| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

قاسم محمد علي

kasim-delovan@live.dk

 

 

 

                                                                                     الجمعة 8/7/ 2011

     

ترسيخ إحساس المواطنة والإنتماء الوطني

قاسم محمد علي   

موضوع البحث في هذا المقال هو حث القوى الرئيسية الحاكمة في الإقليم بالعمل على تغذية الجماهير بالقيم والمباديء الوطنية وتوفير المناخ السياسي المناسب من أجل تغليب المفاهيم الوطنية العليا على الإتجاهات والإنتماءات الحزبية والعشائرية والقبلية والجغرافية.

يتولد شعور المواطنة ويترسخ الإنتماء الوطني عند الفرد عندما تقدم الدولة له جميع الخدمات الأساسية والضرورية وتوفر له مستلزمات الحياة وفرص العمل، عندما ينعم المواطن بثروات وخيرات بلده بغض النظر عن إتجاهه وإنتمائه السياسي، عندما يشعر المواطن بأن الشخص المناسب يقلد الموقع المناسب وفق المعايير المهنية والعلمية، عندما لاتوجد في البلد مساحة للإمتيازات الحزبية، عندما يشعر المواطن بأن البلد تحكمه سيادة القانون عملاً وفعلاً وسواسية الجميع أمام القانون من دون إستثناء، وتعلو سلطة القانون فوق الجميع، عندما يشعر المواطن بأن القادة والمسؤولين إنما هم موظفون لدى الدولة في خدمة الشعب، عندما يشعر المواطن بأنه حقاً مصدر السلطات وهو شريك في صنع القرار السياسي من خلال ممثلي الشعب داخل الپرلمان، عندما تتخذ القرارات في البلد من قبل مؤسسات الدولة بعيداً عن سلطة الأشخاص والحكم الفردي، عندما يشعر المواطن بأن مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية تعمل بحيادية وإستقلالية تامة بعيداً عن التدخل الحزبي وكذلك عندما تحترم أجهزة الدولة كرامة الإنسان وتصون حقوق وحريات الشعب وتلتزم بمباديْ حقوق الإنسان وتحترم حرية الرأي والرأي الأخر وحرية الصحافة. فقط في ظل هكذا مناخ سياسي تتعزز ثقة المواطن بالدولة وبمؤسساتها ويحترم قوانين البلد ويلتزم بها وينفذ واجباته تجاه الدولة والمجتمع على أحسن الأشكال ويحافظ على ممتلكات الدولة، التي يعتبرها في تلك الحالة ملكاً له، ويتولد فيه إحساس المواطنة ويترسخ الإنتماء الوطني في ذاته وفي كيانه وشعوره ويتنمى عنده الولاء للوطن وللأرض ويزول بالضرورة الولاء للأحزاب والأشخاص وللقادة التي تفقد قدوسيتها آنذاك، وبالتالي تبقى الدولة ومؤسساتها وحدها العمق السياسي ومصدر الضمان الإجتماعي للمواطن.

لكن عندما تكون الدولة ضعيفة، ضعيفة بمؤسساتها وفي قوانينها وفي إلتزامات المسؤولين الحزبيين والحكوميين وأجهزة الدولة بالقوانين، ضعيفة نتيجة سيطرة الحزب على مجمل الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية في البلد وتمركز الصلاحيات والقرارات بيد القادة والمسؤولين الحزبيين، حينما يمتلك رؤساء القبائل والعشائر القوة والنفوذ السياسي نتيجة علاقاتهم المتميزة بالسلطة وبالقادة ومسؤولي الأحزاب الرئيسية الحاكمة، حينها يفقد المواطن ثقته بالدولة وبمؤسساتها، وبالتالي يلجأ الى عمقه العشائري والقبلي والجغرافي والى إنتمائه الحزبي وعلاقاته الشخصية مع المسؤولين لحمايته وتأمين أحتياجاته والحصول على حقوقه المشروعة بالإضافة الى حصوله على إمتيازات شخصية غير شرعية ومخالفة للقانون، وبالتالي يستباح تفشي ظاهرة الفساد السياسي والإداري والمالي (هذا بالإضافة الى إن ظاهرة الفساد لها علاقة أيضاً بالقيم الأخلاقية والدينية والثقافية في المجتمع). حينما لايوجد قانون في البلد لحماية المواطن ولضمان حقوقه وتحديد واجباته، أو عندما يشعر المواطن بأن هناك جهات وأحزاب وأشخاص ومسؤولين فوق القانون ويقفزون على القانون بل هم القانون بعينه، عندها يوضع القانون جانباً ويفقد سلطته وبالتالي يسلك المواطن طرق وأساليب أخرى خارج حدود القانون لتأمين إحتياجاته ويؤدي بالنتيجة الى التوزيع غير العادل وغير المنصف لثروات وخيرات البلد بالإضافة الى حصوله على مواقع وظيفية في الدولة أو في الحزب عن طريق المحسوبية والمنسوبية وليس على أساس الطاقات والكفاءات العلمية والإمكانات السياسية الوطنية والعمل السياسي الشفاف والنزيه، وبالتالي فقدان العدالة الإجتماعية في البلد. هذه العوامل لها تداعيات خطيرة على المصلحة الوطنية العليا، وتؤدي بالضرورة الى تغليب المصلحة الشخصية والحزبية والعشائرية والجغرافية على المصلحة الوطنية، ومن ثم إضعاف الحس الوطني وفقدان الإنتماء الوطني عند المواطن، بينما يتعزز ويترسخ في المقابل الولاء للقادة والإنتماء للأحزاب الحاكمة وللعشيرة والقبيلة والجغرافية وتؤدي بالنتيجة الى شق الصف الوطني وإضعاف الروح الوطنية عند الفرد.

من ناحية أخرى يتوجب على الأحزاب الرئيسية الحاكمة في الإقليم التعامل مع المناسبات الوطنية الكوردستانية ، عند إحيائها، من المنظور الوطني ووضعها في إطارها الوطني وأن يسود الطابع الوطني والتلاحم الجماهيري أجواء تلك المناسبات والمأسي بالإضافة الى رفع رايات كوردستان فقط، من أجل تغذية الجماهير بالمفاهيم الوطنية وإصطفاف الجماهير حول التراث الوطني وفي سبيل تعميق الإنتماء الوطني وبناء المواطنة على القيم الوطنية لكي يشعر كل فرد في الإقليم بأنه جزء من الكل، والذي يؤدي بالضرورة الى تعميق وترسيخ اللحمة الوطنية. لكن ما نراه على أرض الواقع هو عكس هذا التوجه تماماً، حيث إن الأحزاب الرئيسية الحاكمة تغطي أجواء جميع المناسبات الوطنية بالطابع الحزبي وتحولها الى إحتفالية حزبية وتعمل على تلوين كوردستان بالرايات الحزبية، كل حزب في مناطق نفوذه، ويعم الخطاب السياسي الحزبي جميع المدن الكوردستانية، وبالتالي يتم تجريد تلك المناسبات من محتواها الوطني، وتؤدي بالنتيجة الى تقسيم كوردستان على أساس حزبي، بالإضافة الى تعميق وتغليب الإنتماء الحزبي على الإنتماء الوطني.

سياسة القوى الرئيسية الحاكمة خلال العشرين عاماً الماضية رسخت الإنتماءات الحزبية والقبلية والعشائرية في المجتمع، من أجل الإبقاء على سلطتها الحزبية والحفاظ على نفوذها السياسي، وهذه السياسة أبعدت المواطن عن الإنتماء للإقليم للمجتمع وللأرض وأصبح الحديث عن المصالح العليا للإقليم وعن الحقوق الوطنية والقومية للشعوب الكوردستانية في العراق مجرد شعارات وحديث المناسبات للإستهلاك المحلي، وأصبح الإنتماء الحزبي والعشائري الوسيلة المقبولة والطريق الأسهل للحصول على المصالح الشخصية وعلى فرص العمل في سبيل ضمان لقمة العيش، ويمكن تشبيهها بالوضع الإجتماعي والسياسي القائم آنذاك في عهد النظام العراقي البائد، حينما كان الإنضمام او حتى مجرد الإنضمام الشكلي لحزب البعث الفاشي الحاكم يعبد الطريق للحصول على فرص العمل وعلى الإمتيازات والتسهيلات في المجال الدراسي الجامعي، بالإضافة الى العيش بأمان بعيداً عن التعرض لإهانات وملاحقات رجال الأمن والإستخبارات. (للتأكيد مرةً أخرى التشبيه هنا ليس في التركيبة السياسية بين حزب البعث والأحزاب الرئيسية الكوردستانية الحاكمة، وإنما في النظام الحزبي القائم وتداعياته على الوضع السياسي والإجتماعي في الإقليم).

 

دانيمارك \ كوبنهاكن، الخميس 07 تموز 2011


 

free web counter