| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com

 

 

 

                                                                                      الجمعة 24/6/ 2011


 

لا تربط العجماءَ وهي بهيمة ٌ      إلا إذا أنت أطعمتها علفا

د. كامل العضاض

(الصراع من أجل الحرية)  

     قد يتساءل القاريء ما المقصود ببيت الشعر أعلاه، كعنوان لمقالة؟ المقصود بهذا البيت أن يكون مدخلا بليغا لإيضاح الجانب البايلوجي والنفسي، فضلا عن الجانب الإقتصادي، لمفهوم الحرية الفردية والمجتمعية في بلدان يتدنى فيها الوعي الإنساني، ويتوارث فيها الناس نمطا من العيش تحت أنظمة قاتلة للحرية الفردية والإجتماعية. ولكي نطرق الموضوع، بإختصار، لابد من شرح معنى البيت الشعري، أولا، لنستخدمه دالة ً لشرح موضوع الحرية الفردية والإجتماعية، كما يراها الحكام المستبدين بأمرهم بعينٍ ٍ تحتقر الإنسان ثم تستلبه.

·       ينطوي هذا البيت الشعري على حكمة إنسانية، فالبهائم، وهي الحيوانات غير الناطقة وغير العاقلة، تتمحور حياتها منذ لحظة الولادة الى لحظة موتها على غذائها، اما تكاثرها فهو وظيفة غريزية للحيلولة دون إنقراض نوعها، ما لم يبيدها فعل بشري. فالحكيم الشاعر يقول بأن على البشر المنتفعين من هذه الحيوانات الأليفة، وليست المتوحشة، أن لا يربطوها، أي يحبسوها دون إطعامها، فطباعها الغريزية قد ترتد الى التوحش؛ فالكلب حين تحبسه من دون إطعامه سيتحول الى الشراسة والتوّحش، والحيوانات الأليفة المنتجة، حين تجوّع، ستفقد من قيمتها الغذائية، عندما تذبح للغذاء، وتنخفض طاقتها الإنتاجية الوظيفية، عندما تُستخدم للعمل، فيخسر الإنسان المالك بعضا من قيمة ما يسميه رأس ماله. وهذا الإنسان المسخّر والمالك لها ينعت حيواناته هذه بالعجماء أي التي لا تستطيع أن تتكلم مثله، فما عليه إلا أن يفهمها ويدرّبها بالإشارة ونبرة الصوت والضرب أحيانا. والحرية هنا لا معنى لها لدى هذه الحيوانات، طالما هي تحصل لقاء إستعبادها على طعامها لحين ذبحها، إن إقتضت إرادة المالك.

·       أما الإنسان فهو حيوان ناطق وعاقل، ويعي بأن غذاءه يصون حياته وحياة أسرته، فحاجته للغذاء هي حاجة بايلوجية أيضا لكنها أكثر تنوّعا. وحينما يكون وعي هذا الإنسان متدنيا، وجاهلا بقيمته الوجودية، قد ينحدر الى مستوى الحيوان البهيم، فيصبح الحصول على غذائه هو مراده الأول، ولا يهمه، لا أمر حريته ولا تكافئه مع غيره من البشر، فيذعن ويستسلم لمن يقدم له الطعام، حتى ولو إستباحه وزجّه للموت من أجل مصالحه. و الأنظمة الطغيانية التي تصادر خيارات الإنسان تتمكن من إستلابه وإنزاله الى مستوى البهيمية، حينما يكون ذلك الإنسان غير واع بقيمته، وحين يستمكن فيه الخوف ويتدنى فيه مستوى الثقافة وتغيب عنه قيم الحق. والعكس صحيح، فالأنظمة الطغيانية، حتى لو ضمنت الغذاء لسواد الناس، فإنها لا تدوم، وذلك بفعل وعي سواد الناس بقيمتهم وبحقوقهم، هذا الوعي الذي سيفيق في يوم ما، فلا يظل الطعام وحده كافيا من أجل العيش بكرامة، فالإنسان لا يختلف عن الحيوان البهيم بالنسبة لحاجته البايلوجية للطعام، ولكن، لكونه حيوان عاقل وناطق لا يكفيه الطعام وحده، إنه يريده مع الحرية التي تحفظ كرامته وحقوقه. أتذكر في هذا الخصوص، في بداية الثمانينات من القرن الماضي، بأني سألت أحد أعضاء حزب البعث الصدامي، سؤالا غير مباشر، إذ قلت له، لو يمنح صدام الحرية للناس الى جانب الغذاء لكسب تأييدهم حقيقة وليس نفاقا! فأجابني بالقول، "هذا كلام ساذج، فنحن نفهم العراقي، أنه عبارة عن مِعدة، إن اطعمتها وأشبعتها صار صاحبها عبدا ونصيرا، فما تنفعه الحرية حين يجوع؟ أليست الحرية هي لتوفير الغذاء والماء والدواء وحتى التعليم والترفيه؟" يتضح من هذا الكلام بأن الكرامة الإنسانية لا تعني شيئا لمثل هؤلاء الناس. فالتنمية التي ينشدها الإنسان الواعي بحد ذاتها مطلوبة، ولكنها مرفوضة بدون كرامة، أي بدون حرية. فحتى تحت أنظمة القن الغابرة ثار العبيد غير العارفين أو الواعين بمعنى الحرية، لأن العقل الإنساني، مها بلغ محتواه المعرفي، يتوق الى الحرية بفطرته. ومنذ عصر العبيد الروماني، قبل الميلاد، ثار العبيد، لانهم لم يريدوا العيش بالخبز وحده، فهم رأوا بأن لهم حق بشيء من الكرامة أيضا. وكانوا قد وَعوا بأنهم بشر، كما هم النبلاء وغيرهم من "الأحرار"، فسئموا معاملتهم كسلعة، تباع وتشترى في سوق النخاسة، ويجري الكشف عن مزاياها الفيزياوية، فيتلمسها المتساومون، كما يتلمسون النساء المعروضات للبيع، كجواري، ويتحسسون نهودهن وأردافهن، ويسمعون أصواتهن، لتحديد مزاياهن الخدمية والجنسية، وبذاك يتحدد سعرهن. وتتحدد أسعار الرقيق حسب لون البشرة والقوة العضلية والنوع الجنسي ومظهر الخنوع البادي عليهم  أوعليهن. والحقيقة، هي أن التأريخ يعج بقصص الإمبراطوريات التي قامت على تسخير العبيد، ليس فقط للخدمة والجنس، إنما، ولغرض أهم؛ لتكوين الجيوش العاتية والتي لاتتردد عن القتل، ولا عن الموت من أجل مالكيها. فالإمبراطورية الرومانية, ربما هي التي أرست هذا النظام الظلوم، وتبعتها الإمبراطورية العثمانية التي قامت على أكتاف االإنكشارية والكودة بند والجندرمة، المكوّنة جيوشهم، بعد تدريبهم، عادة، من العبيد البيض المخطوفين. وهي التي إختطت أسلوب خطف الرقيق الأبيض، وهم أطفال بين الرابعة والخامسة من أعمارهم، من أحضان أمهاتهم، خلال غزواتها للدول الأوربية في القرون الوسطى، كاليونانيين والسلاف وغيرهم، وذلك على الرغم من كونها إمبراطورية قامت بإسم الإسلام الذي يشجع على عتق العبيد، وليس على سبيهم وخطفهم. وفي تأريخنا المعاصر، نجد بأن نظما قامت بإسم الجياع والمستلبين، من عمال وفلاحين وبرجوازيين صغار تشرّبوا بثقافة الحرية، لكنها بعدما إستمكنت سلبتهم حرياتهم وحوّلتهم الى أقنان، كما كانوا، وإن أصبحت بطونهم أقل خواءا من السابق، ولكن أفواههم بقيت مطبقة وآدميتهم دون آدمية أسيادهم، والأمثلة لا حصر لها، فالدول الديكتاتورية والقمعية لا تزال تشكل أكثر من نصف دول العالم اليوم.

·       فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، وإلا إنحدر الى مستوى البهائم. وما كان لهذا الشعور أو الإحساس بالحاجة إلا أن يشكل مصدرا دائما للتمرد والثورة، عبر العصور. صحيح انه منذ نشأة المجتمعات البشرية كان هناك وسبيقى صراع دائم من أجل العدل والمساواة، ولكن الفلاسفة الكبار  فسّروا طبيعة هذا الصراع، فمنهم وعلى رأسهم رائد من رواد الفلسفة الإجتماعية المادية، كارل ماركس، (1818- 1883)، فسّره على أنه صراع تمليه المصالح الطبقية، إذ ان مثل هذا الصراع يقسّم المجتمعات الى طبقات، المستلبة والمسحوقة والكادحة وتلك المتوسطة التي لا تملك شيء من وسائل الإنتاج، من جهة، والأثرياء ممن يملكون ويتحكمون بوسائل الإنتاج وكذلك بالسلطة، من جهة ثانية. ولأن مالكي رأس المال هم المتحكمون، فهم يسرقون جهود الشغيلة والطبقة العاملة المنتجة، ولا يتركون لهم سوى الفتات، الذي غالبا ما يكون دون حاجاتهم البايولوجية، ليعيشوا به، و لأنهم المتحكمون بالسلطة، فهم يمنعون عنهم، أيضا، هواء الحرية، حتى للمطالبة بشيء من الإنصاف.   وهذه حالة لا تنضج إلا وفقا لنضوج مرحلة النمو الرأسمالي، حيث يتصاعد التراكم الرأسمالي لدى الرأسماليين، من جهة، ويتصاعد الفقر و الإدقاع والحرمان من الحقوق السياسية لدى الطبقة البروليتارية، من جهة ثانية، وعندها، وبتوفر الوعي، تندلع الثورة وتطيح بالرأسمالية، ويحل محلها النظام الإشتراكي الذي سيقود، بفعل تناقضات من نوع آخر، الى قيام الشيوعية، حيث ستتعدم عندئذٍ التناقضات الإجتماعية، وتبقى تناقضات يفرضها الصراع مع الطبيعة. هذا النوع من الصراع الطبقي هو حالة خاصة محتملة، لو توفرت شروطها المادية والسياسية، وهي من ضمن الحالة الأعم والأوسع، تتجسد بصراع المصالح، أنّا كانت محرّكاته، مادية إنتاجية او متلفعة برداءآت متنوعة، منها الإضطهاد الأثني او التعصب الديني أو الطائفي، او غيرها من الولاءآت القاسمة للمجتمع، محوّلته الى فئات إجتماعية متناحرة. وهناك مفكرون إجتماعيون، مثل ماكس فيبر وهربرت سبنسر وغيرهما، قد أدلوا بمداخل مختلفة لصراع المصالح، طبقيا كان أم إجتماعيا، ولعل مداخلهم كانت أكثر تفائلا من المدخل الماركسي، فقد رأى سبنسر بأن التطور الإحتماعي لا يتحوّل الى صراع عنيف، لو سمح للجسد الإجتماعي أن ينمو بحرية، على غرار التطور الدارويني لإنتقاء الأجناس، أما فيبر فأنه رأى بأن هناك تضامنات ميكانيكية وعضوية تمليها المصالح المشتركة لطبقات المجتمع، فتؤدي الى توفيق التناقضات، إذا  ما توفرت، ليست فقط الحرية وإنما أيضا البيئة أو النظام الديمقراطي الذي يسمح بالتعددية التي تتيح  الوصول الى توافقات تضمن مصالح الجميع. ولعلنا نحن هنا نأخذ هذه الرؤية الى منحى اكثر تحديدا، وهو أن التناقضات الإجتماعية، بفعل الصراع مهما كانت دوافعة المادية الموضوعية أو الذاتية والنفسية، او العرقية والدينية، لا يمكن حلّها بوسائل سياسية ديمقراطية فقط، فهي قد تحوّل الصراع المادي الطبقي والإجتماعي الى صراع سياسي مستديم، يكسبه دائما المتنفذون، سواء كانوا أحزاب مدعومة بمليشيات أو رأسماليون يملكون السطوة المالية والإقتصادية، او مدعومة بقوى خارجية، ولذلك ينبغي ان يتوجّه النضال نحو إقامة نظام ديمقراطي إجتماعي، فمثل هذا النظام لا يضمن فقط الحرية السياسية، وإنما الحرية الإقتصادية، وذلك عن طريق الإتفاق على سياسات توفر كل شروط العيش الكريم للطبقات الإجتماعية المستلبة والفقيرة والكادحة؛ فهذه  الخاصية يجب أن تلازم طبيعة النظام السياسي الديمقراطي المنشود. وعندئذ ٍ يتحول الصراع الى صراع سلمي ومتكافئ، حيث أن الطبقات الإجتماعية، الأثنية والدينية والعاملة كلها ستملك ليس القوة السياسية فحسب، إنما أيضا قدرتها على خوض النضال السلمي دونما خوف على مصادر عيشها وعلى حقوقها الإجتماعية والإقتصادية المكفولة دستوريا.  ولكن من أهم شروط قيام النظام الديمقراطي الإجتماعي هو ليس فقط الوعي العالي والثقافة المتينة، إنما، أيضا وجود سياسيين وقادة يتمتعون ليس فقط بالشرف الإنساني وإنما بالشرف السياسي، وهي شروط تكاد تكون  صعبة المنال في عراق اليوم المهشم طائفيا ومذهبيا وعرقيا. وخلاصة الأمر فإن الديمقراطية الإجتماعية، في ضؤ خصائصها هذه، ستجمع حسنات العالمين، الرأسمالي والإشتراكي، وليس عيوبهما، وبدون عنف وكراهيات.  ومع كل ذلك سيبقى تناقض المصالح  ضمن الصراع الإجتماعي الأوسع نطاقا من الصراع الطبقي مهمازا دائما للنمو والإرتقاء.

·       ولو نظرنا مليا الى ما يسمى بالثورات العربية التي جرت وتجري في تونس ومصر واليمن وليبيا والآن سوريا، لوجدنا بأنه الى جانب شعار الخبز حمل المتظاهرون شعار الحرية والدعوة الى إقامة الديمقراطية، وهذا ما يؤكد بأن الخبز وحده لايكفي إنما يجب أن تصاحبه الكرامة، أي الحرية، بمعناها الواسع. بيد ان الثائرين، وإن نجحوا لحد الآن بإسقاط حاكمين مستبدين في تونس ومصر، طال خناقهما أنفاس الناس لعقود، لا يمكن أن يضمنوا تحوّل مطالبهم وتطلعاتهم الى حقيقة مؤكدة، وذلك لأن القادة والسياسيين الذين سيتم إنتخابهم ستنشأ لهم مصالح للهيمنة على الحكم لإطول مدة ممكنة، طالما ان وسائل الخداع والتأثير والموارد المالية المتوفرة والتي سيكمن الإستحواذ عليها بشتى الطرق الخبيثة أو التي ستدسها مصالح أجنبية، متاحة لهم بدون وجود رقابات علمية دقيقة ومسائلات سياسية صارمة لسد منافذ الفساد والخداع والغدر بأهداف الجماهير الثائرة. وما حصل في العراق بعد غزوه في عام 2003 على يد الحلفاء للخلاص من نظام إستبدادي، حيث كان يتطلع الشعب، تحت وطأته للحرية، جرى تقسيمه الى فئات تتناحر وسُلَّط عليه الإرهاب المدّمر و قادةٌ من الأحزاب الحليفة للغزاة الأمريكيين وحلفاءهم، وهم قادة لا يفتقدون، عموما، للكفاءة والتجرد فحسب، إنما يفتقدون ايضا للشرفين الإنساني والسياسي، مما أدى، ليس فقط، الى تبخّر أحلام الناس من غير المترفين والمرتبطين بالنظام السابق، بالحرية، إنما ايضا زاد فقرهم وجوعهم وموتهم، إذ سقط منهم مئات الآلاف من الأبرياء، وذلك تحت نظام  تحاصصي، مذهبي، إنقسامي غير كفؤ وغير حصيف، اقامه الغزاة ونفذه التابعون الأذلاء. وعلى ذلك نحن ندعوا الجماهير الثائرة، وبالأخص في سوريا وليبيا الآن، الى تشديد الدعوة الى إقامة الديمقراطية الإجتماعية، فعلا، تحت ظل نظام ديمقراطي إجتماعي يقوده ساسة شرفاء، مع ضمان الرقابة والمتابعة عن طريق تنظيم أنفسهم بكيانات سياسية تستطيع أن تفرض فعلا الديمقراطية الإجتماعية بمضامينها الإنسانية والإقتصادية والإجتماعية. ان نهوضَ الوعي الثوري الجديد في العالم العربي كان ولا يزال ثمنه باهظا، فقد سُفكت دماءا غزيزة غالية، ولكن لابد من من ختم مقالتنا هذه، إجلالا لهذه الدماء، ببيتين من شعر شوقي، رحمه الله، إبان الثورة السورية ضد المحتلين الفرنسيين بعد الحرب العالمية الأولى؛

وللحرية الحمراء بابٌ      بكل يد ٍ مضرجة تدقُ
دم الثوار تعرفه فرنسا     وتعلم أنه نورٌ وحقُ

 

  2011-06-23

 

 

free web counter

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس