| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كاظم حبيب

 

 

 

السبت 1/5/ 2010

 

هستيريا الصراع على السلطة في العراق ... إلى أين؟

كاظم حبيب

ها نحن شهود احتدام صراع هستيري على السلطة يجري في بغداد بعيداً عن مصالح الشعب ومستقبل البلاد, صراع يتخذ طابعين ملموسين لا يمكن تغطية مضمونهما السياسيين المرفوض من قبل المتنورين من بنات وأبناء الشعب, فاحد الطرفين يلجأ إلى المدن الشيعية, كربلاء مثلاً, ليحرض على الطرف الآخر بدعوى التهديد بتدمير حي الخضراء وتدويل القضية العراقية وكأنها غير مدوّلة حتى الآن, والثاني يتغطى بعباءة قومية عربية مهلهلة يختفي وراءها عرق طائفي سني أيضاً. مع أن الطرفين والشخصيتين بالذات قد وقعا على البيان الختامي الصادر عن مؤتمر صلاح الدين في العام 1992 والذي أكد رفض الطائفية السياسية وأدان النظام الدكتاتوري ألصدَّامي لممارسته لها والذي تكرر مرات ومرات في بيانات اجتماعات ومؤتمرات المعارضة العراقية قبل وصولها إلى السلطة. وقد جاء فيه ما يلي:
" وأجمعوا [أي المجتمعين في مؤتمر صلاح الدين 1992, ك. حبيب] أن لا سبيل لوضع حد للتمييز والاضطهاد الطائفي وبالتالي للقضاء على الطائفية السياسية إلا بالقضاء على النظام القائم وتصفية تركته البغيضة ومحاولاته لدق الأسافين وزرع البغضاء والكراهية بين المسلمين الشيعة وإخوانهم المسلمين السنة، الذين هم كذلك تعرضوا للقمع على أيدي النظام مثلما تعرض العديد من أعضاء الحزب الحاكم إلى البطش بسبب رفضهم للنظام ومحاولاتهم التخلص منه ، مما يثبت أن هذا النظام لا يمثل أية طائفة أو قومية أو فئة بل هو معاد للشعب كل الشعب." [راجع ملف "مؤتمرات المعارضة العراقية" إعداد السيد محمد عثمان أمين, رئيس دائرة الإنصات في الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني". ها قد زال النظام قبل سبع سنوات, وها نحن نتابع ما يجري في العراق فذات الأطراف التي تحالفت في العام 1992 وساهمت بالدعوة لإسقاط النظام هي اليوم اشد خصومة وأكثر استخداماً للطائفية السياسية وللمواقف القومية الضيقة التي لا تختلف قطعاً من حيث الخلفية الفكرية عن سابقاتها من السياسات الطائفية والقومية الشوفينية.

وجه السيد المالكي اتهاماً للقائمة العراقية ورئيسها, دون ذكر اسمه, بأنه يتجول في العالم ويدعو لتدويل القضية ويهدد بتدمير حي الخضراء ويعد لانقلاب سياسي على السلطة بتحالف إقليمي ودولي وداخلي مستخدمين الانتخابات لتحقيق هذا الهدف. يبدو لي أن السيد المالكي, كما كان من قبله الجعفري, غير قادر على تحمل التداول السلمي للسلطة ويعتبر ذلك انقلاباً على السلطة إن تقرر أن يكون غير المالكي رئيساً للوزراء. ويبدو أن الديمقراطية كأداة وليست فلسفة كما تحدث عن ذلك السيد علي الأديب, نائب رئيس حزب الدعوة الإسلامية, قد تخلى حتى عن كونها أداة أيضاً.

وفي المقابل وجه السيد علاوي همه لإثارة العالم الخارجي والأمم المتحدة للتدخل ومعالجة المشكلة الداخلية القائمة والتي يمكن معالجتها عبر الدستور والقضاء العراقي, رغم ما يبدو من تدخل فظ في شأن القضاء العراقي من جانب السياسيين. وهو بذلك يدعم تلك الدول التي لا تريد إلى الآن رفع العقوبة المفروضة على العراق ووجوده تحت البند السابع الذي يطالب العراق بحق رفع هذا القيد عنه.

حين يلقي الإنسان نظرة واقعية على نتائج الانتخابات يستطيع أن يقتنع بأن ليست هناك مؤامرة يراد منها قلب نظام الحكم أولاً, كما لا توجد حاجة بأي حال لتدخل دولي لمعالجة مشكلة الحكم في العراق ثانياً, بل العراق بحاجة إلى لقاء سياسي واسع يجمع كل الأطراف السياسية العراقية, اجتماع مجلس الأمن الوطني العراقي الذي يرأسه السيد رئيس الجمهورية العراقية وفيه ممثلون عن كل القوى السياسية العراقية تقريباً ليتدارس الأمر ويقرر من يكون رئيس الوزراء في ضوء نتائج الانتخابات والرؤية الصائبة لتفسير الموقف بشأن القائمة الفائزة أو الكتلة الانتخابية الأكبر.

إن ما يجري في العراق اليوم ليس سوى هستيريا مريرة تقود إلى مزيد من المرارة وترفع من مستوى الفراغ السياسي وتفسح في المجال لمزيد من العمل الإرهابي الذي لا يلوح أو يصل إلى هؤلاء السياسيين, بل يقتل بنات وأبناء الشعب مباشرة وبالجملة.

لا أجد أي حكمة في ما يمارسه السيد المالكي, ولا أسلوب تعامل علاوي مع الأزمة. فكلاهما متعطش للسلطة وينبغي أن يبتعدا عنها لأنهما وبالطريقة التي يتعاملان بها غير مؤهلين لأخذ السلطة بأيديهما, كما ليس في من طرح من الكتلة الصدرية من هو ملائم للسلطة. وعلى القوى والأحزاب السياسية أن تفتش عن شخصية تجمع بين الحكمة والثقافة والوعي بالمسؤولية إزاء الشعب ومصالحه ومستقبله بعيداً عن تأثيرات دول الجوار أو القوى الدولية التي يتهمها المالكي بالتدخل بالشأن العراقي وهو المتعاون مع بعضها, كما يتعاون علاوي مع بعضها الآخر.

لا أجد ما يؤيد وجود رغبة لإحداث انقلاب سياسي. والأكثرية كانت ضامنة للكتلة الشيعية الكبيرة أن تشكل الوزارة بالتعاون مع التحالف الكردستاني حتى في حالة رفض الكتلة الصدرية للمالكي, ولكن الأجواء التي خلقها المالكي لا تساعد على قبوله لرئاسة الوزارة. كما أن علاوي غير مقبول من غالبية الشعب العراقي, كما ألاحظ ذلك من نتائج الانتخابات رغم حصول قائمته على مقعد واحد أزيد. ومن هنا تأتي أهمية التحري عن شخصية وطنية قادرة على العمل بانسجام مع جميع الأطراف, شخصية محايدة ولكنها واثقة من نفسها وقادرة على جمع الكلمة لا تفتيتها ومواجهة كل قوى الإرهاب والمليشيات المسلحة, وأن بدت غير مسلحة حالياً فهي موجودة ومستعدة في كل لحظة إلى أخراج وتنظيف واستخدام سلاحها الذي لم يقصر في قتل العراقيات والعراقيين في سنوات ماضية.

أتمنى أن يقلل السياسيون العراقيون من خطبهم النارية التي ترمي المزيد من الحطب على النيران الطائفية التي أصلاً لا تزال غير خامدة, أتمنى عليهم أن يفكروا بالشعب ومصالحه لا بالكرسي الوزاري الأول. نحن أمام عملية انتخابية لها استحقاقاتها وعلينا القبول بنتائجها, رغم الاختلالات فيها والتي بدأت مع مواد القانون ذاته وتجاوزه على الشرعية الدستورية من حيث المبدأ.

ليس من مصلحة أحد أن يستمر الوضع الراهن, إذ أن لذلك تداعيات وعواقب ليست في مصلحة الشعب ولا في مصلحة جميع الأطراف السياسية العراقية. فليدعو السيد رئيس الجمهورية إلى اجتماع يضم كل القوى السياسية العراقية للتداول وإيجاد مخرج للأزمة الراهنة قبل أن تتحول إلى كارثة جديدة في العراق.
 


1/5/2010


 

free web counter