| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كاظم حبيب

khabib@t-online.de

 

 

 

 

الجمعة 12 /1/ 2007

 

 

هل من علاقة ذهنية بين الدكتاتور القذافي والدكتاتور المقبور صدام حسين؟

 

كاظم حبيب

انتهت حياة واحدٍ من أبشع وأقسى الدكتاتوريين في القرن العشرين, انتهت حياة المستبد بأمره الطاغية صدام حسين. ومن المؤلم حقاً أن لا يتصرف بعض أتباع قوى الإسلام السياسي الطائفية المتطرفة في العراق بصورة إنسانية وبأسلوب حضاري يساهم في تغيير الموقف في العراق من مسألة الثأر من صدام حسين إلى مسألة القضاء والعدالة وحكم القانون. فمن غير المعقول أن تقترن عملية الإعدام بصخب وهتافات وهوسات بائسة انطلقت من حناجر مبحوحة ومرفوضة تعبر عن روح انتقامية يرفضها الرأي العام العالمي بحق. فاحترام القانون وإبداء الاحترام أمام الموت, أياً كان الميت, التي لم يمارسها الدكتاتور ولا جلاوزته, كان يفترض أن تمارس من قبل بعض أتباع بعض حكام عراق اليوم. إذ أن القضية تجسد التخلف والكراهية والثأر والحقد الذي يعمي الأبصار لدى البعض, بدلاً من فهم حقيقة أن المسألة ليست ثأرية, بل هي عقوبة قضائية توجه لمن خالف القانون وداس عليه, فليس من حق من يريد العدالة أن يدوس على القانون هو الآخر أيضاً, كما فعل البعض صبيحة يوم إعدام صدام حسين. لو قدر لهؤلاء أن يأخذوا جثة الميت, لفعلوا بها ما يرفضه الله ورسوله والمؤمنون وغير المؤمنين من البشر العاقل! كما أن هناك نقداً صائباً يعيب على المسؤولين في العراق تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين في أول يوم من أيام عيد الأضحى المبارك, إذ كان بالإمكان تقديمه أو تأخيره عدة أيام. والأسوأ من ذلك هو طرح فيلمين أحدهما رسمي والآخر غير رسمي في الأسواق التجارية لتأجيج الصراع والنزاع الطائفي وإثارة المزيد من الأحقاد والكراهية. إن المسؤولين عن ذلك لا يخرج عن إطار المشاركين في مراسيم الإعدام أولاً, ومن يقف وراء تلك المجموعة الهتافة ثانياً, وهم أما أن يكونوا من موظفي وزارتي الداخلية والأمن الوطني أو بعض موظفي وزارة العدل, باعتبار هذه الجهات كانت هي المسؤولة مباشرة عن تنفيذ ومراقبة تنفيذ والإشراف على عملية الإعدام.
بعد أن انتهت عملية الإعدام تقرر دفن جثمان صدام حسين في مسقط رأسه, وهو عمل إنساني وطبيعي عبر عن موقف حضاري مسؤول مارسه رئيس الوزراء السيد نوري المالكي, رغم أن صدام حسين وأجهزته دفنت مئات ألوف البشر في مقابر جماعية لم يعثر على كلها حتى الآن أو على المدفونين فيها.
وفيما بعد عبر الناس المعارضين لسياسات الدكتاتور السابق, كما عبر المؤيدون لها, بأشكال مختلفة بما فيها المظاهرات ورفع الأعلام والشعارات, سواء في العراق أم خارجه, عن تأييدهم لعملية الإعدام, في حين احتجت لجماعات الأخرى رافضة الحكم والإعدام لأسباب مختلفة. وهو حق مارسه المواطنون وغير العراقيين. كما عبر الحكام العرب عن وجهات نظر مختلفة, ولكن أغلبها صب في مجرى القول الشائع في العراق والعالم العربي " إذا حُلقت لحية جارك, فهيئ لحيتك". وإذا كنا نفهم تلك الآراء المختلفة المنطلقة من مواقع واتجاهات فكرية وسياسية متباينة إزاء حكم الإعدام من حيث المبدأ, فبغض النظر عن قناعتنا بها أو رفضنا لها, فأن العالم استغرب من موقف معمر ألقذافي حيث أعلن, متفرداً عن العالم كله ومنفرداً, الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام مع تنكيس العلم الليبي بسبب موت صدام حسين.
لست من مؤيدي حكم الإعدام بشكل مطلق, وهو موقف غير مرتبط بصدام حسين أو بغيره, بل هو موقف مبدئي اتخذته منذ أن أصبحت عضواً في منظمة العفو الدولية منذ سنوات طويلة, ومنذ أن التزمت بالمبادئ العامة التي تعمل في ضوئها هذه المنظمة الدولية ذات الأسس والمبادئ الإنسانية والقيم الحضارية الحديثة. ولكن لو سئلت عن مدى عدالة قرار الحكم وفق القضاء العراقي والقوانين العراقية, لأجبت بأن الحكم عادل وعادل جداً, وليس فيه أي خلل. ولكن الخلل نشا في أجواء المحاكمة التي تسبب بها محامو صدام حسين وبقية المتهمين, وتسبب بها المتهمون أنفسهم.
إن قرار الحداد جلب انتباه العالم, فهل هو ناشئ عن قاعدة "خالف تعرف", بعد أن غاب اسم ألقذافي طويلاً عن الصحافة العالمية؟ وهل يحق للرأي العام العالمي أن يستغرب من هذا الموقف الذي أتخذه ألقذافي بإعلان الحداد ثلاثة أيام؟
إن من يعرف ألقذافي والسياسات التي مارسها في السبعينات والثمانينات وما بعدها حتى الوقت الحاضر لا يمكنه أن يستغرب أبداً من هذا الإجراء, بل كان عليه أن يستغرب في حالة عدم حصول ذلك أو ما يماثله, كأن يمنحه أعلى وسام ليبي حتى بعد موته, كما فعل كاسترو ذلك قبل ذاك, أي بعد أن قدم النظام وصدام حسين بإعدام 34 عراقياً ديمقراطياً وشيوعياً اتهموا بالعمل في القوات المسلحة العراقية في العام 1978. ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن هؤلاء الناس هو: لماذا لا نستغرب من مثل هذه الموقف؟ لا شك عندي بأن الموقف بائس ويعبر عن تضامن بين كل الدكتاتوريين في العالم الذين يحتمل أن ينتظروا ويتوقعوا لأنفسهم مصيراً لا يختلف كثيراً عن مصير صدام حسين. وإذا كان ألقذافي المعروف بنزقه السياسي ومزاجيته الشاذة قد أعلن عن ذلك صراحة, فأن الدكتاتوريين الآخرين تبنوا ذلك دون أن يعلنوا عنه, إذ فقدوا رفيقاً أصيلاً لهم في الاستبداد. تذكروا معي ما كتبه صدام حسين في دفتر التعازي في السفارة الأسبانية ببغداد بعد وفاة الدكتاتور فرانكو, كتب "مات آخر فارس في أوروبا"! فشبيه الشيء منجذب إليه!
بعض المعلومات التي أُشير إليها في الصحافة العربية أبان سقوط الملكية في ليبيا برّزت وجود علاقة بين الدكتور سعدون حمادي البعثي وبين ألقذافي حين كان الأول يعمل هناك, الذي تبنى في حينها وجهة نظر البعث القومية, مع أنه كان بهذا القدر أو ذاك ناصري النزعة, ولكن ناصر لم يعترف بناصريته, إذ كان غير مأمون ومضمون الجانب وانتقائي في الوجهة الفكرية والسياسية والمواقف ويخضع لمزاجية متقلبة ومتلونة عبر عنها في كتابه الموسوم بـ "الكتاب الأخضر", على نمط "الكتاب الأحمر" لماوتسي تونگ!
يقال, والعلم عند الله والراسخون في العلم, وعلى كل فرد أن يقدر مدى صواب ما يقال, أن ألقذافي يلتقي بصدام حسين بعدد من السمات المهمة والتي يمكن صياغتها, وفق ما نشر عنهما حتى الآن, في النقاط التالية, وهي ليست من عندياتي:
أن الرجلين مصابان بداء العظمة التي شكلت العقدة المركزية في العلاقة بين صدام والشعب, وما تزال تشكل العقدة بين ألقذافي والمجتمع الليبي. وهما إلى جانب ذلك مصابان بالمزاجية المتقلبة والخطرة التي يمكن أن تعرض كل فرد في النخبة الحاكمة المحيطة بهما أو المجتمع, وخاصة المعارضة, إلى السجن والتعذيب أو التغييب الأبدي.
وأن الرجلين مصابان بالنرجسية, وهي حالة ليست اعتيادية بل مرضية معروفة في علم النفس.
وأنهما مصابان بعلة الهيمنة على الحكم والسيطرة على الدولة والتحكم بالمجتمع, وكلاهما كان, كما في حالة صدام, وما يزال في حالة القذافي, مستبد بأمره وطاغية بامتياز.
كما أنهما مصابان بعلة رفض الآخر والسعي للخلاص منه أياً كان الآخر ما دام لا يتفق معهما بالفكر أو الممارسة التي ينتهجانهما إزاء المجتمع. وهو ما جعل السجون العراقية والليبية مليئة بمختلف القوى السياسية ذات الاتجاهات الفكرية والسياسية المتعارضة مع أفكاريهما وسياستيهما, حيث مورست ضد المعارضين أساليب القهر والاختطاف والتعذيب والقتل في السجون طيلة حكم الأول وما تزال, كما يشار, أنها مستمرة عند الثاني في ليبيا حتى الآن .
وأن تحت تصرف الرجلين, كانت حتى سقوط صدام حسين, وبالنسبة للقذافي ما تزال, ثروة الشعب الطائلة التي استخدماها لإفساد النخبة الحاكمة والمجاورين لهما وسعيا إلى شراء الذمم وإفساد المجتمع, ويقال أن الأخير ما يزال يمارسها حتى اليوم.
وأن النظامين الحاكمين اللذين أقاماهما يتسمان بالشمولية وغياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية, وأنهما مسؤولان عن البؤس والفاقة التي يعاني منهما المجتمعان, رغم الثروة الطائلة المتوفرة في البلدين.
وإزاء هذه التشخيصات وغيرها التي طرحتها الصحافة الدولية على امتداد ربع القرن المنصرمة على الأقل فأن فرض الحداد الحكومي لموت صدام حسين في ليبيا لم يكن مصادفة غريبة بل نتيجة إدراك ألقذافي لمخاطر القبول بإعدام الحكام بسبب كونهم شموليين أو طغاة مارسوا الظلم والتعذيب والسجن والقتل دون مبرر, ولأن ألقذافي نفسه متهم بالتسبب في قتل الكثير من البشر الليبي بشكل خاص, والله أعلم!
لقد مارس ألقذافي سياسة العنجهية الفظة على الصعيد العالمي, ولكنه سرعان ما تراجع في شتى المجالات وحصد كراهية المجتمع العربي. وفي المجال النووي والكيماوي صرف المليارات من أموال المجتمع الليبي على إنتاج الأسلحة الكيماوية والبايولوجية والنووية, لكن الحصيلة كانت فارغة وعبثية والحمد لله, إذ أن عواقب ومخاطر وجود هذه الأسلحة بيد حكام دكتاتوريين ونظم غير ديمقراطية كبيرة جداً, ومن بينهم النظام الليبي. وها هو ألقذافي يسعى إلى كسب ود أولئك العرب الذين ما زالوا غير قادرين على استيعاب طبيعة وسلوك صدام حسين أثناء وجوده في السلطة وعلى رأسها طيلة 35 عاماً. ولكن الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية عرفت صدام حسين تماماً وعاشت المآسي والكوارث والحروب التي تسبب بها بسبب سياساته وممارساته الاستبدادية. كما أن الشعب الليبي يدرك طبيعة وسلوك ألقذافي جيداً ويسعى للخلاص من الوضع السياسي البائس الذي يعيش فيه حيث تنعدم الحرية وتغيب الديمقراطية ويسود الاستبداد الفردي وتتحكم نخبة صغيرة من الفئة الحاكمة برقاب هذا الشعب الليبي المتعطش للحرية والديمقراطية وممارسة حقوق الإنسان.

كانون الثاني/يناير 2006