| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com

 

 

 

الخميس 19/8/ 2010

 

الحالة "الذئبية" لدى غالبية قادة العملية السياسية
في العراق الراهن

د. كامل العضاض

يحكى أن بدويا شاعرا وفقيرا كان يقيم في أقاصى الصحراء، و لا يملك إلا شاة واحدة، تعطيه لحسن حظه وحظ إمرأته العجوز حليبا مدرارا. وبطبيعة الحال، أن تصبح تلك الشاة ليست فقط أغلى ما يملك بل أعز ما يملك. وعليه فهو أقسم بأنه لن يذبحها للطعام، حتى ولو توقفت عن إنتاج الحليب، بل وأفضع من ذلك، فهو لن يذبحها حتى للضيف، وهذه مخالفة شنيعة لقيم الضيافة لدى البدو، بل هو أقنع نفسه بأنه في هذه الحالة سيذبح جمله للضيف، ويجوب الصحراء على قدميه.
وفي يوم من الأيام، وبينما هو يجوب الصحراء بحثا عن صيد أو كلأ، وإذا به يسمع عواءا خافتا وشاهد مخلوقا صغيرا جدا يتحرك، فإقترب منه، لربما يكون جروا أو حيوانا صغيرا. وحينما وجده وتأمله عرف أنه جرو ذئب صغير، ولكن ذلك الجرو بدا فاقد البصر، ولا يقوى على الوقوف على قدميه، ناهيك أن يجد طريقه أو إطعام نفسه، فرفعه وتأمله، وقال لنفسه، لابد أن تكون أمه قد هجرته وهو في هذا العمر الصغير، إذ ليس في الأفق أية علامة لوجود ذئاب أخرى. على أية حال، صار واجبا عليه أن يرأف بحاله، فأخذه على ظهر جمله، وعاد به لخيمته، و طلب من زوجته أن تحلب الشاة لإطعام هذا الجرو المسكين، ففعلت. وبدأت الحياة تدب في ذلك الجرو الذي لم يكن قد شاهد أبويه، فهولا يعرف طباعهما، وهكذا صار جزءا لا يتجزأ من هذه العائلة البدوية الصغيرة في عمق الصحراء، وإشتد عوده وبدأ يلاعب الكلاب ويركض هنا وهناك بدون إتجاه، او معرفة مع من هو يلعب، لأنه لم يكن يستطيع الإبصار.
وفي أحد الأيام، عاد البدوي من جولته الصحراوية، وسمع إمرأته العجوز تنوح بجزع، فأسرع نحوها مستفسرا عما جرى، فأشارت بإصبعها الى جسد الشاة الممزق خلف الخيمة. وحينما تأمل جروح شاته الغائرة وطريقة إنشقاق بطنها، أيقن أن ذلك الذئب قد فعل فعلته الخسيسة، ففتك بشاته الغاليه، فتلبدت الدنيا أمام ناظريه. وكشاعر في قمة مأساته، أنشد شعرا، لا يزال يُعتبر من كنوز الأدب الجاهلي، ليس فقط لجزالته، وإنما لعظمة معانيه ولإنسانية مضامينه! وللأسف لم يبق في ذاكرتنا الآن إلا بيتٌ واحد منه؛ بيتا كان يَصفه لنا معلمُنا في ثانوية الناصرية، بأنه كان البيتُ المحوري، فهو القمةُ في الجزالة والإبداع والبلاغة والرقة والأدب، حيث قال:
قتلت شويهتي وكسرت قلبي فمن أدراك أن أباك ذيب؟
ولإستيفاء الدروس من هذه القصة من تراثنا الجاهلي والذي كان زاخرا، على غير ما يدّعي بعض الإسلامويين، بالكثير من الثقافة والقصص الإنساني الفريد. نود إبداء بعض الملاحظات المستوحاة من علم البايولوجي، ولست، بطبيعة حال، بايلوجيا. يقول علماء الوراثة بأن الكثير من الخصائص البايلوجية في جميع الحيوانات والنباتات تنتقل من جيل لآخر عن طريق الجينات، وخصوصا الحال لدى الحيوانات الدنيا والنباتات طبعا. أما الإنسان، فحالته متميزة، ذلك لأن ثقافته المكتسبة والمتجددة، بوجود عقل مفكر، تجعله يتجاوز تأثير جيناته الموروثة، واحيانا يتجاوز حتى مصالحه الوجودية، إذا كان قد إقتنع بقضية تهون من أجلها مصالحه هذه. فمتى إذن تصبح لدى بعض البشر حالة، كالحالة الذئبية التي عرضناها في هذه القصة؟ نحن لا نلوم الذئب حين يتصرف كذئب، وطبعا سنندهش حين يتصرف كمخلوق وفي! علما إن بعض الحيوانات الدنيا هي أشد وفاءا للإنسان من الإنسان نفسة، كالكلب، بل أن بعض الحيوانات الدنيا لا تطارد أو تقتل فريسة حينما لا تكون جائعة، كالأسد!؟ أين إذن هو مكمن إنسانية الإنسان ووفائه وإخلاصه في عمله؟ يمكن الإيجاز بالقول، بأن مكمن تميّز الإنسان عن غيره من الحيوانات الدنيا وبالذات عن الذئاب، يقع ليس في جيناته الموروثه، بل في عقله أولا، وفي أخلاقياته الروحية ومكتسباته الثقافية، ثانيا. فالإنسان حين يكون ثاقب البصيرة وسامي الروح وواسع الثقافة يدرك قبل غيره، بأن المنجز الحقيقي لمن يريد إمتلاك الحياة هو أن يهبها أغلى ما عنده من ثقافة وفن وعلم، وليس ما يستطيع نهبه وما يستطيع تكديسه من ثروات و أموال سواء عن طريق إستغفال الناس أوالتآمر عليهم، أو إدعاء علم وخدمة وقدرة لا يملكها، فهذا قد يستطيع أن يحقق أغراضه "الذئبية" هذه لأنه بقي يعيش بجينات ذئب وليس بجينات إنسان له القدرة على الحد من قدرة تأثير جيناته الوراثية عليه. فمعظم سياسيّي العملية السياسية الجارية اليوم، وعلى مدى ما يقرب من ثمان سنوات الآن لم يقدموا للناس سوى حالة بشعة من الجشع والإستقتال على المال العام والتهاون بمستقبل الناس وثرواتهم وأمنهم وعيشهم وصحتهم وثقافتهم وكل متطلبات ضمان وجودهم، وهم الذين أؤتمنوا عليها كلها، وهم الذين نهلوا من ماء العراق وشربوا من حليبه ونعموا بأمواله. وحالة العراق اليوم، كحالة البدوي الذي لا يملك سوى شاة واحدة تدر له الحليب، فمتى ماتت، ماتت كل آماله! فالنفط هو تلك الشاة التي تدر الحليب، فمتى نضب، نضب الحليب! ألا يدرك القادة ذلك؟

أنظروا حولكم، فالناس البسطاء هم الذين يموتون يوميا، وليس القادة. أحسبوا رواتب وإمتيازات القادة والنواب، وقارنوا، كم منهم راح شهيدا من أجل الوطن؟ أنظروا من يملك شركات الهاتف الجوال وغيرها؟ انظروا من هم الذين يملكون مليشيات القتل والسطو والإحتيال؟ أنظرو من هم الذين يتمسكون ببقاء المحتل؟ أنظروا من هم المتمسكين بالمناصب حتى ولو لم يحصلوا على أغلب المقاعد؟ انظروا كيف تُهدر الأموال العامة؟ وكم وزير هرب بمليارات؟ أنظروا وأنظروا....
أمام هذه الحالة المأساوية الفاقعة في تأريخ العراق الحديث، نجد أنفسنا، كمحللين، أما أمرين، الأول هو أن نعزو الأمر الى تكالب القوى الأجنبية، ولضعف الإلتزام الأخلاقي لمعظم وليس جميع القادة ولعدم أهليتهم ولجهالتهم، وبالتالي يتوّجب على العراقيين أن يبحثوا عن غيرهم من بين صفوفهم. والثاني، هو أن نركن الى النظرية الجينية، ونقول أنهم، أي معظم القادة، لديهم حالة " ذئبية"، أي أن جينات الشر الموروثة لديهم ليس لها ما يلطفها في دواخلهم من ثقافة وعقل وتجربة وأخلاق متسامية، كالوفاء، لذلك هم يتصرفون ببدائية النوازع وبجشع حيواني، وان الضمير لديهم قد مات في سكتة قلبية، وأرتدت حالتهم للحالة الذئبية التي وصفناها، ولله في خلقه شوؤن!
 

رمضان، 2010


 

free web counter

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس