موقع الناس     http://al-nnas.com/

الفيدرالية والفتاوى الدينية!


كاظم حبيب

الجمعة 15/9/ 2006

يحتدم النقاش في العراق حالياً حول الفيدرالية, وكأن المصطلح لم يكن معروفاً في العالم ولم تمارسه الكثير من الدول وبنجاح منقطع النظير. كما أن بعضها فشل لأسباب ترتبط بشمولية النظم التي مارسته وسياساتها غير العقلانية إزاء الشعوب التي كانت تمنع عملياً عن ممارسة حقوقها الفيدرالية, كما هو حال غالبية البلدان الاشتراكية السابقة, ومنها الاتحاد السوفييتي وبلغاريا على سبيل المثال لا الحصر. ولا أنوي الخوض بتفسير للفيدرالية, فالمعاجم والكثير من الكتب العلمية والسياسية التي تبحث في النظم السياسية تعالج هذه المسألة مع أو ضد الفيدرالية, كما أنها تطرح مضمون الفيدرالية بشكل واضح ودقيق, وخاصة تلك الأبحاث التي تتطرق إلى التجارب الدولية في مجال الفيدراليات والتي ما تزال تمارس هذا النظام بنجاح.
وبالأمس (13/9/2006) نشرت وكالات الأنباء فتوى دينية أصدرها رجل دين يدعى آية الله أحمد الحسني البغدادي, القاطن في النجف, بناء على سؤال وجه له حول الفيدرالية, إذ أن السائل شمل كردستان بسؤاله, إضافة إلى ما سعى بعض قوى الائتلاف العراقي إلى إقامة فيدرالية في جنوب العراق تشمل المحافظات الشيعية التسع, هذا نصها:
"الجواب
بسمه تعالى
لا يجوز تفعيل الفيدرالية في بلاد الرافدين الاشم وتحقيقها بأي صورة من الصور بوصفها فيها مفاسد سياسية، واقتصادية، واجتماعية تخدم المشروع الاميركي – الصهيوني في المنطقة برمتها، بل يجب مقاطعة كل من يدعو لذلك والله مع المؤمنين الصابرين المجاهدين.
احمد الحسني البغدادي النجف الاشرف".
سأناقش هذا الموضوع من الناحية الشكلية أولاً ثم من ناحية المضمون. من الناحية الشكلية:
1. كل فتوى يصدرها أي رجل دين لا تمس كل المسلمين بأي حال, بل تمس تلك الجماعة التي تقلده, وهي معروفة تماماً لدى أتباع المذهب الشيعي. ويمكن أن لا يزيد عدد أفراد من يقلده عن عدد أصابع اليد أو أكثر بقليل, بسبب كثرة رجال الدين الذين أصبحوا يشكلون جيشاً جراراً في العراق.
2. عندما تصدر أي فتوى عن رجل دين يمكن أن يختلف معه بقية رجال الدين, وبالتالي فهو اجتهاد شخصي لا غير. فالفتوى لا تعتبر ملزمة بأي حال لغير من أشرنا إليهم, إذ أن باب الاجتهاد مفتوح لكل رجال الدين, بل لكل فرد الحق في أن يفتي لنفسه دون العودة لرجال الدين, أي أن يتصرف بحكم رجاحة عقله وهو لا يحتاج إلى أي وسيط بينه وبين الله. والجاهل وحده هو من يحتاج إلى من يفتيه. وقد بدا هذا واضحاً لدى عدد من المسؤولين السياسيين الذين أكثروا من زيارة رجال الدين لأخذ الفتوى أو النصيحة منهم.
3. إن من يصدر فتوى بشأن قضية معينة, يفترض فيه أن يعي بعمق وشمولية عدة مسائل جوهرية, وهي:
أ. مسؤوليته المباشرة في ما يصدره من فتاوى وتأثيرها على واقع المجتمع واحتمالات إثارة المزيد من المشكلات في البلاد.
ب. طبيعة القضية التي يراد بحثها والتعمق في فهمها من مختلف الجوانب والإطلاع على تجارب العالم بشأنها.
ج. الموقف الإسلامي الطويل الأمد بشأنها منذ العهد الأموي والعباسي والعثماني وما كان يسمى في حينها بالولايات, وهو نظام مقارب تماماً من حيث المبدأ والمضمون الفيدراليات.
ج. التجربة العراقية التي يزيد عمرها عن ثمانين عاماً في التعامل مع القضية الكردية والعواقب التي نجمت عن سوء السياسات السابقة وأهمية تمتع الشعب الكردي بحقوقه المشروعة والعادلة.
وإذا ما دخلنا في صلب الموضوع, فأن الفتوى تؤكد لي ثلاث مسائل جوهرية, وهي:
1. إما أن يكون آية الله الحسني لا يفهم شيئاً عن الفيدرالية ولم يقرأ عنها, أو أن يكون متأثراً بالدعايات التي تروجها بعض المصادر المناهضة لمضمون الفيدرالية, أو أن الرجل بعيد كل البعد عن فهم السياسة, ولكنه يدافع عن موقف إيراني ضد الفيدرالية.
2. فمن غير المعقول أن يتحدث بشأن قضية سياسية تمس نظم الحكم في العالم ويتحدث عن مفاسد ويدعو إلى مقاطعة كل من يدعو إليها, وبالتالي يدعو إلى مقاطعة الشعب الكردي كله, إضافة غل ى العرب وغيرهم المؤيدين للفيدرالية.
3. وآية الله الحسني البغدادي لم يخبرنا ما هي المفاسد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتسبب بها الفيدرالية, فهل هي مجهولة عليه أم أنه لا يمتلك ما يفترض أن يشير إليه صراحة.
4. إن هذا الحكم يعبر عن جهالة سياسية فعلية, مع كل احترامي للموقع الديني الذي يحتله, إذ أن كثرة من الناس ما تزال تتعلم بعلوم دينية تعود إلى أكثر من عشرة قرون سابقة ولا تعرف من دنياها الراهنة شيئاً يذكر.
5. وأصبح معتاداً أن كل قضية يراد التشهير بها لأي سبب كانت تقرن بأنها تخدم المشروع الأمريكي-الصهيوني, تماماً كما حصل بشأن عدم رفع علم صدام حسين في إقليم كردستان ورفع علم الجمهورية العراقية الأولى الذي يرمز إلى الشعبين العربي والكردي والشعوب الأخرى في العراق, وهم لا يدركون أن سلوكهم هذا هو الذي يخدم زيادة مصاعب الشعب العراقي وإشكالاته وبالتالي يقود إلى الفوضى والخراب الذي عشناه طويلاً في ظل النظم السابقة.
كم أتمنى على رجال الدين في المجتمع, أن يكفوا, كرجال الدين وليس كأفراد, عن التدخل في السياسة وعن إصدار أحكام لا تمت إلى الحياة الراهنة بصلة وبعيدة كل البعد عن فهم التحولات الجارية في العالم وفي الإقليم والعراق, إنهم يساهمون في دفع العراق إلى عهود الظلام السابقة. إن أرادوا العمل السياسي فلينزعوا الجبة والعمامة أو ليكفوا عن إصدار الفتاوى والدخول في أحزاب سياسية والالتزام ببرامج أحزابهم, بدلاً من تلك التصريحات والفتاوى التي تعبر عن جهل لا غير.
الفيدرالية, يا سيدي المفتي الحسني, تؤدي وظيفتين معروفتين عالمياً, وهما: إنها شكل من أشكال توزيع السلطات الثلاث المعروفة في الدولة الواحدة من جهة, وأنها تعني الاندماج والتكامل على قدم المساواة بين أقاليم وقوميات وشعوب تتعايش في دولة واحدة ذات ثقافات ولغات متعددة. وهي تمارس سياسات منسقة وعبر حكومة مركزية. ويفترض أن ينص الدستور الاتحادي بشكل واضح على حقوق وواجبات الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم الفيدرالية, وهناك محكمة عليا دستورية تحكم في الخلافات التي تحصل بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم (الفيدراليات).
ليس في هذا الوضع السياسي القانوني ما يمكن أن يشير إلى المفاسد. إذ في كل نظام حكم يمكن أن تظهر المفاسد. خذ إيران الراهنة مثلاً فيها من المفاسد ما يفوق ما يمكن للإنسان أن يفكر به. وكان حكم الشاه الفاسد أقل فساداً مما عليه الوضع في إيران حالياً ومن كل الجوانب. وكان النظام الملكي الفاسد في العراق أقل فساداً مما كان عليه نظام البعث المخلوع. فالمسألة لا ترتبط بنظام ملكي أو جمهوري أولاً, ولا بنظام مركزي أو فيدرالي ثانياً, بل بمستوى حضارة ووعي وتنوير الإنسان العراقي أو أي إنسان آخر في العالم, وبمستوى امتلاكه وتمتعه بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان بحيث يمكن الكشف عن المفاسد ومحاربتها لا طمطمتها والتستر عليها وعلى فاعليها. المفاسد في العراق كثيرة حالياً, وعليك أن تتحرى عن الذين يمارسونها وستجد العجب العجاب, فبعض الأحزاب والشخصيات الإسلامية في البصرة, إضافة إلى آخرين من قوى سياسية أخرى, هو الذي يمارس ذلك تحت أشعة شمس البصرة الكاشفة والمحرقة, والنفط الذي يسرق في البصرة وغير ذلك كفيل بتجسيد هذه الحقيقة, دع عنك بغداد التي يفترض أن نترك الأمانة بيد شخصية أمينة ومحكمة الأمانة مثل القاضي الفاضل السيد راضي الراضي, الذي لا تأخذه بالحق لومة لائم.
ولكن الفيدرالية تمنح الشعوب التي تعيش في دولة واحدة الحقوق المشروعة التي يفترض أن تتمتع فيها بإقليمها وتؤدي واجباتها إزاء الفيدراليات الأخرى وإزاء الحكم المركزي والعكس صحيح أيضاً.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى نظام حكم جمهوري فيدرالي في العراق لأنه يوفر الأرضية الصالحة لتعاون وتضامن وتآخي الشعبين العربي والكردي, وهما يعيشان في إقليمين واضحين, إضافة إلى منح القوميات الأخرى حقوقها الإدارية والثقافية التي نص عليها الدستور العراقي الجديد.
وكان تصوري الشخصي الذي أدعو إليه وهو اجتهاد تزكيه الحياة والتجارب المنصرمة في العراق والعالم, أن العراق بحاجة إلى فيدراليتين, إحداهما كردستانية وأخرى رافدينية, وكلاهما في دولة واحدة هي الجمهورية العراقية الفيدرالية أو الاتحادية. وإذ تجمع الفيدرالية الأولى المحافظات الكردستانية, تجمع الفيدرالية الثانية جميع المحافظات العربية الباقية. وتكون لنا حكومة مركزية في العاصمة بغداد تمارس صلاحياتها, حقوقها وواجباتها وفق الدستور العراقي الجديد.
كنت وما أزال ضد إقامة فيدراليتين في القسم العربي من العراق وعلى أساس ديني طائفي, إذ أنه سيكون مفتعلاً, رغم التمييز الذي تعرضت له المناطق العراقية التي أكثرية سكانها من الشيعة عبر نظم الحكم السابقة. إلا أننا نريد أن نبني عراقاً مدنياً ديمقراطياً فيدرالياً جديداً يرفض التمييز الديني والطائفي ويمنح الناس حقوقهم على قدم المساواة, رغم أن الدستور الراهن لا يوفر ذلك بشكل كامل وسليم, وخاصة المساواة بين المرأة والرجل, ولهذا فهو بحاجة إلى تعديل وتحسين, وخاصة المقدمة ذات الوجهة الدينية الطائفية التي تضمنتها ديباجة الدستور وحقوق المرأة .. الخ.
إن العرب يشكلون قومية واحدة في العراق, وهم يتوزعون على شيعة وسنة, إضافة إلى وجود قوميات أخرى في القسم العربي من العراق, كما توجد أديان أخرى في القسم العربي من العراق, وهم الصابئة المندائيون المضطهدون حالياً من قبل بعض رجال الدين والمليشيات الإسلامية المسلحة وجمهرة من أتباع المذهب الشيعي على نحو خاص, ولا يجوز تقسيمهم إلى فيدراليات تقوم على أساس مذهبي, إذ أن المذهب لا يشكل هوية الإنسان, بل إنسانيته وقوميته لا غير. ومن هنا لا أؤيد تلك الأصوات الكردية التي تؤيد قيام فيدرالية الجنوب على أساس مذهبي خشية أن يتخذ موقف ضد الفيدرالية الكردستانية. ويرتكب هؤلاء الأخوات والأخوة خطأ فادحاً بتصريحاتهم الكثيرة حول هذا الموضوع وخاصة الصديق القديم السيد عبد الخالق زنگنة. فأنا كعربي رفضت وجود حكومتين وفيدراليتين عملياً في كردستان, في كل من السليمانية وأربيل, لأنها ضد المنطق وضد مصالح الشعب الكردي وضد مستقبل القضية الكردية. ومن هذا المنطلق أجد مناسباً أن يكون موقف الكرد أيضاً منسجماً مع أن يكون كل العرب منسجمين ومتناغمين في فيدرالية واحدة تضم إليها كل المحافظات العربية بدلاً من فيدراليتين عربيتين في إقليم واحد يقود إلى المزيد من المصاعب والمشكلات المختلفة. أملي أن لا تدفع تكتيكات سياسية قصيرة النظر بعض الأخوة الكرد إلى اتخاذ سياسات ومواقف تلحق ضرراً بالقضية العراقية كلها. ليست هناك قوة قادرة على سلب حق الكرد في الفيدرالية, وبالتالي علينا أن نعزز وحدة العراق على أساس فيدرالي بين القوميات, ولكن لا على أساس ديني وطائفي سياسي يفتت العراق ويجعله تحت رحمة إيران والسعودية وغيرها من دول المنطقة وعلى أساس مذهبي مدمر.

منتصف أيلول/سبتمبر 2006