د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com
الثلاثاء 14/10/ 2008
الأزمة المالية الضاربة - بعض الملاحظات حول أبعادها وتداعياتها
د. كامل العضاض *
Kaladhadh @yahoo.com
1. تمهيد:
معلوم أن الإقتصادات الغربية، عموما، والأمريكية، خصوصا، تقوم على آليات السوق والتنافسية الحرة، مع بعض الإستثناءآت الإحتكارية المحدّدة بالقانون. وهذا يعني، وفقا للنظرية الإقتصادية هنا، بأن السوق، أي قوى العرض والطلب، هي التي تحقق، في نهاية المطاف، التوازن الإقتصادي بين كافة النشاطات الإقتصادية، عند المستوى الذي يكون فيه السعر الإقتصادي مساويا للكلفة الحدية للإنتاج، وقد يضيف هامشا صغيرا من الربح الإعتيادي. وبموجب الصياغة التعادلية الآتية:
في حالة التوازن العام يكون؛ السعر= الكلفة الحدّية = العائد الحدّي؛ لجميع البضائع والخدمات؛[ In a general equilibrium situation; Price= marginal cost= marginal revenue ];for all goods & services; ceteris paribus.
ولكن هذه الصياغة تخضع لإفتراضات عديدة، غالبا ما تكون مثالية، ومنها:
(1) إن هناك نوع من الحرية الكاملة لحركة عوامل الإنتاج، السلعية والخدمية؛
(2) إن هناك شفافية ومعرفة كاملتين بأحوال السوق من قبل البائعين والمشترين؛
(3) إن الهياكل الإقتصادية متوازنة وغير مشوّهه، أي أن النشاطات الإنتاجية السلعية تشكل نسب رئيسة وليست هامشية في الإقتصاد الوطني. وهذا يقتضي أن لا تطغي نسبة حجوم القطاعات أو النشاطات الخدمية، وخصوصا منها، النشاطات المصرفية والتأمينية والإئتمانية، في مجموع حجم الإقتصاد القومي. أي أن لا يكون الإقتصاد العام منبعجا لصالح هذه الخدمات على حساب القطاعات أو النشاطات السلعية المادية والخدمية المرتبطة بها. وفي هذه الحالة الأخيرة سيصبح الإقتصاد ذو طابع صوري أو إسمي، (nominal )، أكثر منه حقيقي مادي.
من الناحية النظرية، يدعي أنصار الإقتصاد الحر الرأسمالي، بأن آلية السوق، تحت الإفتراضات المشار إليها، تعطي الثمار الآتية؛ كفاءة في الإنتاج وفي إستغلال الموارد الإقتصادية المحدودة، وفي تعظيم أرباح المنظمين، وفي إستدناء التكاليف؛ فضلا عن فوائد ترقية تقنية الإنتاج وتعظيم دخول المنتجين، الخ. وفي مثل هكذا نظام، هناك الكثير من الصدقية، لو ثبتت وصحّت الإفتراضات الأساسية آنفة الذكر. ولكن النظريات لا تحافظ على عذريتها حين تعمل ضمن سياق هياكل مؤسسية سياسية، تتناوشها المصالح الطبقية والفئوية المتصارعة في المجتمعات البشرية، حسب مراحل تطورها، مولّدة في كل مرحلة توفيقات تقترب أو تبتعد بهذا القدر أو ذلك عن ضوابط النظرية، إعتمادا على سطوة هذه الطرف أو ذاك في أتون صراع المصالح الإقتصادية والمالية.
2. خلفية المشكلة وطبيعتها الراهنة:
لو نظرنا للتأريخ الإقتصادي الغربي، عموما، والأمريكي، خصوصا، خلال القرنين الماضيين، لوجدنا ظاهرة تسمى بظاهرة " الدورات التجارية – Trade Cycles "، فهي تحدث، عموما، كل عشر سنوات، وبعضها قصير الأمد، (سنة واحدة أو سنتين)، وبعضها يتكرر، بشكل أو آخر، كل ( 5-7 ) سنوات، وبعضها الآخر وهو الأقل حدوثا، كل عشرين سنة أو أكثر قليلا. يلاحظ، خلال هذه الدورات، حصول إنتعاش أو إزدهار (Boom)، يتبعه بعد مدة كساد عام أو جزئي، (Depression )؛ وهناك تفسيرات عديدة لهذه الظاهرة، ( نستبعد منها التفسير المرتبط بنظرية بقع الشمس السوداء، والتي تقول بأن ظهور الكساد مرتبط بظهور هذه البقع؛ إذ لم يلاحظ بأن هذه الإرتباط مؤكد من الناحية التأريخية )؛ ولعلّ أهم التفسيرات تتلخّص بالآتي:
(1) في حالات الإنتعاش المتأتية من إرتفاعات هائلة في الطلب الإستهلاكي والإستثماري المالي، بصورة غالبة، يزداد الطلب على السيولة النقدية. وحينما تكون الضوابط الإقراضية في البنوك راخية ومتساهلة جدا، بسبب إغراء الأرباح المجزية، للمقرضين، ( المصارف )، تزداد المديونية الى حدود تتخطى قابلية المدينين على التسديد. والإنتعاش قد يسببه الإنفاق الحكومي العالي، سواء كان ذلك لأغراض توسيع الخدمات أو للأغراض العسكرية والحربية؛ مع ضمور الإستثمار الإنتاجي السلعي.
(2) ومن حالات الإنتعاش، هي حالة الإقبال الكبير على شراء المساكن والعقارات عن طريق الإقتراض من البنوك وشركات الرهن العقاري؛ والحالة المحددة، هنا، والتي كانت هي الفقاعة المحرّكة والمعجّلة للأزمة المالية الحالية، في الولايات المتحدة، هذه تمثلت بنشاط الرهن العقاري الذي أخذ حجما متضاخما منذ بداية العقد الحالي، حتى بلغ عدد الرهونات في عام 2006 وحده، أكثر من مليونين ونصف مليون مسكن؛ لقد تمت مصادرة ربع هذا العدد لعدم قدرة المدينين على التسديد في ذلك العام.
(3) فضلا عن الرهن العقاري، فقد إبتدعت المصارف الكبرى أدوات تسليف وإقراض وإئتمان، وبطاقات إئتمان، جعلت الحصول على القروض، حتى لأغراض المراهنات والإستهلاك الترفي والخدمات الشخصية، سهلا وميسورا حتى لمن لا يملكون دخول حقيقية للتسديد.
(4) ولغرض السيطرة على إحتمال نشوء تضخم كبير، تتآكل بموجبه قيمة عملة الدولار الأمريكية، فقد حافظ بنك الإحتياط الفدرالي الأمريكي على مستويات عالية لأسعار الفائدة، وخصوصا منها فوائد الإقراض، المقترنة بقواعد ميسّرة جدا للتسديد، وخصوصا في سوق الرهن العقاري.
(5) كل هذه العوامل أدت الى تضييق نسبة السيولة النقدية بالمقارنة الى حجم الإيداعات؛ أي إن نسبة النقد السائل في البنوك تدنّت الى حدود خطيرة؛ مما أدى الى فشل بعض البنوك في تسديد إلتزاماتها، أي إنها أفلست، أو أصبحت على وشك الإفلاس؛ وهذا ماحصل مع بنك ليمان بررذرز ولينج وغيرهما. والحديث هنا ليس عن ملايين أو مليارات، بل تريليونات الدولارات من الإلتزامات النقدية.
(6) وحينما تعجز البنوك أو تفلس، تنهار الثقة بالأسواق، وتتهاوى أسعار الأسهم والسندات في البورصات، ويخسر مئات الألوف أو حتى الملايين من الناس إدخاراتهم، وكل ماكانوا قد أنفقوه لإقتناء أصول مالية. وعندما تنهار الأسواق المالية، وهي تشكل نسبة هائلة من الإقتصاد الأمريكي، إذ هي تتداول بأصول مالية تبلغ من ثلاثة الى أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، المقدر بأكثر من 13 ترليون دولار في عام 2006. وهذا يعني بان الهيكل الإقتصادي الأمريكي قد أصبح مشوّها أو ممسوخا لحساب الأنشطة المالية الخدمية، وعلى حساب النشاطات الإنتاجية السلعية المادية.
فالصفقات المالية تولّد أرباحا هائلة ورقية، ولكنها لا تنتج بضائع وأصول مادية وخدمات إنتاج مباشرة؛ وعندما تكون هناك نسبة هائلة من المشتغلين والموظفين في القطاعات المالية والمصرفية والإئتمانية والخدمية؛ وتنهار هذه القطاعات، يفقد هؤلاء الملايين وظائفهم، وبالتالي دخولهم الحقيقية؛ ويتعذر عليهم التمتع بنفس المستوى الإستهلاكي، مما يؤدي الى إنخفاض وحتى إنهيار في أسعار السلع والخدمات؛ أي يعم الكساد؛ ويتجسد كل ذلك بإرتفاع البطالة وإنخفاض الأسعار، وإنهيار الإنتاج. وعند هذا المعترك، يصبح من أوجب واجبات الحكومة الفدرالية أن تنقذ الإقتصاد الأمريكي، فهي مجبرة للتدخل لتغطية العجز في سيولة المصارف، أما بتملكها أو بإقراضها أو بتأميمها؛ وقد تم تقدير مبلغ بحدود ال (700) مليار دولار، من قبل الإدارة الأمريكية، لسد العجوز لدى المصارف شبه المفلسة.
3- التداعيات والآثار العالمية:
(1) تنبثق التداعيات والآثار العالمية للأزمة المالية الحالية في الولايات المتحدة من خلال طبيعة وحجم ودور الإقتصاد الأمريكي في الإقتصاد العالمي، ودرجة إرتباطاته وحجم صلاته وتبادلاته مع دول العالم الأخرى، إبتداءا من شركائه التجاريين وحلفائه السياسيين في أوربا، أي بريطانية، ودول الإتحاد الأوربي الأساسية، كفرنسا وألمانيا وإيطالية، ودول العالم الأخرى، الصناعية منها والنامية والفقيرة. ذلك لأن الإقتصاد الأمريكي يهيمن على أكثر من ثلث التجارة الدولية، وهو من أكبر مستوردي الخامات والمواد المصنّعة في الدول النامية، ومنها النفط الخام من دول منظمة الأوبك؛ كما يعتبر من أهم المصدّرين للسلع التقنية، فضلا عن حجم إستثماراته الهائلة في بقية العالم. وعلى ذلك، حينما ينتاب هذه الإقتصاد الكساد العام، ستنخفض إستيراداته من بقية العالم، وستنخفض صادراته أيضا، وستتقلّص إستثماراته؛ وبذلك ستنكمش الأنشطة الإنتاجية والتجارية في يقية العالم. ولكن حدّة هذه التداعيات ستعتمد في آثارها المباشرة وغير المباشرة على مقدار درجة التداخل والتعامل لإقتصاد كل دولة مع الإقتصاد الأمريكي. فمثلا، يستورد هذا الإقتصاد من الدول المنتجة للنفط في العالم، وبصورة خاصة من دول الخليج والعراق وإيران، أكثر من ثمانية مليون برميل يوميا. فلو إنخفض الإنتاج في الإقتصاد الأمريكي بمقدار (%50) ستنخفض صادرات الدول النفطية، بما يقرب من هذه النسبة، مما يتسبب. بالتأكيد، في خفض أسعار النفط الخام بنسبة كبيرة جدا؛ ومما سيخفض، بذات الوقت، عوائد هذه الدول من صادراتها النفطية الى درجة حرجة.
(2) وبسبب ضخامة الإقتصاد الأمريكي وهيمنته على التجارة الدولية، فمنذ الحرب العالمية الثانية صارت العملة الأمريكية، الدولار، عملة عالمية، أي أنها أصبحت تشكل إحتياطي للعملات الوطنية لمعظم دول العالم. كما أحتفظت دول كثيرة، ومنها الخليجية، على وجه الخصوص، بإستثماراتها وحافظاتها المالية، سواء في الولايات المتحدة أو في دول العالم الأخرى، كبريطانية ودول الإتحاد الأوربي وغيرها، بعملة الدولار الأمريكي. وحين تتعرض هذه العملة للتذبذب الكبير، ستتذبذب أيضا عوائد الحوافظ المالية لهذه الدول. وفي حالة الكساد العام، من المرجح أن ترتفع قيمة عملة الدولار الأمريكي، مما سيشكل مكسبا للدول ذات الإحتياطيات بهذه العملة، ولكن سيقابلها تقلص في كمية وقمية صادراتها أيضا. وبطبيعة الحال، إن الكساد سيطال الكثير من المشاريع الإنتاجية في الدولة الشريكة في التجارة الخارجية مع الولايات المتحدة، لا سيما إذ كانت تلك المشاريع تعتمد على الولايات المتحدة في مستورداتها أو صادراتها. وعلى أية حال، لا يمكن تعميم هذه الآثار على جميع الدول، إذ لابد من دراسة كل حالة بحالتها؛ وليس هنا المجال لذلك.
(3) أما الدول الفقيرة التي تعتمد على الولايات المتحدة في تلقي الإعانات والدعم التكنولوجي وحتى العسكري، فقد تتأثر حينما يعم الكساد الإقتصاد الأمريكي، فتضطر الحكومة الفدرالية الى مراجعة أولوياتها وتعاملاتها المالية والإستثمارية في العالم كله.
ويبقى سؤال مهم لابد من الإجابة عليه؛ وهو، هل سيكون هذه الكساد عاما وضاربا لمدة طويلة، ويلف العالم كله؟ وهنا لابد من النظرفي حزمة الإجراءات والإصلاحات الفورية التي سيتحتم على الحكومة الفدرالية الأمريكية، وحكومات الدول الصناعية، الأوربية وغير الأوربية إتخاذها، كما هي الآن فاعلة بصورة جدية.
4- الإجراءات المتخذة لمعالجة الأزمة والتوقعات:
إبان كل تأريخ الكسادات التي تكررت في عالم الدول الرأسمالية الأساسية، لوحظ إن القيادات الرأسمالية لا تتوانى لحظة عن إيجاد الحلول والمخارج، ليس فقط لمعالجة الأزمة المالية ولتخفيف آثارها المباشرة وغير المباشرة، وإنما لتبتدع نظما وضوابطا لإصلاح عيوب النظام الراسمالي، ولتفادي إنهياره الكامل؛ بل إن المشاهدة التأريخية منذ الحرب العالمية الأولى حتى الآن، تفيد بإن الرأسمالية العالمية تعيد تكييف نفسها وتعالج أزمتها، من خلال وضع الضوابط المالية والنقدية والسعرية والإنتاجية والتجارية؛ وهذا لا يتضمن إلغاء لبرالية النظام ولا فلسفة آليات السوق الحرة، ولا إعادة النظر في علاقات الإنتاج، ولا في تضييق مبدأ التجارة الدولية الحرة؛ إنما بإعادة التوازن الداخلي لإقتصاداتها والتدخل الجزئي للهيمنة على مواقع القرارات المالية والنقدية؛ وهذا ما فعلته أو تحاول أن تفعله خطة جورج بوش الحالية، بضخ (700) مليار دولار للبنوك المفلسة، والسيطرة على رؤوس أموالها. أما في بريطانية فقد تم تأميم بعض البنوك الضالعة في هذه الأزمة. ولعلّ وقفه قادة الدول الصناعية في إجتماعاتهم المكوكية المتعددة خلال الأيام الماضية، ماهي إلا محاولات جدية، أولا، لإعادة وتعزيز الثقة بالإقتصادات الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها الإقتصاد الأمريكي، وثانيا، لإعادة دور الدولة التدخلي في المفاصل المالية والمصرفية والإئتمانية المهمة؛ وهذا التدخل سيعيد الكثير من الضوابط والقيود الكلاسيكية في إدارة نشاطات المصارف وبنوك الرهن العقاري وبقية مؤسسات الإئتمان، ومنها الحفاظ عل نسبة متناسبة من السيولة النقدية بالمقارنة الى حجم الودائع، ووضع معايير للتسليف والإئتمان، وللسيطرة الكاملة على عرض النقود، ولتصحيح أسعار الفائدة، وللتسهيل عل المدنيين لتسديد ديونهم، وربما لمراجعة كل الإبتداعات المالية التي هي أشبه ما تكون بالمراهنات، كالبيع الآجل وأدوات الهجز أو الحماية، أو المضاربات المستقبلية وغير ذلك. ولعلّ فترة اللبرالية الفالتة هي الان على وشك الأفول. وبهذا سوف لا يفرح رفاقنا الماركسيون بقرب موت الرأسمالية، كما تنبأ بها كارل ماركس؛ الرأسمالية تعيد إنتاج نفسها بوسائل متعددة. بيد إن ما قد يشف من خلال هذه الأزمة، لو وضعت في سياقها التأريخي، بأن الرأسمالية العارية التي لا ترتدي أية أغطية إجتماعية وإنسانية، لإنصاف الطبقات الكادحة والشغيلة والبرجوازيات الصغيرة، ستكون مجبرة، بفعل الأزمات وكفاح فقراءها وكادحيها وفقراء العالم، الى أن تعود لإرتداء بعض ملابس الحشمة الإجتماعية والإنسانية؛ فالتأريخ لا يسير بحتميات جامدة، كما دلّت على ذلك شواهده الحيّة، ذلك لأن وعي الإنسان المتعمد بمصالحه قبل كل شيء، يفعل مفعولاته للتطور صوب الحرية الإنسانية بخطوات ووثبات لا يمكن التنبؤ بها مفصّلا، إنما يبقى الرقي البشري، عبر التأريخ، مرهون بتراكم الوعي البشري. فهل ستطول هذه الأزمة؟ أغلب الظن بانها سوف لا تطول لأكثر من سنة. وسنرى.
14 أكتوبر 2008-10-14
لمزيد من التفاصيل، أنظر:1. George Soros – Chairman of Soros Fund Management, “ The worst market crisis in 60 years “, Jan. 2008, FT.com
2. Brookings Institutions, “ State and Federal Ploicy in the Foreclosure Crisis “, 10 Oct. 2008.
3. Latest Issues of:
a. Financial Times;
b. Economist;
c. Wall Street Journal.