|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  23 / 8 / 2017                                 د. كاظم حبيب                          كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ما الموقف المطلوب من مشكلات المناطق المتنازع عليها بالعراق؟

د. كاظم حبيب
(موقع الناس)

مارس نظام الفاشية والدكتاتورية والشوفينية بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي بالعراق وعلى رأسه الدكتاتور صدام حسين سياسات مغرقة بالعداء للشعب الكردي وحقوقه القومية، كمما مارس الاستبداد المطلق في مواجهة كل القوى والأحزاب السياسية العراقية المختلفة والمناهضة لحزب البعث وهيمنته على البلاد، إضافة إلى سياساته العدوانية نحو دول منطقة الشرق الأوسط والحروب والاجتياحات التي مارسها طوال حكم البعث بالعراق، وخاصة بعد تسلمه زمام القيادة المطلقة في العام 1979. ومن ضمن السياسات التي مارسها النظام البعثي دور نظامه وحزبه في إجراء تغييرات ديمغرافية في المناطق التي تعتبر كردستانية وفي المناطق التي تدخل ضمن مناطق المسيحيين في محافظة نينوى، وذلك بنقل سكان تلك المناطق الأصليين إلى مناطق أخرى في الوسط والجنوب، ونقل سكان عرب من مناطق سكناهم وإسكانهم في المناطق التي أزيح منها الكرد أو المسيحيين. وقد أدى ارتكاب هذه الجريمة في عرف الأمم المتحدة وحقوق الإنسان إلى الإساءة الفادحة لنسبة عالية من سكان تلك المناطق، إذ أجبروا على العيش في مخيمات، كما في حالة سكان كركوك. كما أنه أجرى تغييرات إدارية على تلك المناطق بدمج مناطق كردية بمحافظات عربية، تسبب في خلق مشكلات جديدة للدولة العراقية. وعند العودة إلى التقسيمات الإدارية للعراق في فترة الجمهورية الأولى وحتى العام ،1962 وقبل الإسقاط الهمجي لنظام الحكم الوطني على أيدي خونة العراق وشعبه في شباط 1963 واستشهاد قادة ثورة تموز وعلى رأسهم الشهيد عبد الكريم قاسم، إذ توجد تفاصيل في هذا الصدد، سيجد المتتبع حجم الكارثة التي تسبب بها نظام البعث وصدام حسين من خلال عمليات القطع والدمج الجغرافي غير المبررين اقتصادياً وسكانياً واجتماعياً وثقافياً، بل كانت قد نفذت بذهنية عنصرية عدوانية بحتة. وإذا كانت معاناة السكان الأصليين كبيرة بعد تنفيذ تلك السياسات، فإن إعادة النظر الكاملة بتلك السياسات والإجراءات بعد سقوط الدكتاتورية في العام 2003، وعلى أيدي القوات الأجنبية الأمريكية والبريطانية والتحاف الدولي خارج شرعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أصبح حاجة ملحة وضرورية لإعادة الناس إلى مناطق سكناهم واستعادة حقوقهم المشروعة، وإعادة الصفاء والوئام بين فئات المجتمع وقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه. ولن ننسى في هذا المجال ما أصاب الكرد الفيلية ببغداد وفي بقية مناطق العراق من تهجير قسري ومصادرة للأموال المنقولة وغير المنقولة وإسقاط للجنسية العراقية، أي إسقاط حقهم المشروع والمطلق في المواطنة العراقية، وكذلك ما أصيب بها عرب الوسط والجنوب والأهوال من ظلم وقهر وتهجير وتدمير للبيئة الطبيعية للعراق.

في العام 2003 أسقطت الدكتاتورية البعثية، وفي العام 2004، صدر عن مجلس إدارة الحكم المؤقت "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" الذي أوجب في المادة 58 منه مجموعة من الإجراءات التي تضع الحل السليم والسلمي الديمقراطي لأوضاع تلك المناطق التي أطلق عليها بـ"المناطق المتنازع عليها". وقد تضمنت ثلاث فقرات مهمة يمكن الاطلاع عليها في القانون المذكور. وقد تشكلت في هذه الفترة أول حكومة عراقية تحت الاحتلال الأمريكي برئاسة الدكتور أياد علاوي. لم تتخذ أية إجراءات فعلية من أجل تنفيذ نص المادة 58 من القانون المذكور. وفي العام 2005 صدر الدستور العراقي الجديد، الذي تضمن المادة 140 لمعالجة مشكلة المناطق المتنازع عليها بنص واضح ودقيق واستناداً إلى المادة 58 من القانون السابق. ويؤكد نص المادة 140 ما يلي:

الدستور العراقي لعام 2005، "المادة (140):

أولاً:
تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية بكل فقراتها.

ثانياً: المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور على ان تنجز كاملة (التطبيع، الاحصاء وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها) في مدة اقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الاول سنة الفين وسبعة".

وحددت المادة ما يقرب من ثلاث سنوات لمعالجة المشكلة وحلها نهائياً. ولكن تشكلت بين العام 2004-2016 خمس حكومات عراقية وثلاث دورات للمجلس النيابي العراق وشكلت عدة لجان خاصة لمعالجة هذا الموضوع، ولم تنته إلى ما ينبغي الوصول إليه من إجراءات فعلية كفيلة بمعالجة المشكلة في ما عدا بعض الإجراءات المهمة كعودة المهجرين إلى مناطق سكناهم، وتعويض من وافق من العرب على العودة إلى مناطق سكناه الأولى. وما حصل للكرد لم يحصل مثله للمسحيين، بل تفاقمت عملية التغيير الديمغرافي في مناطق محافظة نينوى بشكل خاص.

لقد راوغت كل الحكومات المتعاقبة وابتعدت عن حل المشكلة بأمل حصول تغيير في ميزان القوى لكي تستطيع فرض الحل الذي تراه مناسباً على الكرد، وهي تشير إلى إن الكرد يستغلون الاختلال في ميزان القوى والصراع بين السنة والشيعة العرب ليفرضوا الحل المناسب لهم في هذه المناطق. وكانت القيادات الكردية تحل على إجراء الحلول، ولكن اللجان التي شكلت كانت لقبر القضية لا لحل المشكلة. وهكذا عطل أي حل فعلي وتفاقمت المشكلة والعلاقات المتوترة بين رئاسة وحكومة الإقليم من جهة والحكومة الاتحادية بقيادة الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية التي كانت تدعي كونها حليفة ًللكرد ولقضيتهم العادلة من جهة أخرى. لا شك في ان الوقت كان في صالح الكرد، لكن لم يكن في مقدورهم فرض الحل من طرف واحد، بل الحل الذي يرضي الطرفين، والذي لم يحصل.

بعد اجتاح داعش للموصل وهيمنة وحوشهم على محافظة نينوى ومناطق من كركوك، أجبر مئات الألوف من سكان محافظة نينوى على النزوح والهجرة، بعد أن تعرضوا للسبي والاغتصاب والقتل وفرض الدين الإسلامي على جماعات منهم. وما تزال مناطق من محافظتي نينوى وكركوك تعاني الأمرين من إجرام عصابات داعش المتوحشة.

ومنذ عدة شهور بدأت معارك قاسية من جانب الجيش العراقي والمتطوعين والپيشمرگة الكردستانية تحققت فيها نجاحات مهمة على كل الجبهات. وتمكنت قوات الپيشمرگة من تحرير مناطق تابعة لمحافظة نينوى، التي تعتبر إدارياً تابعة للحكومة الاتحادية. كما تحررت محافظة صلاح الدين والأنبار وتتجه القوات العراقية لتحرير الموصل، كما تفعل ذلك قوات الپيشمرگة وفي مناطق أخرى من محافظة نينوى. والاتجاه يشير إلى قرب تحرير نينوى كلها، وخاصة الموصل من أيد العصابات المجرمة.

صدرت في الآونة الأخيرة عدة تصريحات عن قياديين مسؤولين بإقليم كردستان العراق تشير إلى أن قوات الپيشمرگة لن تنسحب من المناطق التي حررتها أو ستحررها لأنها تعتبر جزءاً من المناطق المتنازع عليها وتشكل جزءاً من إقليم كردستان وستبقى فيه.

إن هذا التصريح غير مناسب في هذه المرحلة التي يخوض الجميع النضال لتحرير كل المناطق المحتلة، إذ إنه يخلق المشكلات ويعقد النضال المشترك المطلوب حالياً، وهو بالتالي خاطئ. كما إن مثل هذا الموقف لا يؤسس لحل سلمي ديمقراطي عقلاني لكل المناطق التي تعتبر ضمن المناطق المتنازع عليها، وستخلق أرضية خصبة للصراع والنزاع المستديم، بل وإلى احتمال التصعيد من قوى بعينها من الجانبين تقود إلى إشعال حرب عراقية - عراقية غير مبررة وتقود إلى سقوط ضحايا كثيرة وخسائر فادحة لا معنى لها.

أشعر بأن الأخوة بالإقليم لم يفكروا جيداً بعواقب هذه الخطوة على صعيد المنطقة، خاصة وإن إقليم كردستان محاط بإعداء إلداء يسعون اليوم قبل غد إلى وأد الفيدرالية، وإن الفيدرالية كردستان شوكة شديدة اللم في عيونهم. واعتقد بأن حكومة وأحزاب إقليم كردستان العراق، التي تعاني من صراعات داخلية معقدة، ستكون في وضع صعب وغير مبرر وغير مطلوب في آن، وهو ما لا ارجوه لها. إذ يمكن أن تتظافر ضدها قوى المنطقة المناهضة لحق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه وللفيدرالية ولنضال الشعب الكردي بسوريا، ولما يجري من قصف ضد مناطق الإقليم من جانب إيران وتركيا، بسبب الحركات التحررية الكردستانية فيها، لتغمد الخنجر في موضع حساس وحرج من جسم كردستان، في جسم الفيدرالية. إنها مخاطر جمة ليست في صالح الإقليم ولا في صالح عرب العراق والقوميات الأخرى حالياً وفي المستقبل.

لا أشك في الخطأ الفادح الذي ارتكبته الحكومات الاتحادية المتعاقبة في محاولة الالتفاف على حل عملي وعقلاني للمناطق المتنازع عليها، ولكن ارتكاب خطأ فرض حل معين في وقت الحرب على الإرهاب، وفي ظل التعقيدات في العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، لن يساعد على تكريس حل سليم لتلك المناطق والخلافات بين الحكومتين لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل، بل سيزيد الأمر تعقيداً وخطورة.

لهذا اقترح على رئاسة وحكومة إقليم كردستان العراق أن يدرسوا الأمر بعناية مع جميع القوى والأحزاب الكردستانية، والتمعن في الأوضاع المتوترة الراهنة لا على صعيد العراق حسب، بل وعلى صعيد المنطقة بأسرها، من أجل التعرف على كل الاحتمالات قبل اتخاذ قرار من هذا النوع، ولاتخاذ القرار السليم والمناسب الذي يحافظ على العلاقة النضالية المشتركة والمديدة بين الشعبين العربي والكردي وبقية القوميات بالعراق.




 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter