| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كاظم حبيب

khabib@t-online.de

 

 

 

 

الأحد 13/8/ 2006

 

 


حوار مع الدكتور ميثم الجنابي حول رؤية مس بيل للعرب!

(2-2)

 

كاظم حبيب

أشرت في الحلقة السابقة إلى الأخطاء الجدية التي يرتكبها ميثم الجنابي في ثنايا مقالته وبعيداً عن جو المقالة التي كتبتها والموضوعات التي استهدفت الإشارة إليها. ففي الوقت الذي يتهمني بسوء قراءة نص جيرتروود بيل, وجدت أنه أخطأ في قراءة النص الذي كتبته وأساء فهم وتفسير مضمونه الأساسي وما أرمي إليه, أو أنه كتب ما كان يريد أن يكتبه حال توفر فرصة مناسبة, إذ ما يزال جرح المقالات حول المسألة الكردية نازفاً لديه. وكم كان بودي أن يدمل جرحه بالاعتراف بما مارسه البعث ضد الشعب الكردي من جرائم بشعة وما مارسه من اضطهاد وتعريب قسري وتهجير أكثر قسرية وعنفاً وأكثر همجية. ويبدو لي ان الرجل لم تحركه حتى كارثة الأنفال وحلبچة, عندما كان يتحدث عن المسألة الكردية في العراق وما فعله النظام العربي الدموي بالكرد وبالعراقيين الآخرين, نظام صدام حسين الذي سيقدم هو وابن عمه على حسن المجيد الكيماوي إلى المحاكمة في الحادي والعشرين من الشهر الثامن من هذا العام 2006.
كنت أتحدث عن العرب والشرقيين عموماً, ولكن عن السياسيين الشرقيين, والعرب منهم على نحو خاص. فجيرتروود بيل كانت لها علاقات اجتماعية وسياسية واسعة ومصالح مشتركة مع ثلاث فئات في المجتمع العراقي , مع شيوخ العشائر ورجال الدين ومع السياسيين. وهكذا كانت علاقتها أيضاً في السعودية وفي مناطق عربية أخرى وفي الهند. وكانت تنطلق في تحديدها للسمات بأولئك العرب بشكل خاص. ولكن السمات التي تحدثت عنها تنطبق على الكثير والكثير جداً من العرب حتى الوقت الحاضر, وخاصة من الحكام والسياسيين وشيوخ العشائر ورجال الدين.
أعرف أن مس بيل كانت تمثل الحكومة البريطانية ووزارة المستعمرات وأجهزة التحقيقات البريطانية في العراق, وأعرف مهماتها الاستعمارية في المنطقة أيضاً, وأن حبها لبريطانياً بالأساس, رغم تعلقها بالآثار العراقية القديمة ودراستها لهذا الاختصاص. وهؤلاء الناس الذين يحتكون بشكل خاص بفئات واسعة من المجتمع العراقي ويستطيعون التعرف على نفسيات الأفراد والجماعات بسبب قربهم منهم وتشابك المصالح في ما بينهم, يفترض أن نستفيد من ملاحظاتهم المهمة لمعالجة ما فينا من نواقص, وهذا لا يعني بأي حال مسألتين:
1. أن كل ما يقولونه عن عيوبنا صحيح, أو أن علينا أن نأخذ به أو أن نثق به دون تمحيص.
2. وأن الآخرين من أبناء القوميات الأخرى لم تكن لهم عيوب مماثلة في فترات ومراحل تاريخية أخرى مروا به أو ما زالوا يعانون منها.
ولكن العيب يا سيد ميثم أن لا نمسك بتلك العيوب ولا نعالجها بأمل التخلص منها لصالح مجتمعاتنا والدول القائمة فيها. إن الإنسان العاقل والموضوعي يفترض فيه أن يستفيد حتى من ملاحظات من لايثق به أو له مشاكل معه, عندما يجدها مطابقة للحقيقة حتى لو كانت تلك الحقيقة نسبية, وهي نسبية طبعاً. وما أشرت من ملاحظات حول العرب هي الأخرى نسبية وليست مطلقة.
ليس هناك أي إنسان عاقل وسوي الطوية يريد إهانة شعبه وقومه, ولكن السكوت عن أخطاء الشعوب أو قادتها أو ساستها أو السمات السلبية في هذه الشعوب لا يساعد على تقدمها, بل إلى تغطية تلك العيوب واستمرار المأساة. لقد شخصت الراحلة جيرتروود بيل فينا نحن العرب ما يلي:
• إن الكلمات عندنا, نحن العرب, جوفاء لا تحمل مضامين جدية وفاعلة.
• وأن الفرد العربي مصاب بازدواج الشخصية.
• كما يتسم بعدم الثبات والتقلبات المستمرة في الرأي.
• والعرب فوق هذا وذاك لا يشعرون بقيمة الحياة, بل يفضلون الموت دفاعاً عن كلمات فارغة جوفاء.
وأضفت أنا إليها بأننا نمارس العاطفة قبل أو أكثر من العقل, وهي مقولة يتحدث عنها أكثر الكتاب العرب بصواب حول سلوك الحكام العرب وكثرة غيرهم. وكل هذه الملاحظات الواردة في أعلاه تجلت يا سيد الجنابي في كامل المقالة التي كتبتها رداً على مقالتي ابتداءً من براءتك من الماركسية والشيوعية "المتهرئة" التي كنت تصول وتجول فيها في موسكو واليمن والشام, وكنت, كما أذكر جيداً, إذ كنت مسؤولاً عن تنظيم الخارج للحزب الشيوعي العراقي عندما كنت أنت عضواً في تنظيماته, وانتهاء بحديثك ورغبتك في الكتابة عن الارتزاق الثقافي, الذي يفترض أن تضع اسمك في أول القائمة. ذاكرتي مع الأسف ما تزال قوية ولم تنس المواقف المثبتة في المحاضر أو حتى في السلوك اليومي لبعض "الرفاق", وأنت منهم.
هذه قراءتي التي أراها معقولة للنص أولاً, ولا تبتعد عن حقيقة سلوك أغلب السياسيين ورجال الدين وشيوخ العشائر ثانياً, إضافة إلى جمهرة من الناس, ومنهم من يتنكر لهذه الحقيقة ولا يريد رؤيتها ويدفن رأسه في الرمال خشية منها بدلاً من مواجهتها ومعالجتها.
بقي السيد ميثم يدور في كلماته التي حاول إضفاء الفلسفة عليها, وذكرني بأسلوب الراحل ميشيل عفلق, الذي اتسم بالمنطق الشكلي الفارغ من أي محتوى حقيقي ودورانه في حلقة مفرغة من الكلمات الرنانة والطنانة التي لا معنى لها. ولكن السيد ميثم حتى في مجال الفلسفة, الذي هو موضوع اختصاصه, أعطانا فلسفة جوفاء بائسة في هذه المقالة ولا أعمم الأمر على كل كتاباته, إذ فشل في الوصول إلى نتيجة مرضية, ولكنه كان شجاعاً في توجيه الشتائم, التي لا تمت للبحث أو الموضوعية أو العقلانية أو حتى الروح الأكاديمية وروح الزمالة بصلة, متهماًُ إياي بالشيوعية المتهرئة والشعوبية المبطنة والعقلانية المتهرئة أيضاً. ويبدو لي بوضوح أن الرجل مصاب بذات العلل النفسية التي يعاني منها البعض الكثير من العرب والمشار إليها في أعلاه. المثل القديم يقول بصواب: غالباً ما يرى الإنسان نفسه جميلاً في المرآة!
لم أتنكر لانتمائي للفكر الماركسي, ولم أتنكر لتاريخي الشيوعي النظيف, وهو حلقة صغيرة جداً في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي النظيف, وقدم هذا الحزب عبر عشرات السنين الأعمال الجليلة في نضاله من اجل الاستقلال والسيادة الوطنية ومن أجل التنوير السياسي والاجتماعي وقدم أغلى التضحيات في سبيل الشعب. وليس هناك من لا يرتكب الأخطاء, سواء كنت أنا شخصياً أم الحزب الشيوعي العراقي, ولكنها لا تقاس بما قدم هذا الحزب الجليل لشعبه ووطنه العراق. وكم كان حرياً بك أن تقدر ذلك ولا تتهم التحليلات الماركسية بالشيوعية المتهرئة, فأنت أدرى من هو المتهرئ. الأخطاء التي ترتكب , يرتكبها الأفراد وليس المنهج العلمي, والفارق كبير بين المنهج كأداة تحليلية وبين المحلل الذي يمكن أن يرتكب الخطأ في ممارسته لتلك الأداة العلمية التي هي خير ما لدينا من أداة تحليلية, رغم أنها بحاجة إلى إغناء وتطوير. عندما يترك الإنسان حزب ما, ينبغي له أن لا يتجنى على الحزب الذي عمل فيه, وعندما ينتقد هذا الحزب, يفترض فيه أن ينطلق من مواقع المسؤولية بتطور هذا الحزب وتحديثه لا الإساءة إليه, إلا إذا ارتد على الفكر الماركسي كله, وهذا من حق كل إنسان طبعاً. ولا يجوز له تحميل الفكر الشيوعي أو الماركسي مسؤولية ما أكتب, فأنا رجل مستقل وأعلنت ذلك صراحة لكي لا أحمل أحداً مسؤولية ما أكتب, وأنا أكتب ما أراه صحيحاً, وليس هناك من هو مسؤول عما أكتبه إلا ضميري وقدرتي المتواضعة على التحليل والتأويل والتفسير.
كنت قد أشرت في مقالتي إلى أننا سنبقى نعاني من السمات اللصيقة بنا طويلاً ما لم نبادر إلى معالجتها في شخصيتنا العربية, وهي ليست بسبب جينات فينا ولدت معنا ودون إرادتنا, بل هي ناجمة عن سياسات وأساليب حكم استبدادية لنظم غير عقلانية سادت الأمة الإسلامية والعربية على مدى قرون وقرون وبسبب ثقافة العنف والاستبداد التي عشنا تحت وطأتها. فتاريخنا الإسلامي العربي الشرقي حافل , في ما عدا فترة الأندلس الغنية الحافلة بقيم حضارية وروح تسامح ديني بشكل خاص, ورغم ما أنتجه للمجتمع البشري من منجزات حضارية وقيم إنسانية, مليء بالاستبداد والعنف والقسوة وعدم التسامح. ومن يدرس تاريخ العراق وحده ومنذ القدم سيدرك حقيقة ذلك وسيدرك أيضاً الأسباب الكامنة وراء ما نعانيه اليوم في العراق. لقد كان نص جيرتروود بيل هو المدخل للحديث عما يجري في العراق أو في لبنان أو في سوريا, أو في أي بلد عربي آخر يعيش تحت وطأة النظم الاستبدادية واللاديمقراطية.
قل لي بالله عليك يا رجل, ماذا حققت لبنان من النزاع الأخير مع إسرائيل الذي ما يزال مستمراً, رغم قرار الأمم المتحدة. فرغم أن أسر جنديين إسرائيليين لا يمكن ولا يجوز أن يتسبب في حرب عدوانية مدمرة كالتي شنتها إسرائيل ضد لبنان, لكن ألم يكن حزب الله يعرف ابتداءً ردود فعل إسرائيل التي كانت تنتظر بفارغ الصبر سبباً تافهاً كالذي وقع لتصفية حساباتها مع حزب الله ولبنان من جهة وبعض حساباتها مع سوريا وإيران من جهة أخرى, خاصة وأن اسر جندي واحد في غزة تسبب قبل ذاك وما يزال في احتلال غزة ثانية وقتل وتشريد المزيد من البشر في فلسطين المحتلة واعتقال مجموعة من النواب والوزراء ورئيس مجل النواب بشكل عدواني صارخ على الشرعية الدولية. إن لبنان, ورغم المقاومة البطولية للإنسان اللبناني, ورغم خسارته ثلاثة عقود من البناء والتعمير وخسارة المئات من القتلى والجرحى والمعوقين ومليون مشرد, ما يزال لم يتقدم خطوة إلى الأمام في معالجة المشكلات القائمة, بل أن هناك تراجعاً واحتلالاً للأرض بعد هذه الحرب القائمة حتى الآن.
ألا تعبر هذه الحقيقة عما تحدثت به جيرتروود بيل في نشوتنا من كلمات النصر الجوفاء ونحن في حالة خراب ودمار, هل نقول الحقيقة عن موقف الشعب اللبناني المستباح من حزب الله, أم يحاول البعض الكثير من الصحفيين والسياسيين تأليه هذا الحزب باعتباره بطل المقاومة, في حين أن الناس تعتبره سبباً في الكارثة التي لحقت بلبنان أخيراً, سببا في النكسة الجديدة التي تحدث عنها السيد رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة, وعيونه تغمرها الدموع. كم ازداد احترامي لهذا الرجل الإنسان والمقدام الذي لم يستح من سيل دموعه على شعبه ووطنه وكان جريئاً في تشخيص المشكلة وعقلانياً في قبول قرار غير عادل وغير متوزان صادر عن مجلس الأمن الدولي من أجل إنقاذ لبنان من دمار وموت إضافي.
ألا تتذكر الكلمات الجوفاء التي كان يتحدث بها صدام حسين, وهو قائد الجماعات القومية العربية المتخلفة حتى الآن, عن النصر في الحرب ضد إيران بين 1980-1988 وضد الكويت 1990-1991 وضد التحالف الدولي في نفس العام 1991 وفي الحرب الأخيرة التي أطلق عليها بأم المعارك 2003, في حين أنها كانت كلها انكسارات سياسية وعسكرية وموت ودمار؟ لقد فقد العراق ما يقرب من مليون إنسان وما يزيد عن عدة مئات المليارات من الدولارات الأمريكية. ألا تتذكر الملايين من العراقيات والعراقيين التي دخلت حزب البعث بالرغم منها وما جسدته هذه الظاهرة من سيادة ازدواج الشخصية العراقية, وخاصة العربية؟ هل كان هناك ثبات في مواقف العرب طيلة سنوات القرن العشرين ابتداءً من حرب 1948 حتى الوقت الحاضر؟
كان القوميون والمسلمون العرب المتطرفون يهتفون برمي إسرائيل بالحرب, ووقفوا ضد كل حل سلمي للقضية الفلسطينية, وهذا ليس ادعاءً ضدهم بل باعترافهم المسجل في أكثر من مصدر, وكانت إسرائيل سعيدة بهذه السياسة. إذ لم يُرم بالبحر سوى العرب! أصبحت مساحة أرض فلسطين, التي يطالب بها العرب, لتقوم عليها الدولة الفلسطينية الوطنية المستقلة, لا تزيد حالياً عن 22 % من مجموع مساحة أرض فلسطين قبل التقسيم, وعلينا أن لا ننسى بأن جزءاً كبيراً من هذه الأرض مليء اليوم بالمستوطنات الصهيونية. وإذا ما استمر الصراع والنزاع بالطريقة الراهنة, فسنبكي على ما تبقى من الأرض الفلسطينية التي بحوزة الفلسطينيين رغم كونها محتلة حتى الآن؟
إن السياسة يا دارس الفلسفة السوفييتية هي فن الممكنات, هي فن وعلم ودراية وخبرة في آن واحد, ولا يمكن أن نفرض رغباتنا دون أخذ الواقع وموازين القوى وقدراتنا الفعلية بنظر الاعتبار. يمكن للمرء أن يبدأ بأي نزاع, ولكنه لن يستطيع تحديد نهايته ونتائجه أو عواقبه؟ ولهذا كان الحديث عن أهمية وضرورة أن تكون السلطة, كل السلطة في لبنان بيد الحكومة, وأن يكون السلاح, كل السلاح, بيد الحكومة, وليس بأيدي قوى مقاومة أو ميليشيات مسلحة أياً كان الحزب الذي يمتلكها. وقرار الحرب والسلام يفترض أن لا يكون بيد فرد أو حزب بل بيد الدولة ومجلس النواب والحكومة لا غيرهم. وهذا ما يفترض أن يكون في لبنان أيضاً, وليس بيد حزب الله أو إيران أو سوريا أو أي طرف آخر. وستفرض نهاية هذه الحرب وقرارات الأمم المتحدة هذه النتيجة. كلنا يعرف بأن قرار مجلس الأمن الدولي غير متوازن وغير عادل ولصالح إسرائيل, وأجبر لبنان على قبوله بسبب واقع الحال وميزان القوى الراهن والرغبة في إيقاف ماكنة الحرب الإسرائيلية التي تدعمها الولايات المتحدة وبريطانيا والغرب بشكل عام عن تدمير كامل للبنان.
كم كنت أتمنى وأنت الأكاديمي أن تكون أكثر عقلانية وهدوءاً في حوارك معي بدلاً من اتهامي بالعقلانية المتهرئة, إذ لم أكن أبغي الإساءة لقوميتي العربية ولا لأي إنسان عربي ولا حتى لأي مهووس بالقومية العربية, بل كان همي تشخيص العلة لمعالجتها لصالح العرب, لصالح القومية التي انتمي إليها, وقبل فوات الأوان, وكنت أتمنى أن تساهم معي في ذلك, ولكنك كررت متعمداً, كما يبدو, إساءة فهمي واتهمتني بالشعوبية المبطنة والشيوعية والعقلانية المتهرئة. وعلى القارئة والقارئ أن يحكما في ما تكتب وأكتب!
والآن بعض الشيء عن العراق وما يجري فيه. ألا ترى صواب ما قالت به جيرتروود بيل عن كثرة من السياسيين العراقيين والناس الآخرين؟ هل العنف الجاري في العراق, وبغض النظر عن الأسباب والعوامل, هو تعبير عن احترام وفهم كثرة من الناس في العراق, كثرة من العرب في العراق, لقيمة الحياة وقيمة الإنسان, أم أنه التعبير الصارخ عن ممارسات ضد الإنسان وضد وجود الإنسان الحر.
مئات القتلى والجرحى يومياً على أيدي عراقيين وعرب ومسلمين. والسؤال لِمَ كل ذلك؟ هل هذه الأفعال الدنيئة هي التي يسميها البعض "مقاومة الاحتلال", أم أنها ضد الإنسان العراقي. هل أن مشاركة عشرات المجرمين بقتل العلماء والأساتذة والأطباء في بغداد تعبر عن حضارة أم أن المجتمع مسؤول عن كل ذلك, وخاصة النظام العربي الدكتاتوري السابق في بغداد الذي عمق ثقافة العنف والاستبداد والقتل؟ هل هذا اتهام للعرب, وأنا واحد منهم, أم أنها الحقيقة التي يفترض أن نواجهها ونكشف عن العيوب المتراكمة فينا عبر النظم السياسية والإيديولوجيات الشمولية التي عاش تحت وطأتها العراقيون قروناً طويلة.
كم كنت أود أن تترك السياسة يا دارس الفلسفة؟ إذ عندما كنت تبحث في الفلسفة كنت موفقاً أكثر وإلى حدود معقولة, ولكنك حالما خضت السياسة, كشفت عن الوجه الكالح للقوميين اليمينيين العرب الذين لا يرون في الأمة العربية إلا الخير والجمال والنقاوة وفي الغير الشر والقبح وعدم النقاوة, في حين أن نجد في كل قومية من يحمل الاثنين معاً, ومنها القومية العربية.
نحن العرب, كما يحلو لك أن أقول, وأنا واحد من هذه الأمة المبتلاة بالغلاة من المتفاخرين والمتبجحين بتراث الأمة وقيمها, ولا يعملون لحاضرها إلا اجترار ما كانت عليه الأمة في الماضي البعيد. الأمة الحية والمتحركة إلى الأمام يا سيد ميثم الجنابي لا تفتخر بتراثها القديم فحسب, بل يفترض أن تعمل لحاضرها وتعتز به. ولا يمكن لها أن تتقدم من دون أن تشخص عللها المختلفة, لكي تستطيع أن تعالجها وتندفع إلى أمام. أملي أن تساهم أنت أيضاً في الكشف عن الإشكاليات التي نعاني منها, نحن العرب, لنتجاوزها, وما شخصته جيرتروود بيل هو جزء من السمات الملازمة لشخصيتنا العربية حتى الوقت الحاضر, وخاصة للفئات الثلاث التي قصدتهم بنصها. ولكن يمكن الخلاص منها بصورة كبيرة, وعلينا أن نعمل من أجل ذلك.
هل كان الدكتور الراحل علي الوردي شعوبياً وعقلانياً تافهاً عندما شخص العلل الاجتماعية في الشخصية العراقية في سفره الرائع "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث". كان الراحل العلامة الدكتور على الوردي مريضاً يعالج في إحدى المستشفيات في هنغاريا. قام الأخ الدكتور مهدي الحافظ بزيارته, وفي حديث بينهما سره الدكتور الوردي ولأول مرة, أنه مقتنع بفكر وأساليب التحليل لدى ماركس وأنه استخدم هذا الأسلوب كأحد الأدوات المهمة في التحليل الاجتماعي والسياسي في العراق, رغم أنه لم يتحدث عن ذلك قبل ذاك, فهل كان الدكتور علي الوردي عقلانياً متهرئاً لأنه استخدم أداة تحليل عقلانية في الكشف عن الواقع بدون رحمة لا للإساءة لأحد, بل من أجل العمل على تغيير هذا الواقع.
أتمنى على الدكتور ميثم الجنابي أن يفكر طويلاً قبل أن يسجل ملاحظاته على أي مقال وهو المسؤول عن تدريس طلبة فلسفة, إذ أنها الوسيلة الأفضل لتجنب المطبات التي سقط فيها في مقالته المشار إليها. سأكتفي بهذا القدر وسأحاول تجنب خوض الحوار معه لاحقاً لأنه بعيد عن أن يخوض حواراً علمياً هادئاً وموضوعياً.


13/8/2006