جواد وادي
Jawady49@hotmail.com
هل من رادع لهذا الفساد؟
جواد وادي *
لا يكاد يمر يوم إلا ونكتشف فسادا جديدا لشخصية كانت بالأمس تصول وتجول على الفضائيات،وتدعي بأن العراق سيعود واحة بناء وأمن وسلام، وأن البنية التحتية ستعرف تغييرات هائلة، وأن بغداد ستشهد بناء آلاف المدارس، وإن ملف الكهرباء سيحل بالكامل، وسيرتوي العراقيون ماء زلالا، وعلى إمتداد اليوم بكامله دون توقف، حتى نفاجأ بأن هذا المسؤول هو مجرد لص وناهب للمال العام وإنه قد شكل عصابة نهب تحيط به لتوزيع البركات على الجميع، ويقينا مطلوب من كل الأطراف الصمت، إيمانا منهم جميعا بأن الفساد قد زحف على كل مفاصل الدولة، وأقول الدولة وليست الحكومة، حين يستشري الفساد على رقعة العراق ولم يقتصر على أفراد وجماعات، إنطلاقا من مبدأ (إذا عمت هانت).
على إمتداد سنوات التغيير التي قاربت العقد من السنين ونحن، عراقيين وغير عراقيين، نعيش حالة من الترقب وفي غاية الغموض وعدم الفهم من إستشراء الفساد، ما عرف تاريخ البشرية له مثيلا، والدليل على ذلك، وهنا نحن لا نبالغ أبدا في تناول هذه الظاهرة الكارثية، حين يطل علينا السيد رئيس الوزراء ليعترف هو بنفسه بوجود فساد كبير في كل مفاصل الدولة، بالإضافة إلى تصريحات كل المنتمين للكتل الحاكمة، بوجود فساد ولا من تدابيز للحد منه. قدرنا اللعين أن نرى ونلاحظ ونطلع ونسمع بتناسل مافيات الفساد بشكل خطير ومخيف.
البنية التحية مخربة، والخدمات متوقفة، وتجاوز حالة خراب البلد التي باتت سمة لا يخجل منها السؤولون، ومع ذلك فهم يتبجحون بإنجاز ملفات بناء هامة، وهناك العديد من المشاريع في طور الإنجاز والتي ستجعل من بغداد وبقية أرجاء البلد جنة في المنطقة، وحين نتابع كل هذه التصريحات وما موجود على الواقع، نكتشف أن كل هذا الكلام مجرد رياء ولا يجانب الحقيقة، بل هو منافي بشكل مقزز وما يعيشه العراقيون من تفشي الفوضى في كل مفاصل الدولة، من نقص حاد في الكهرباء والماء والخدمات والنقل وتنظيم السير على الطرق داخل وخارج المدن وغياب الخدمات بكل أشكالها، حتى من تكدس ركام الأزبال في كل حي وشارع وزقاق، ناهيكم عن أزمة الشغل والتعليم والصناعة التجارة والثقافة وقبل كل شئ، أزمة استتباب الأمن وهو المطلب الرئيسي للمواطن العراقي المبتلي بكل هذه الملفات التي تدخل بكل تفاصيل حياته اليومية...
فماذا تبقى إذن لكي نتفق مع المسؤولين وما يذهبون إليه بأن العراق مقبل على تغييرات في غاية الأهمية؟!!
هل هم يضحكون علينا مع علمنا بهذه النوايا من إستغفال الناس، وأين هي الملايير من الدولارات والتي لا يتوقف المسؤولون يوما في الإعلان عنها، موزعة على كل الوزارات خدمية وغيرها من أجل الوصول إلى بر أمان بناء البلد وواقع الحال يثبت بعدم وجود أية ملفات للبناء والعمل، والعراقيون المراقبون لكل هذه التصريحات يعيشون لحظة بلحظة مع إنعدامها بالمطلق ما عدا بعض الترقيعات والتي لا ترقى إلا لمستوى ذر الرماد في العيون.
في المقابل بات ملف الفساد، وكأنه درس يومي يتلقى العراقيون فحواه وكوارثه بأفواه فاغرة لشدة العجب وعدم التصديق، وهم يلوكون أخبار هذا الفساد المخيف الذي وصل إلى مجاهل أفريقيا وبات معروفا للقاصي والداني، ولعلم القارئ الكريم، فإن هذا الملف بات حديث الأخوة المغاربة وتعجبهم بوصول العراق إلى هذا الدرك، متمثلا بمسؤوليه الذين جاءوا على أنقاض حكم متهالك ورث، آملين، عراقيون وعرب وكل شرفاء العالم أن ينهض العراق من جديد معافى ليشعر العراقيون أن التغيير جاء لصالحهم، وأن ما جرى من إزاحة لأعتى وأشرس نظام دموي عرفته البشرية، سبب الكوارث للعراق والمنطقة، ما زال العراقيون وغيرهم ممن إكتوت جوانحهم بذلك الزحف المخيف، يحصدون نتائجه الخطيرة رغم زواله لما يناهز العقد، وسيظل العراقيون يعانون من خرابه لسنوات عدة، ورغم كل هذا الفرج، فوجئ العراقيون بالصدمة العظيمة، بإنتشار ظاهرة لم تكن بهذه الصورة وهذا الإتساع حين يتحول من يتسم بهم العراقيون الخلاص من نتائج ما تحملوه من ظلم وتهميش وجوع وحرمان وقتل يومي أرعن ولأتفه الأسباب، إلى مصدر خراب ونهب وفساد وتقاتل من أجل الإمتيازات، مكرسين الطائفية والإثنية والقومية والتعدد العرقي، لا بقصد أحترام كل هذه المكونات العراقية بإعتبارها أمرا واقعا ومصدر عافية للمجتمع بتنوعه العرقي والإثني، من شأنه أن يغني أية تجربة سياسية من أجل بناء مجتمع متحضر ومدني يتسم بتنوعه الجميل بكل أطيافه وموزائيكه الرائع، إنما ما حصل هو تكريس مرفوض ومستهجن للطائفية، لا بقصدية بناء مجتمع متماسك للإستشراف على مستقبل مشرق يكون بناء الوطن والإنسان على حد سواء من أولى أولوياته، بل أدى هذا الفعل الطائفي إلى تكريس المحاصصة بإسم الطائفة والقومية والمذهب لنيل إمتيازات شخصية أكثر ونيل سلطات أوسع وتحولت دوائر الدولة في العديد من مفاصلها إلى ضيعات مصغرة موزعة على تلك الطائفة وهذا المذهب أو الفصيل السياسي والقومى، تاركين مسألة البناء فقط للإستهلاك الإعلامي ولجر التابعين لكل هذه (الجلجلوتية) ليلوذوا تحت أرديتهم لأسباب عدة، إما لجهلهم أو لتخويفهم من خسران هذه الفرصة التي انتظروها لقرون للوصول إلى الحكم، أو للخوف من مواجهة ذات المصير في مقاتلة المركز للقوميات وما شابه، علما أن العراقيين باتوا على دراية بأن ما جرى لهم بعد التغيير لم يكن إلا ضحك على الذقون.
قلنا أن أقصى شعوب الأرض خبرت وتطلع يوميا إلى إنتشار الفساد بشكل سرطاني مخيف، وأن الكل يعرف ويصرح ويعترف بمن فيهم المسؤولين بهذه المحنة العراقية الجديدة وباتت الملفات أوضح مما يتصور، وتم فضح ومطاردة وإتهام وتحقيقات يومية وتبيان قرائن لا يطالها الشك، ولكن لا إعتقالات ولا مساءلات ولا توجيه إدانات ولا معاقبة أي كان، ليظل الملف يراوح مكانه ولنكتشف يوميا سقوط أسماء جديدة في هذه الدائرة المفرغة والتي لا يبدو أنها ستتوقف ما دامت الإجراءات لم تصل لمستوى الإعتقال ثم الإدانة ثم إيداع اللصوص السجون لينالوا عقابهم وإستعادة أموال الشعب المسروقة، لنقول أن الدولة العراقية تتمتع بالمصداقية وإنها حقا دولة الحق والقانون والمساواة والعدل الإجتماعي.
وها نحن اليوم نتوصل بخبر سقوط محافظ بغداد في ذات دائرة البلاء هذه والتي سنكتشف في القريب العاجل سقوط أسماء جديدة، والأيام القادمة حبلى بالمزيد ما دام الصمت المريب إزاء هذا الملف يظل قابعا في دهاليز لا يتوصل لفهمها إلا اللصوص ذاتهم والقابعون في نفق الخراب والنهب و(الحرمنة)...
ورغم ركام ملفات الفساد الهائل وفضائح نهب المال العام، يدعي الكل بأنهم مظلومون وأن هذه التهم ضدهم هي مجرد إفتراءات، فمن يا ترى هم اللصوص؟
ليعود غير الفاسدين والشرفاء عملة نادرة في عراقنا الجديد...
بعد إنتشار هذه الظاهرة في أوساط من إنتخبهم من العراقيين ومنحوهم الثقة الغالية المعمدة بالدم والتضحيات، لم يبق سوى السؤال الكبير والعريض والأكثر سعة وحجما وهما وبلاءا :
ألا يوجد في الدولة مسؤولون شرفاء وغير فاسدين؟
وهنا ينبغي أن لا نعمم الحالة على الجميع، لأنه سيصبح الأمر تجني وظلم ومصادرة نقاء البعض.
إنما نحن نتساءل بشكل مشروع وإستنادا لما نحتكم عليه من وقائع فساد خطيرة:
إذا كان الفساد بهذا الإنتشار ويتوزع على الجميع.
ألا يوجد في العراق غير فاسدين ممن يتسيدون سدة القرار اليوم؟!
* شاعر ومترجم وكاتب عراقي مقيم في المغرب