال لا الحصر. وتبنى هذا الحزب النضال الوطني والقومي, أي الكفاح ضد الهيمنة البريطانية على العراق ورفض المعاهدات الموقعة مع بريطانيا وتبنى الاتجاهات الأساسية لتي ظهرت في حركة القوميين العرب في نادي المثنى في الثلاثينات أو حزب الشعب السري الذي ترأسه مفتي الديار الفلسطينية في العراق حينذاك. ومنذ بداية تكوين هذا الحزب في سوريا أشار المؤسس الأول له إلى أن جاء تأسيس الحزب ليناهض الشيوعية والأممية في الدول العربية. وهكذا كان نهج هذا الحزب منذ البدء في العراق أيضاً. فقد كتب ميشيل عفلق يقول: "إن خلافنا مع الشيوعيين خلاف مبدأي وأساسي", ثم يواصل قوله" "إن ظهور حركتنا العربية الانقلابية بأفكارها ومبادئها وسياساتها وأسلوبها النضالي الشعبي قد جاء تعبيراً عميقاً عن انعدام مبررات الجدية الإيجابية لقيام شيوعية وحزب شيوعي في بلاد العرب … وينتج عن ذلك أننا في أساس موقفنا السياسي, لا نقبل التعايش مع الشيوعية"(11). ثم يواصل قوله في مكان آخر: "يجب أن نعتبر أنفسنا مسؤولين ليس فقط عن المستقبل القريب فحسب, بل وعن المستقبل البعيد أيضاً, وألا نسمح للشيوعية أن تصبح في يوم من الأيام منافسة جدية لحركتنا عند جمهور شعبنا"(12) . والأخطر من ذلك ما يقوله ميشيل عفلق لاحقاً, إذ ورد ما يلي: "إن مكتب البعث العربي الذي لم يفتر منذ سنين عن مكافحة الخطر الشيوعي وتحذير الشعب العربي منه بالنشرات والاجتماعات يرى من واجبه أن يهيب بعرب سوريا مرة أخرى أن ينتبهوا إلى هذا الشكل الجديد من الاستعمار فيجمعوا كلمتهم للقضاء على هذا الخطر قبل أن يفوت الوقت ويتمكن الحزب الشيوعي من تسميم الروح العربية وتقطيع أوصال الكيان العربي" (13). ويستكمل المؤسس الأول لحزب البعث هذه الفكرة في فترة لاحقة, في عام 1963 فيقول: إن الأحزاب الشيوعية ستمنع وتقمع بأقصى ما يكون من الشدة في كل بلد عربي يصل إليه حزب البعث إلى الحكم" (14). وتبدو لي في هذا المقتطفات ثلاث مسائل جوهرية تحتاج إلى إمعان النظر في مضمونها واتجاهات تأثيرها والقوى التي تخاطبها على الصعيد الدولي, وهي: أ) نشأت الحركة البعثية في الوطن العربي لتقاوم أساساً الشيوعية فيه؛ 2) وترى الحركة بأن هناك خطراً شيوعياً يهدد الروح العربية والتراث والتقاليد العربية؛ 3) وأن السوفييت يشكلون خطراً استعمارياً جديداً على العالم العربي, وأن الحركة تلتزم أمام "الغرب الروحي" على مقاومة الشيوعية حتى النهاية حيثما وصلت إلى الحكم في الأقطار العربية. وهذه النقاط الملموسة التي نجدها مركزة في النصوص السابقة هي التي تسمح بالتفكير المباشر عن طبيعة العلاقة القائمة بين الانقلابات الناجحة التي قام بها البعث العفلقي في بعض الأقطار العربية وبين هذا الالتزام المباشر على مكافحة الشيوعية دون هوادة باعتبارها الخطر الأساسي على الروح والتقاليد العربية, وبين واقع قدرات البعث الذاتية الضعيفة في الوصول إلى السلطة, وبين الدعم الذي تحقق لهم بفعل ذلك الالتزام للوصول إلى السلطة.
وكان هذا يعني عملياً موقفا مناهضاً من منطلقات قومية شوفينية أبتداً للقوى الشيوعية والماركسية أولاً, وللجماعات أو للقوميات غير العربية التي تطالب بحقوقها القومية المشروعة ثانياً. فالمعلومات المتوفرة لدينا من خلال منشورات البعث ذاته تؤكد إلى أن هذا الحزب يدعو بشكل صريح ومجاهر به إلى "صهر" تلك القوميات والأقليات القومية" غير العربية في "البوتقة" العربية. ويتجلى هذا الموقف في المادة الخامسة عشر من دستور حزب البعث التي تنص على ما يلي: "الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة أمة واحدة وتكافح كافة العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية"(15) . ولكن ماذا يعني ذلك, وإلى ماذا يهدف هذا النص الدستوري لحزب البعث العربي الاشتراكي؟
أنه يعني وبلا لف أو دوران, إلى ما يلي:
1. يسعى حزب البعث إلى إقامة الدولة العربية في كل "الوطن العربي", باعتبارها أرضاً عربية ويعيش عليها الناس العرب لا غير؛
2. يرفض الاعتراف بوجود قوميات أو أقليات قومية في الدول العربية كافة, وبالتالي يفرض عليها الانصهار بالقومية العربية أو الأمة العربية الواحدة من المحيط ومروراً بالنيل والفرات فشط العرب.
3. وبالتالي, ومن باب تحصيل حاصل يرفض الاعتراف بالحقوق القومية العادلة للشعوب والقوميات الأخرى, ومنهم الشعب الكُردي والأمازيغ في المغرب والجنوبيين في السودان وغيرهم في مختلف الأقطار العربية.
4. العمل على تعريب كل الناس غير الناطقين بالعربية والقاطنين في "الأرض العربية" شاء هؤلاء الناس أم أبوا.
5. وأن حزب البعث يكافح كافة العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية عند الشعوب والأقوام الأخرى, ولكنه يحافظ عملياً على عصبيته القومية والعرقية ..الخ, إزاء الآخرين.
يقول قادة حزب البعث العربي الاشتراكي في معرض تحليلهم للموقف من القوميات والأقليات القومية في العالم العربي ما يلي: "العربي هو من كانت لغته العربية, وعاش في الأرض العربية, أو تطلع للحياة فيها, وآمن بانتسابه إلى الأمة العربية. إن هذا التحديد يعني شمول الهوية العربية لكل الأفراد والمجموعات التي ينطبق عليها هذه الشروط دون اشتراط العامل العنصري, وهو يفسح المجال واسعاً لتعميق امتزاج الأقليات والأقوام الصغيرة في الأمة العربية"(16). ولكي يقطع هؤلاء القادة الشك باليقين يتحدثون عن "الأرض العربية" فيرد عندهم ما يلي: "… فالأرض التي تعيش عليها هذه القوميات كانت جزءاً من الدول العربية التي نشأت منذ ألاف السنين والتي كان أخرها الدولة العباسية الكبرى, وهذه الأرض هي في الوقت نفسه, موطن هذه الأقليات لم تأت عن طريق القهر والاستعمار والاستلاب, وإنما أتت نتيجة الواقع التاريخي الممتد عبر ألاف السنين ولم يكن حول تلك الحقبة التاريخية الطويلة أي جدال أو نزاع" (17).
ويبدو أن هؤلاء القادة نسوا المقاومة التي أبدتها شعوب هذه المنطقة للفتح العربي الإسلامي لهذه المناطق, والقتلى الذين سقطوا على سفوح جبال وسهول كُردستان على امتداد القرون السابقة حتى الوقت الحاضر, وأن مصادرة حق هؤلاء الناس لا يمكن أن يتم بمجرد تأكيد قوميين عرب متطرفين بعدم أحقية الشعوب الأخرى بأرضهم وإقامة وطن مستقل لهم أو حقهم في تقرير المصير. وينبغي أن نجد في هذا الموقف ما بنيت لاحقاً من مواقف سياسية وعسكرية ضد الشعب الكُردي مثلاً في العراق, والتي سنأتي عليها لاحقاً.
ورغم أن حزب البعث نشأ علمانياً, وأن كثرة من المسيحيين كانوا أعضاء في هذا الحزب في سوريا, وكذا البعض منهم فيما بعد في العراق, إلا أن الحزب ربط اتجاهه القومي العربي بالاتجاه الديني الإسلامي, وبالتالي أضاف إشكالية أخرى غير الاتجاه القومي والفكري المناهض للأممية والقوميات الأخرى, هي مناهضته عملياً للديانات الأخرى, وأن جاءت بصورة غير مكشوفة أو مبطنة بمواقف تدعو للحضارة الإسلامية العربية لا غير وتضع القيود والحواجز بين القومية والأديان الأخرى, وكان أكبر تتويج لهذا الاتجاه هو إعلان الحكم في العراق عن تحول ميشيل عفلق عن دينه المسيحي الذي ولد عليه إلى الدين الإسلامي بعد موته وأثناء إجراء ممارسات الدفن.
وكان حزب البعث يتبنى منذ البدء العنف في نشاطه العام المناهض للقوى الأخرى أو للسلطة السياسية التي يعارضها.
وخلال فترة التأسيس استطاع حزب البعث أن يجد قواعد له في بغداد وعدد من مدن الوسط والجنوب واستفاد من تصاعد تأثير التيار القومي بعد انتصار الناصرية في مصر وبدء معارك تأميم قناة السويس وإقامة السد العالي وما إلى ذلك من توسيع قاعدته الحزبية وتاثيره في بعض الأوساط الطلابية والشبابية, وخاصة مع وبعد انتفاضة الشعب العراقي تأييداً لمصر في عام 1956, وتوجه الحكومة العراقية إلى اعتقال بعض نشطاء الحزب وزجهم في المواقف أو الحكم على بعضهم بالسجن. وساعدت تلك الانتفاضة على إدراك واقتناع القوى السياسية العراقية بضرورة تعاونها من أجل الإطاحة بالحكم الملكي والتخلص من الحكومات التابعة في سياساتها وقراراتها للحكومة البريطانية وسفارتها في بغداد, مما خلق مناخاً مناسباً لقيام جبهة الاتحاد الوطني في عام 1957, حيث أصبح حزب البعث العربي الاشتراكي عضواً فيها إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال, إضافة إلى التعاون غير المباشر مع الحزب الديمقراطي الكُردستاني عبر علاقته بالحزب الشيوعي العراقي. وأمكن تحقيق التعاون بين حركة الضباط الأحرار وجبهة الاتحاد الوطني. ونتيجة لتلك الجهود نجحت انتفاضة الجيش بإسقاط الحكم الملكي وإقامة الجمهورية العراقية الجديدة وتشكيل حكومة الثورة التي أصبح حزب البعث ممثلاً فيها أيضاً.

المرحلة الثانية: فترة التميز والتهيؤ والانقضاض على السلطة 1959-1968
ساهم حزب البعث في الحكومة الأولى التي تشكلت برئاسة اللواء الركن عبد الكريم قاسم, رئيس حركة الضباط الأحرار. ومنذ بداية الثورة ظهر الخلاف بين القوميين وبقية القوى السياسية, أي بين حزب البعث وحزب الاستقلال من جهة, والشيوعيين والديمقراطيين من جهة أخرى. واتخذ مواقف واضحة في عدد من المسائل, ومنها موضوع الوحدة العربية مع مصر وسوريا أو إقامة اتحاد فيدرالي معهما. ولم يقتصر على هذه القضية, رغم أنها كانت السبب في تفكك التحالف الجبهوي الذي رافق وساند الانتفاضة العسكرية وحولها إلى ثورة شعبية, بل شمل مسائل عديدة أخرى. وبدأ حزب البعث, وبالتعاون مع بقية القوى القومية العربية في العراق وبدعم مصري وسوري واسع, إضافة إلى دعم خارجي, بسبب مواقف عبد الكريم قاسم من شركات النفط الأجنبية واستعادته لحقوق العراق في الأراضي التي وضعت تحت تصرفها للتنقيب فيها عن النفط وجمدت عملياً تلك العمليات, إلى العمل المشترك من أجل إشاعة الفوضى في البلاد وتنظيم الإضرابات وعمليات الاغتيال لأعضاء من الحزب الشيوعي العراقي أو من مؤيدي سياسة عبد الكريم قاسم, ثم محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم ذاته في عام 1959, التي شارك فيها صدام حسين أيضاً, وأخيراً محاولات الانقلاب على قاسم. ووقف الإقطاعيون الذين تضررت مصالح بقانون الإصلاح الزراعي, والكومبرادور التجاري وقوى التعاون مع الغرب تحديداً, بسبب انفتاح عبد الكريم قاسم على الاتحاد السوفييتي وبقية بلدان المنظومة الاشتراكية إلى جانب تلك المؤامرات ومولوها بالمال والأفراد والسلاح. وزاد في الطين بلة سياسات عبد الكريم قاسم الاستبدادية وفرديته في اتخاذ القرارات, وكذلك سياسة الحزب الشيوعي التي تميزت بالعنف أيضاً في موجهة القوميين وغيرهم وفي طرح شعارات لم تكن ضرورية, بما فيها الحزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيمي. ثم جاء الطلاق بين عبد الكريم والحزب الديمقراطي الكُردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني والحرب في كُردستان, الذي ساند القوى القومية في نشاطها ضد عبد الكُريم قاسم, مما عجل بنجاح المؤامرات وسقوط حكومة عبد الكريم تحت ضربات القوى القومية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وبالتعاون الوثيق مع الضباط القوميين وعلى رأسهم عبد السلام عارف. وصل البعث, ومعه القوى القومية الأخرى, إلى السلطة ولكنه حصل على المركز الأول في السلطة والتمثيل في مجلس قيادة الثورة. وتميزت سياسته بإجراءات عمقت الاتجاهات اليمينية والشوفينية والعنفية التي أشرنا إليها سابقاً في فكر وممارسات البعث, إذ عمل حزب البعث على:
• إقامة نظام حكم الحزب الواحد في البلاد, حزب البعث العربي الاشتراكي, رغم وجود قوميين في مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء, إذ بدأ البعثيون يخططون لإزاحتهم تماماً واحتكار الحكم لهم.
تنظيم المجزرة البشعة ضد أبرز قادة الحكم في العراق, ومنهم عبد الكريم قاسم وفاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وجلال ألأوقاتي وماجد مصطفى وغيرهم, ثم أنزل الضربات الدامية بالحزب الشيوعي العراقي وبقادته سلام عادل وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وبمئات آخرين من قياديي وكوادر وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي, كما زج بالألوف منهم في السجون والمعتقلات ومارس أبشع أشكال التعذيب بحق المعتقلين. ومارس نفس أساليب التعذيب الوحشي بحق عدد كبير من أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي والمستقلين من السياسيين وأعضاء حركة أنصار السلام والشبيبة وأفراد المقاومة الشعبية واتحاد الطلبة العام. وتمت في هذه الفترة مأساة قطار الموت الذي ضم عددا كبيراً بلغ 450 ضابطاً شيوعياً وديمقراطياً ومستقلاً غادر بغداد قاصداً سجن نقرة السلمان في جنوب العراق, في شهر تموز/يوليو شديد الحرارة, تم فيه إغلاق أبواب عربات الشحن المليئة بهؤلاء الضباط بشكل محكم, ولم يزود المعتقلون بالماء والغذاء, إذ تكدس هذا العدد الكبير في عدد قليل من عربات شحن البضائع أدت إلى صعوبة التنفس ووقع حالات شبه اختناق, مما أدى إلى مآسي كبيرة بما فيها وفاة أحد الضباط (18).
• ولم تستمر الهدنة مع الحركة الكُردية, إذ سرعان ما بدأ التحالف البعثي - القومي بممارسة سياسته العدوانية ضد الشعب الكُردي والإرهاب والحرب ضده أبتدءاً من العاشر من حزيران/يونيو 1963؛
• وخلال تلك الفترة الوجيزة التي بقي البعث فيها على رأس السلطة, حاول تكريس السياسات التربوية بالاتجاهات اليمينية والشوفينية وفرض الاستبداد والهيمنة الكاملة على الدولة والمجتمع والمنظمات المهنية وبث الرعب في صفوف الجماهير من خلال أوامر بالقتل بصورة مباشرة, كما في بيان الحاكم العسكري رقم 13 لعام 1963 الخاص بقتل الشيوعيين دون محاكمة؛
• واتخذ البعث إجراءات رجعية في مجال الأحوال المدنية, إذ ألغي القانون التقدمي الذي وضعته حكومة عبد الكريم قاسم, الذي تضمن بعض المواد التي تنصف المرأة وتسعى إلى تحريرها النسبي ومساواتها بالرجل كمنع الزواج المتعدد النساء والمساواة في توزيع الإرث بين الإناث والذكور من الورثة؛
• وبرز لأول مرة بشكل حاد مظهر الانقسام في صفوف البعثيين على أساس طائفي, أي بين الشيعة والسنة (19), رغم أن بوادر ذلك برزت في فترة حكم قاسم وبصدد الموقف من جملة من الممارسات التي نظمها البعث في العرق حينذاك. وكما تشير دراسة الأستاذ حنا بطاطو , فأن المجلس الوطني لقيادة الثورة قد ضم في عضويته 5 من العرب الشيعة و12 من العرب السنة وكُردياً واحداً مستعرباً هو على صالح السعدي, أي بنسب 27,5 %, و66,7 % و5,5 % على التوالي.
• ولم يكن هذا الشكل الوحيد من مظاهر التخلف والارتداد عن ما حققته ثورة 14 تموز/يوليو عام 1958, الذي برز في سياسة البعث الجديدة, ونعني بها محاولة الاعتماد على العشائرية في العلاقات الحزبية والسياسية, كما صدرت قرارات عطلت عملياً تنفيذ الإصلاح الزراعي لصالح الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية.
• كانت التجربة الأولى لحزب البعث في السلطة تشير إلى تعمق اتجاهاته اليمينية المتطرفة في الحكم, سواء بممارسة العنف والقوة ضد المخالفين له بالرأي أو ممارسة السياسات الشوفينية ضد القوميات والأقليات القومية الأخرى, إذ عانى الأكراد الفيلية لا من الاعتقال والتعذيب والسجن والقتل في السجون فحسب, بل وإلى المطاردة مما دفع الكثيرين منهم إلى الهرب من طغيان النظام واللجوء إلى البلدان الأخرى.
وبسبب كل ذلك حصد البعثيون كراهية الغالبية العظمى من المجتمع وهيأ الأجواء المناسبة لمحاولات انتفاضية وانقلابية ضد النظام, ومنها محاولة الانتفاضة على حكم البعث التي قام بها الشيوعي العسكري حسن سريع ومجموعته في معسكر الرشيد في الثالث من تموز/ يوليو 1963 ولتحرير 450 ضباطاً كان معتقلاً لإنقاذهم من الموت, والتي قضي عليها من قبل الحرس القومي وقوى البعث بالحديد والنار وأحكام الإعدام بحق قادة الحركة. وكان الصراع على السلطة بين أجنحة البعث من جهة, وبين البعث والقوى القومية من جهة أخرى قد اشتد وقاد إلى إضعاف مواقع البعث في الحكم لصالح الانقلابين الجدد. وأصبح الظرف مناسباً تماماً للقوى القومية الناصرية, وعلى رأسهم عبد السلام عارف وطاهر يحي وصبحي عبد الحميد وعبد الغني الراوي وغيرهم, لتوجيه الضربة لقيادة وحكم البعث والقيام بحركة انقلابية ناجحة في الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1963 وتسلم السلطة, واعتقال الكثير من البعثيين وهزيمة البعض الآخر وحل الحرس القومي الذي أرتكب وحكومة البعث والقوميين الذين شاركوهم في انقلاب شباط الكثير من الجرائم بحق الشعب العراقي حينذاك. وبدأ القوميون اليمينيون المتطرفون من أمثال عبد السلام محمد عارف وعبد الغني الراوي وغيرهما, يبدون وكأنهم من الأبطال المنقذين للشعب العراقي من دنس وجرائم البعث, في حين كانوا شركاؤهم في كل شيء, ولكن الصراع على السلطة والموقف من عبد الناصر هو الذي أدى إلى انقسامهم وإلى قفزهم السهل على السلطة.
وخلال الفترة الواقعة بين 1963 و1968 بدأ البعث المطرود من الحكم يعمل على إعادة تنظيم صفوفه وحشد قواه في الجيش ومناصريه في القصر الجمهوري للانقضاض على الحكم ثانية. وتمكن فعلاً من تحقيق هذه القفزة في السابع عشر من تموز عام 1968, خاصة وأن الحكم العارفي, أي حكم الأخوين العارفين عبد السلام وعبد الرحمن, لم يستطيعا العمل باتجاه يسهم في تحقيق الديمقراطية في البلاد, بل مارسا السياسات الفردية الاستبدادية وسكتا عن الفساد الحكومي الذي ساد البلاد والهيمنة على موارد البلاد ونهب قطاع الدولة من الباطن وعنجهية عالية واستمرا على التوالي في السكوت على إرهاب نظام الحكم ضد قوى المعارضة, رغم تخفيفه النسبي بالقياس إلى فترة حكم البعث الأولى. كما عاد القوميون إلى شن الحرب ضد الشعب الكُردي ومارسوا أساليب التهجير ذاتها, مما خلق التربة المناسبة لإسقاط حكم القوميين العرب في العراق, ومجيء البعث ثانية إلى السلطة.

المرحلة الثالثة: فترة تكريس النظام ورسم السياسات الاستراتيجية والتكتيكية 1968-1974
لست معنياً باستعراض ما قام به البعثيون في هذه الفترة في مختلف المجالات, إذ تطرقنا إلى بعضها في مواقع أخرى من هذا الكتاب, بل يهمني بالأساس أن أشير إلى الاتجاهات الجديدة في فكر وممارسة البعث للسلطة والسعي للانفراد بها, رغم التحالفات المؤقتة والتكتيكية لتي حصلت خلالها الفترة الجديدة من حكم البعث. فقد وصل البعث إلى الحكم مرة أخرى في السابع عشر من تموز/يوليو عام 1968 وأعلن عن برنامجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ولم يكن في الجوهر يختلف في اتجاهاته الأساسية عن نهج ونشاط البعث العام. ولكن تميز بالوقائع التالية:
• التخلص بالتآمر من حليفه القومي الجديد الذي شاركه الانقلاب على الحكم العارفي من داخل القصر والمخابرات العسكرية, باعتبارهم عملاء لأمريكا وبريطانيا, في وقت كانوا حلفاء لهم أيضاً؛
• توجيه ضربة انتقامية للقوميين العرب وبشكل شديد الشراسة, فمن تنفيذ أحكام بالإعدام إلى سجن وتعذيب جسدي ونفسي وإهانات لكرامة الإنسان يصعب تصورها, ولكنها لم تكن في كل الأحوال بمستوى ما نفذه البعثيون والقوميون بصورة مشتركة بحق الشيوعيين والديمقراطيين في أعقاب انقلاب شباط/فبراير عام 1963. كما وجهت الضربة لتنظيمات البعث اليسار الذي انشق على حزب البعث العربي الاشتراكي في الفترة التي أعقبت سقوط حكم البعث, وزج بالعديد منهم في المعتقلات والسجون وعرضوا للتعذيب كرفاقهم القوميين أيضاً (20)؛
• جرى السكوت في الفترة الأولى عن الشيوعيين, ولكنهم سرعان ما أنزلوا ضربة قاسية في عام 1971, وعرضوا ألاف المعتقلين للتعذيب والانهيار أو الموت في بغداد بشكل خاص؛
• وواصل البعث الحاكم سياسته العسكرية ضد الشعب الكُردي, إذ استمر في قيادة المعارك ضد قوات الحزب الديمقراطي الكُردستاني محاولاً الاستفادة من الانشقاق في صفوف هذا الحزب لصالحه والتي فشل فيها إلى حدود كبيرة؛
• وفي الوقت نفسه سعى الحكم إلى إعطاء بعض المكاسب للجماهير من أجل كسر طوق العزلة عنه وكره الناس له وانعدام الثقة به وبقيادته وإضعاف مقاومة الشيوعيين للتعاون معه, حيث بدأ بعد ضربه للحزب الشيوعي, التوجه لحل المشكلة الكُردية بطريقة تكتيكية جديدة حيث تم التوقيع على اتفاقية الحكم الذاتي لكُردستان العراق في آذار من عام 1970. وضمن هذا السياق والأسلوب الانتهازي برز توجهه لإقامة العلاقات الطيبة مع الاتحاد السوفييتي, إضافة إلى الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية وإقامة العلاقات الاقتصادية الواسعة معها, ثم قام بإجراء تأميم مصالح شركات النفط في العراق ووضعها تحت تصرف شركة النفط الوطنية؛
• واستطاع أخيراً, وبدعم من جانب الاتحاد السوفييتي, إلى إقامة التحالف مع الشيوعيين لتوجيه الضربة لقوى حركة التحرر الكُردية والحركة المسلحة التي بدأ بها الملا مصطفى البارزاني في عام 974؛
• وكان حزب البعث يسعى في هذه الفترة إلى تعزيز وتكريس مواقعه في السلطة وفي المجتمع, وتأمين لمرحلة الانفراد الكامل بالسلطة. وكانت تحالفاته الوقتية معبرة عن موقف مبدأي لحزب البعث وقائد مسيرته الأولى, ميشيل عفلق, حين كتب في مقالته المعنونة "موقفنا من الشيوعية"ما يلي: "… فمجرد اشتراكنا في جبهة مع الشيوعيين هو توجيه ضمني من قبلنا للشعب لكي يتشكك في عقيدتنا وفي كونها الحل الوحيد الملائم لحاجاته. ونحن لا يضيرنا أن نتخوف من إتاحة الفرصة للشيوعية كي تكسب عطف الشعب وثقته على حسابنا.. ولا بد من الإشارة هنا صراحة إلى إن الرأي الذي يشجعه بعض الأنصار وبعض الأصدقاء من القناعة باكتمال الشروط والظروف اللازمة لدخولنا مع الشيوعية في جبهة وفي عمل مشترك إنما مصدره تشوش في فهم قضايانا وشعورنا بالنقص أمام النشاط الشيوعي في العالم"(21) .

المرحلة الرابعة: البدء بالتهيئة الفعلية لتنفيذ سياسات البعث الإستراتيجية حتى عام 1979
بدأت المرحلة الجديدة بالمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث الذي اتخذ قرارته على مستويين:
أ. المستوى العلني حيث أكد تصورات البعث حول دور الحزب القائد والرائد في الدولة والمجتمع, وعن وجهة الحزب في تحقيق التنمية الانفجارية في العراق وعن النموذج الاقتصادي الذي يسعى إلى إقامته ليكون جاذباً لأنظار الشعوب العربية وتأييدها ..الخ؛
ب. المستوى السري لمجموعة من القرارات التي لم يعلن عنها, رغم خروج بعض المعلومات عن وجهتها, وربما سربها البعث ذاته لتأكيد وجهته وتهيئة الأذهان للتغييرات التي يريد فرضها على المجتمع. وكانت الوجهة تتلخص في سعي البعث لمعالجة تدريجية خلال عدة سنوات لخمس عقد أساسية هي:
1. تصفية المسألة الكُردية وإنهاء الحركة المسلحة في كُردستان العراق؛
2. التخلص تدريجاً من التحالف القائم مع الحزب الشيوعي العراقي, باعتباره عبئاً ثقيلاً على حزب البعث لتحقيق مهماته وطموحاته الاستراتيجية, كما أنه مناهض لفكر البعث في التحالفات السياسية لا مع الحزب الشيوعي فحسب, بل ومع أي قوة سياسية, إذ أن الحزب يسعى إلى السلطة كاملة غير منقوصة. وقد بدأ هذا الحزب في أعقاب انعقاد مؤتمر الحزب الثاني في صيف عام 1976 بقليل بحملة هستيرية متدرجة ومتصاعدة بدءاً بالمحافظات البعيدة والأطراف والريف واقتراباً من المركز في بغداد شملت عشرات الألوف من أصدقاء ومؤيدي وأعضاء وكوادر الحزب الوسطية والمتقدمة, ثم تنفيذ حملة إعدامات بعدد من العسكريين من شيوعيين وغير شيوعيين إلى أن أوصل العلاقة مع الحزب إلى القطيعة الفعلية بعد انسحاب وزيرين شيوعيين من الحكومة واعتبار التحالف جزءاً منن الماضي, انتهى وإلى الأبد مع حزب البعث. وكانت الجريمة بشعة ومريرة وأدت إلى نزوح عدد كبير من الشيوعيين والديمقراطيين والمستقلين ومؤيدي الحزب الشيوعي إلى الخارج أو إلى كُردستان أو بقاء أعداد أخرى في السجون والمعتقلات أو ماتوا تحت التعذيب؛
3. تعزيز قدرات الدولة العراقية البعثية والتوجه صوب عسكرة الاقتصاد والمجتمع وتحديث تسليح وتوسيع عدد أفراد وقدرات الجيش العراق وأجهزة المخابرات والأمن الداخلي والقومي؛
4. تعزيز دور قيادة البعث في السلطة ودور مجلس قيادة الثورة والانفراد الكامل بالسلطة والبدء برسم وتنفيذ الأهداف التوسعية لحزب البعث على النطاقين العربي والإقليمي؛
5. توسيع علاقات التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري مع العالمين الرأسمالي والاشتراكي لضمان الحصول على أقصى ما يمكن به تعزيز الدولة البعثية ودور حزب البعث ومحاولة الاستفادة من ذلك لصالح سياسات البعث الداخلية والعربية والدولية. ووضعت لهذا الغرض ما سميت بالتنمية الانفجارية التي رغبت من خلالها الوصول إلى المستثمرين الأجانب وتعزيز علاقات البعث بهم لضمان تأييدهم لها في تحقيق تلك الأهداف.
وتركز عمل قيادة حزب البعث في هذه الفترة على اتجاهات أساسية أخرى انطلت بهذا القدر أو ذاك على الشيوعيين, وربما على قوى أخرى أيضاً. وابتداءً من المرحلة الجديدة, أي مع الحصول على موارد النفط الخام وإنزال ضربة شديدة وقاسية بحركة التحرر الكُردية, بدأت قيادة البعث الحزبية برئاسة صدام حسين, بالتخطيط والتنفيذ لاتجاهاتها الفكرية والسياسية الجديدة التي كانت في أجندتها حتى قبل وصولها إلى السلطة, وهي:
• مواصلة العمل لتحقيق ما أطلق عليه في مجلة الحزب الداخلية "الثورة العربية" والتي تتلخص بما يلي: تكوين الدولة البعثية القوية ذات الشروط التالية: دولة قوية بقيادة حزب قائد يمتلك أيديولوجية رائدة وقائدة ووحيدة وينفرد بالسلطة؛ ويمتلك القائد التاريخي, قائد الضرورة التاريخية, وجيش موحد ومسلح أحسن تسليح ومهيأ لتنفيذ المهمات. وبهذا الصدد كتبت الجريدة المذكورة ما يلي:
"لقد حدد الرفيق صدام حسين عناصر قوة الدولة والأمة, حين قال "منذ مئات السنين أيها الأخوة حرم العراق وحرمت الأمة العربية من بعده, الأمة العربية بكاملها أن تتحد الثروة والقيادة المخلصة والمقتدرة والعقيدة الحية, فجاء الوقت بعد مئات السنين لكي تكون لكم عقيدتكم المشرفة وأن يكون لكم حزبكم العظيم وعقيدته قيادة منكم وأن تكون لكم قيادة منكم عراقية وعربية صميمية, هذه هي أيها الأخوة العراقيون في كل مكان بهذه الكلمات الثلاثة الموجزة, العقيدة الحية الصميمية, تنظيم قوي وقيادة مخلصة من ذات البلد, وثروة حقيقية" (22).
• وجه البعث في هذه الفترة والفترة التي تلتها مبالغ مالية طائلة جداً لتحقيق ما يلي: أ) ضمان التسلح الواسع وإقامة ترسانة ضخمة من أحدث الأسلحة التي يمكن الحصول عليها من مختلف بلدان العالم, وتجهيز الجيش بأحدث التقنيات العسكرية وتأسيس كلية البكر للدراسات العسكرية؛ ب) التوسع في إقامة مصانع حديثة ومتقدمة لإنتاج السلاح والعتاد في العراق وبالتعاون مع الدول الاشتراكية والرأسمالية, وكذلك مع بعض دول العربية وبلدان العالم الثالث,أي تلك التي تقف على عتبة التحول, ومنها بعض دول أمريكا اللاتينية والدول الأوروبية, إضافة إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية؛ ج) البدء بالتفكير بإنتاج أسلحة الدمار الشامل وخاصة القنبلة الذرية, إضافة إلى الأسلحة الكيماوية والبايولوجية وتخصيص مبالغ لا حدود لها لهذا الغرض؛ د) إقامة معاهد ومختبرات خاصة للبحوث والدراسات في مجال التقنيات العسكرية وفنون الحروب الحديثة؛ ه) توسيع الجيش والجيش الشعبي وإقامة التدريبات العسكرية للضباط وضباط الصف في الداخل والخارج, وإرسال البعثات العسكرية التدريبية والدراسية إلى مختلف بلدان العالم الرأسمالي والبلدان الاشتراكية. ويمكن للجدول التالي أن يوضح المبالغ المالية الهائلة التي وجهت لأغراض التسلح في العراق خلال الفترة الواقعة بين 1967-1990.
 

 السنة

المصروفات

مليون دولار أمريكي

1996 = 100

 1976

2584

 100,0

 1977

2700

 104,5

 1978

2556

 98,9

 1979

3235

 125,2

 1980

3353

 129,8

 1981

14007

 542,1

 1982

21952

 849,5

 1983

28596

 1106,6

 1984

31590

 1222,5

 1985

23506

 909,7

 1986

16531

 639,7

 1987

17073

 660,7

 1988

12868

 498,0

 1989

10720

 414,9

 1990

 9268

358,7

 الإجمالي *

200539

-

المتوسط السنوي

13369

 -

المصدر: التقارير السنوية معهد ستوكهولم لبحوث السلام للفترة 1981-1991 *) يضاف إلى هذا المبلغ 50 مليار دولارا أمريكياً وجه لأغراض استيراد وإنتاج أسلحة الدمار الشامل في العراق حسب إحصائيات سبري.
SIPRI: Yearbook 1997. Armaments, Disarmament and International Security.
Stockholm International Peace Research Institute. Oxford University. Sweden.

وتشير دراسات معهد ستوكهولم لدراسات السلام والتسلح ونزع السلاح في العالم إلى أن العراق قد صرف مبلغا قدره 50 مليار دولار أمريكي لإغراض إنتاج الأسلحة الكيميائية والجرثومية والأسلحة النووية. فإذا أضيف هذا الرقم إلى الرقم الأول الخاص بإجمالي مصروفات العراق العسكرية فسيرتفع المبلغ إلى 250.6 مليار دولار تقريبا. وشكل هذا المبلغ ما يقرب من 39,2 % من الناتج المحلي الإجمالي للعراق خلال الفترة 1976-1990 حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي لهذه السنوات مجتمعة حوالي 640.1 مليار دولار أمريكي وفق الأسعار الجارية (23). وهذا يعني أن متوسط الصرف السنوي بلغ 16.9 مليار دولار سنويا من متوسط سنوي للناتج المحلي الإجمالي لذات الفترة مقداره 42,7 مليار دولار تقريبا بالأسعار الجارية, أو ما يعادل 39,6% تقريبا. ويستطيع المرء أن يقدر مدى التطور الذي كان في مقدور العراق تحقيقه لو وجه النظام تلك المبالغ الكبيرة لصالح التنمية الاقتصادية والبشرية, ومدى نمو الثروة الوطنية بدلا من حصول ذلك الدمار الهائل الذي يعاني منه العراق بسبب تلك السياسات العدوانية المعادية للشعب ومصالحه الأساسية التي مارستها السلطة في العراق, إضافة إلى الديون الثقيلة التي تراكمت بذمة البلاد والتعويضات التي يراد استقطاعها من موارده السنوية والتي يمكن ان تستنزف جزءا مهما من احتياطي النفط العراقي والتي قدرها البعض بحدود 40 % ولسنوات طويلة (24). وكانت تلك السياسة عدوانية وتوسعية موجهة ضد الشعوب المجاورة ومصالح شعوب المنطقة بأسرها. وجدير بالإشارة إلى أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأسبانيا ويوغسلافيا وغيرها من الدول الأوربية, إضافة إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية, قد جنت كلها أرباحا قصوى من عقد وتنفيذ صفقات السلاح ومن اتجاهات التنمية الاقتصادية في العراق ومن سياساته العدوانية في المنطقة.
• إجراء تغيير في قيادة البعث لصالح صدام حسين, خاصة بعد أن نفذ ب 23 قيادياً من القيادة القطرية لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء والكوادر المتقدمة الإعدام الجماعي بمشاركة أعضاء وكوادر الحزب في تنفيذ هذه الجريمة البشعة باعتبار أن هؤلاء كانوا يريدون السيطرة على السلطة لصالح أحمد حسن البكر. وبعد الانتهاء من المجزرة في عام 1979, قرر التخلص من أحمد حسن البكر الذي تنازل إلى "بطل الأمة" صدام حسين, ثم قضى نحبه مسموماً, كما يشاع في بغداد. وبالتالي, خلا الجو لصدام حسين في أن يبدأ المرحلة الجديدة بالهيمنة الكاملة على السلطة السياسية وعلى قيادة الحزب ومجلس قيادة الثورة دون منازع.

المرحلة الخامسة: الهجوم التوسعي وممارسة فعالة للسياسات العنصرية والعدوانية التوسعية وشن الحرب ابتداءً من عام 1979 حتى الوقت الحاضر
تمكن صدام حسين في عام 1979 أن ينتهي من عدد من المعوقات في طريق فرض دكتاتوريته الفردية المطلقة على البلاد وفرض نظامه الشمولي على المجتمع. ومن أبرز تلك المسائل نشير إلى ما يلي:
1. التخلص من التحالف البعثي - الشيوعي لصالح إنفراد حزب البعث بالسلطة؛
2. التخلص من المنافسين له في حزب البعث أو الذين برزت على تصرفاتهم عدم الارتياح من صدام حسين, وبالتالي تركيع وإخافة بقية القيادة بحيث تحول أغلبهم إلى جرذان مفزوعة من القط الذي يترقب أي تصرف منهم ليقودهم إلى المقصلة, إلى وجبة شهية للقائد؛
3. التخلص من دور حزب البعث ودمج صورة صدام حسين مع الحزب البعث, بحيث أصبح أحدهما الآخر, ثم غاب الثاني ليبقى صدام حسين وحده في الساحة السياسية, إذ لم تعد هناك حاجة أو ضرورة للحزب, إلا بقدر ما تريده منه أوامر القائد المتفرد والضرورة ليقوم بتنفيذها صاغراً, وبعدها أصبح صدام حسين رئيسا لمجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء, وأمين عام القيادتين القومية والقطرية, والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس التخطيط …الخ, وأمسك بيديه منفرداً كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, إضافة إلى سلطتي المال والإعلام؛
4. التخلص قبل ذلك من قيادة الحركة الكُردية التاريخية, الملا مصطفى البارزاني, ولكنه عجز عن التخلص من الشعب الكُردي, وبالتالي من حركة التحرر الكُردية, إذ بدأت بعد فترة وجيزة تماماً من توجيه الضربة في عام 1975, إلى إعادة تنظيم الصفوف بتياراتها المختلفة ابتداءً من عام 1976 والعودة إلى المقاومة المسلحة في كُردستان العراق؛
5. في 22 أيلول/سبتمبر من عام 1980 أعلن مجلس قيادة الثورة في العراق الحرب على إيران, وهي الحرب التي دامت ما يقرب من 8 سنوات عجاف مليئة بالدم والدموع والخسائر الفادحة بشرياً ومادياً وحضارياً. واستثمر صدام حسين حالة الحرب ليستكمل بناء دولته الإرهابية والقمعية في العراق مع سكوت مطبق من العالم كله دون استثناء.
6. وقبل الحرب وبعد بدئها مباشرة نفذ النظام عمليات تطهير عرقي بشكل واسع ومكشوف ضد ثلاث مجموعات شعبية أساسية في المجتمع العراقي, وهم أولاً) وقبل كل شيء ضد المواطنين الأكراد في كُردستان العراق, ثم ثانياً) ضد المواطنين الأكراد الفيلية في بغداد والكوت ومندلي وخانقين وغيرها من المدن التي يوجد فيها أكراد فيليون, وثالثاً) ضد المواطنين العرب في الوسط والجنوب "باعتبارهم" من الشيعة ذي الأصل الفارسي, والذين "يؤيدون" الجمهورية الإسلامية التي نشأت على أنقاض الدولة الشاهنشاهية الإيرانية في عام 1979. وعمد النظام إلى تنفيذ عملية تهجير واسعة لسنوات عدة لأكراد كُردستان العراق إلى مناطق الوسط والجنوب. فعلى سبيل المثال لا الحصر أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً يقضي بتشكيل لجنة تنفيذية في 20/10/1981 للإشراف على بناء المجمعات والوحدات السكنية في المحافظات الوسطى والجنوبية (بغداد - ديالي - صلاح الدين التي سيعين فيها "العاطلون من منطقة الحكم الذاتي. كما قرر البدء ببناء 20 ألف وحدة سكنية في المحافظات التالية لنقل السكان الأكراد إليها, وهي القادسية, المثنى, ذي قار والأنبار. (راجع الملحق رقم ). وهذا يعني أن هذه المرحلة كانت تهدف إلى نقل ما يزيد على مئة ألف إنسان كُردي إلى مناطق الوسط والجنوب في حملة لتغيير الطبيعة الديموغرافية للمنطقة وتعريب السكان الأكراد.
7. وخلال سنوات الحرب العراقية-الإيرانية استعاد واستعان صدام حسين بالعلاقات العشائرية القديمة في العراق محاولاً إحيائها من جديد ومنحها دفعة جديدة لتناصره في صراعه الداخلي وتساعده في تجنيد السكان في حربه العدوانية وإثارة النخوة البدائية في نفوس السكان من منطلق "ناصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". ويمكن الادعاء بأن العراق اليوم يعيش حالة من التمزق العشائري والإقليمي والديني والطائفي, إضافة إلى الإشكاليات القومية التي أججها النظام بسياساته العدوانية والعنصرية ضد الشعب الكُردي والأقليات القومية والدينية. كما يبذل اليوم جهوداً غير قليلة للعب على وتر الدين والإسلام ليجد لنفسه مخرجاً من الوضع الذي زج نفسه فيه من خلال استدرار عطف وتأييد الشعوب الإسلامية التي لا تعرف تماماً أساليب الإرهاب الدموي والقمع والاستبداد والعنصرية التي يسلطها النظام على رقاب الشعب العراقي.
إن هذا الاستعراض المكثف لجوانب أساسية من ذهنية وسياسات البعث الحاكم في العراق تسمح لنا بالانتقال إلى متابعة الممارسات الفعلية للنظام لنرى كيف تتناغم تلك السياسات والممارسات مع طبيعة وذهنية القوى العنصرية.

ج. العنصرية في التعامل اليومي مع الأحداث
إن المراحل التي مرّ بها نظام صدام حسين في العراق منذ أكثر من ثلاثة عقود يشير بشكل واضح إلى أن هذا النظام مارس الإرهاب والقمع والاضطهاد والقتل الجماعي لا للوصول إلى السلطة والهيمنة عليها بشكل مطلق واستبدادي شمولي فحسب, بل ومن أجل تنفيذ مخطط واضح المعالم, مخطط يهدف إلى التخلص من مقاومة الشعب الكُردي ومن نضاله ومن القوى الديمقراطية العراقية من جهة, وممارسة سياسة العدوان نحو الداخل والعدوان والتوسع صوب المنطقة وتكريس نظام التمييز العنصري والفكري والسياسي في البلاد من جهة ثانية. ويمكن الاستدلال على ذلك لا من خلال الأقوال فحسب, بل بالأساس من خلال الأفعال. ففي البيان الصادر عن مجلس قيادة الثورة بإعلان الحرب على إيران في عام 1980 جاء فيه: " كنا نعتقد أن الزمرة الحاكمة في إيران ستستفيد من الدروس الماضية بعد أن حررت قواتنا المسلحة الباسلة أرضنا البرية المغتصبة على الحدود الشرقية وبعد أن عادت السيادة الوطنية على شط العرب. ولكن أحفاد المجوس الموغلين بحقدهم على العراق والأمة العربية والضالعين في المخططات المشبوهة استمروا في غيهم وفي عملياتهم العسكرية الطائشة …"(25) . ثم يخاطب قوات الجيش العراقي المقاتلة على جبهات الحرب بقوله:
"أيها المقاتلون .. هذا يوم جهادكم وعزكم .. فاضربوا بكل اقتدار .. ويقيناً أنكم سيف الله في الأرض. وأن الرقاب التي تضربونها هي رقاب المجوس المعتدين أعوان المهووس الخميني" (26).
ألا يسمع المرء عبر هذه الكلمات السادية صليل السيوف, ألا يرى أسنة الرماح العوالي, ألا تتراءى له الرؤوس وهي تتدحرج على أرض المعركة والأجساد تتكوم فوق بعضها لتقيم تلالا والدماء لتسيل مدرارا؟ فالضاربون هم جند الله, هم أتباع وكيل الله على الأرض, إنهم العرب الميامين ... إنهم الجند الذين يدافعون عن الله وقضيته العادلة في الأرضّ وعن أرض العروبة! هكذا إذن... ولهذا فهم مقتدرون لأنهم يمتشقون سيوفهم بوجه الفرس المجوس ... بوجه الكافرين أعداء الله والإسلام... بوجه الشعوبيين أعداء الأمة العربية!! هكذا تحدث صدام حسين! إذ أن صدام حسين "العربي" و "المسلم" و"المؤمن" والصعلوك العنصري لا يقف مكتوف الأيدي أو يكون حياديا بين الإيمان والكفر, بين العرب والمجوس ... فهو العربي الأصيل, أبن "خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكرّ!", وهو المقتدر والمنتصر بالله, ولهذا قرر ألا يسكت عن الكفرة المجوس, قرر تأديبهم على كفرهم وغيهم وعدائهم للأمة العربية والإسلام! هكذا تحدث صدام حسين