د. كامل الشطري
الأحد 1/8/ 2010
إفلاس القوى الوطنية الديمقراطية
هل يعني بالضرورة موت المشروع الوطني الديمقراطي في العراقد. كامل الشطري (*)
الخسائر والنكسات والهزائم المتلاحقة التي تكبدتها قوى وأحزاب التيار الوطني الديمقراطي العراقي بكل تشكيلاته وبرامجه السياسية وهي قوى متواضعة في الوقت الحاضر بأمكانياتها إذا ما إستثنينا منها الحزب الشيوعي العراقي كحزب له امتداد تاريخي ونضالي مشرّف ودور معنوي مؤثر رغم تراجعه على الصعيد الجماهيري والذي انعكس على نتائجه الانتخابية وإداءه السياسي في تحقيق أماني وطموحات الشعب العراقي وفي مختلف الاصعدة وخصوصآ الخدمات العامة.
فمنذ ُ سقوط النظام الدكتاتوري السابق في 9 أبريل 2003 ولهذه اللحظة ومن خلال سلسلة من المحطات الانتخابية الوطنية والمحلية وهي محطات مهمة على صعيد الوطن والشعب وكل تعرجات العملية السياسية ، تلقى هذا التيار ضربات قاسية و موجعة ولا اود الخوض هنا في هذه الأسباب فهي متعددة ولا تسعها مقالة او عدة مقالات منذُ انهيار الاتحاد السوفيتي وتفتت منظومة الدول الاشتراكية وتراجع المد الشيوعي وانحساره وبروز التيار الاسلامي السياسي في العراق وبقوة بعد سقوط النظام ، أيضآ الموروث الأجتماعي وألديني المتخلف وغياب القوى الديمقراطية التقدمية من الساحة العراقية لعقود من الزمن وهذه كلها اسباب موضوعية قوضت وحجّمت التيار الوطني العراقي وحصرتهُ في الزاوية المميته وهمّشت دورهُ الحقيقي والفعال في العراق .
وبالتأكيد هناك اسباب اخرى كثيرة منها ما هو موضوعي مرتبط بطبيعة الواقع العراقي الحالي والحراك السياسي واتجاهاته الفكرية وبالذات انحسار الوعي والثقافة الوطنية العراقية وانتشار الجهل والامية و الافكار الغيبية والتي تخرج عن سنتّها الألهية واهدافها النبيلة وكثرة من يروج لهذه ألأفكار لأغراض وأهداف ومصالح ضيقة ذاتية غرضية سياسية واجتماعية تحريضية مقصودة لتسقيط القوى الوطنية اليسارية والديمقراطية.
ومنها ما هو ذاتي مرتبط بالتيار الوطني الديمقراطي نفسه بسبب عدم قدرته على تغيير أدواته القديمة و تجاوز مشاكله الفكرية والتنظيمية والسياسية الحالية بروح عصرية متجددة وإنشداده الى الماضي وامجاد الخمسينات والستينات وعدم تنازلة لبعضه البعض من اجل الحوار والوحدة ونظرته المتعالية على الجماهير وادعاءه بامتلاك كامل الحقيقة معرفيآ وثقافيآ وسياسيآ وبقية القوى في الساحة العراقية السياسية هم مجموعة من الرعاع والجهة بفقة السياسة والمعارف الثقافية والاجتماعية.
هذه النكبات والخسائر قوّضت كما أشرت دور اليسار الوطني الديمقراطي العراقي وهمشتهُ وحدت من فاعليته وتأثيره على الصعيد الداخلي والخارجي وفي الصراعات الدائرة في العراق منها الصراعات الطائفية والتي اخذت أبعاداً خطير وهددت السلم الاهلي بين مكونات الشعب العراقي والتي وصلت الى حد القتل على الهوية بين ابناء االوطن الواحد والشعب الواحد والتهديد بتقسيم العراق الى دويلات صغيرة لخدمة اطراف داخلية وخارجية علاوة على الموقف من الاحتلال واشكالياته المتعددة .
وبالتالي اصبح دور التيار الوطني الديمقراطي دور هامشي لا يقدم ولا يؤخر بسبب ثقله المتواضع على صعيد البرلمان و الحكومة وبالتالي تحول دوره الى دور المتفرج على مآسي الشعب العراقي وحقوقه المسلوبة وهو مقيد ولا يستطيع الحراك كونه مجرد من قوة القرار السياسي والاستحقاق الانتخايي بسبب عدم امتلاكه الصوت الانتخابي القوي والمؤثر والمغير والذي يستطيع من خلاله التأثير على القوى والاحزاب السياسية الاخرى والضغظ عليها بقوة القرار وتغيير مواقفها والعمل على تحقيق برنامجه السياسي والانتخابي الذي يمس بالتأكيد هموم الشعب العراقي ومتطلباته الحياتية اليومية المختلفة ومنها الامن والاستقرار والخدمات العامة وغير من المطاليب الملحة كمعالجة البطالة وحل ازمة السكن على سبيل المثال.
وهنا يبرز السؤال المهم والمرتبط بعنوان هذا المقال وهو هل ينجح المشروع الوطني الديمقراطي في ظل غياب التيار الوطني الديمقراطي من الساحة السياسية العراقية والذي يحدد معالم ومستقبل العراق و يحقق الرفاة والعدالة الاجتماعية للعراقيين ويؤسس لبناء دولة مدنية ديمقراطية دستورية وعصرية اساسها الدستور والقانون والتداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات تشريعية دورية كل اربع سنوات يحق فيها لكل مواطن عراقي التصويت والترشح لأعلى المناصب في الدولة العراقية برلمانيآ وحكوميآ وقضائيآ ومدراء عامون ودرجات خاصة وهيئات دبلوماسية ووظائف عسكرية عليا.؟
ام ان هذا المشروع الوطني الديمقراطي سوف يموت ولا تكتب له الحياة او يحالفه النجاح بسبب غياب هذا التيار الوطني الديمقراطي وهو صاحب هذا المشروع الحقيقي كما صرّح و يصرح الكثير من قادة هذا التيار وانصاره .؟
والجواب في اعتقادي الشخصي انه من المبالغة الحكم على نجاح أو موت اي مشروع وطني ديمقراطي سواء في العراق او في غيره من البلدان الاخرى بالاعتماد فقط على التيار الوطني الديمقراطي في بناء النظام السياسي الوطني الديمقراطي الحر في العراق وقد ينجح هذا المشروع بدون مشاركة التيار الوطني الديمقراطي لان هذا المشروع هو ليس مشروع لبناء وتأسيس نظام اشتراكي او شيوعي وانما بناء نظام رأسمالي حر على نمط دول الوحدة الاوربية وبضمانات حقوقية اجتماعية مضمونة للشعب وهذا هو المهم.
نعم قد يلعب التيار الوطني الديمقراطي دور المُعجل في انضاج وانجاح هذا المشروع الوطني الديمقراطي لنزعته الوطنية الديمقراطية ونقاءه من شوائب الطائفية السياسية والنعرات القومية وتغليبه الاهداف والمصالح الوطنية العليا على الاهداف والاجندات الثانوية و هو رافع راية التحضر والتمدن والحداثة.
ولكن هناك قوى وطنية وعلمانية سواء في تيار الاسلام السياسي العراقي بمختلف تكويناته الحزبية وأيضآ هناك قوى قومية وطنية تقدمية و ديمقراطية ليبرالية يهمها نجاح التجربة العراقية الجديدة وبناء عراق يسع الجميع ويتجاوز محنة الطائفية وسلبياتها ويتجاوز الانظمة القومية الدكتاتورية الشوفينية العنصرية.
نعم قد ينجز هذا المشروع الوطني الديمقراطي ببطيء ويأخذ فترة زمنية ليست بالقصيرة ويسلك طرق متعرجة وملتوية ولكن بالنهاية سوف ينجح المشروع وعلى الرغم من هذه الاختلافات والخلافات وهذه الصراعات المتشعبة بين الكتل والاحزاب السياسية العراقية المنضوية تحت خيمة العملية السياسية الديمقراطية ، خصوصآ وان هذه الصراعات التي تدور رحاها الان في العراق هي سلمية من اجل تشكيل الحكومة وأعتبرها ظاهرة صحية وغربلة حقيقية للجميع ، والشعب ألآن يراقب الوضع بحرص عالي ويستطيع الضغط والتغيير اذا رأى إن ألأمر يتطلب ذلك وإن الطريق اصبح مسدوداً امام طموحاته وحقوقه وأحلامه و أعتقد مظاهرات الكهرباء والتي عمت كل مدن العراق لا تزال شاخصة امام أعيننا وعقولنا.
والعراق قد قطع شوطآ كبيرآ الان على طريق البناء المؤسساتي الديمقراطي من خلال وجود الدستور وألأنتخابات الدورية البرلمانية التشريعية من اجل التداول السلمي للسلطة السياسية وتشكيل البرلمان وهو يمثل السلطة التشريعية والرقابية العليا في البلد وكذلك انتخاب الرئاسات الثلاثة واستقلال سلطة القضاء العراقي وهناك منظمات المجتمع المدني تعمل وتراقب ، والحراك الان جاد ومن كل القوى والاحزاب السياسية على تثبيت مدنية وعصرنة مؤسسات وهياكل الدولة العراقية على أسس سليمة من اجل مواكبة متطلبات عصرنا الحالي وسلوك طريق التطور السلمي والحر من اجل اللحاق بركب الدول المتمدنة والمتحضرة و التي سبقتنا في هذا المضمار.
(*) كاتب وباحث عراقي مقيم في هولندا
دكتوراه هندسة مدنية وبناء
متخصص في مجال المباني الكونكريتية- الحديدية المركبه
Composite Steel - Reinforced Concrete Structure
البريد الالكتروني:
Kamel4349@maktoob.com
Tel. No. 0031-621682415