جاسم المطير
الثلاثاء 2/6/ 2009
مسامير جاسم المطير 1615
بصراحة أقول :
ما اجتمع فساد و ديمقراطية إلا وكان الشيطان ثالثهما ..!جاسم المطير
من اكبر عيوب الديمقراطية العراقية أنها أهملت عند اختيار الوزراء في ثلاث تشكيلات وزارية مبدأ التخصص ، أي أن الدكتور أياد علاوي ، مثلا ً، لم يشترط في تشكيل حكومته مثلما تشترط الحياة السياسية في سنغافورة عند تشكيل مجلس الوزراء السنغافوري أن يكون الوزير " مختصا " في الشئون التي يشرف عليها . كذلك انتابت الدهشة جميع نخب الشعب العراقي حين رأت الدكتور إبراهيم الجعفري يختار أسماء اغلب أعضاء حكومته ليس اعتمادا على نظرية فلسفية بريطانية تقول بضرورة سيادة التكنوقراط في غالبية التشكيلة الوزارية ، بل اعتمد على علاقات الجغرافيا الحزبية وعلى التاريخ الوراثي الطائفي القائل بأن الصديق ينفع في وقت الضيق ،أي أن كل صديق لرئيس الوزراء يصلح لكل شيء ، لكل زمان ومكان .
طالما " الوزير الأول " يملك فصاحة اللسان واللباقة فلا حاجة لرجاحة العقل لدى " الوزير الثاني " مما لا يساعد على خلق تقاربات ملموسة بين النظام البرلماني الكلاسيكي الحر وبين التشكيلة الوزارية المتخيلة بأنها ديمقراطية .
أما الأستاذ نوري المالكي فقد قام بتجربة جديدة ، حتى دون الاستفادة من تجارب الحكومات التايلندية المتعاقبة ، حين اختار اغلب الوزراء في حكومته اعتمادا على نظرية قالها ذات يوم شارل ديغول : ( إن الشخص الذي لا يصلح لإدارة متجر أو مصنع أو حتى مزرعة فانه يمكن أن يكون صالحا لإدارة شئون إحدى الوزارات ..) وقد تخطاها نوري المالكي نحو " التوافقية " غير واضحة الحدود والمعاني والممارسات .
هكذا حصل في الوزارات الثلاث . لم يهتم الرؤساء الثلاثة بغير اختلاطٍ حزبي ٍ بين مجموعات متباينة ، أكثرها ليس متجانسا ، حتى صار الحزب ، بنظرهم ، هو الوطن ، والطائفة هي الشعب ، والتوافق هو المبدأ . شاهدنا خلال هذه النظريات العجب العجاب .. شاهدنا شخصا كسولا مذ كان طالبا في المدرسة الثانوية يصبح بقدرة قادر وزيرا ، وشاهدنا شخصا آخر يبلغ جهله بالقضايا العسكرية جهل جدتي حليمة ومع ذلك أصبح وزيرا للدفاع ..! كما رأينا شخصا ثالثا ينتقل من وزارة إلى أخرى ، حسب الطلب . نحترم والله كفاءاته الهندسية لكن جدلنا يتصارع في نمو تلك الكفاءة واستخدامها في وزارتين لاحقتين تتطلبان نضوجا تاما واختبارات ليست هندسية بأي حال من الأحوال . مرة صار وزير الإسكان والأعمار وثانية هو وزير داخلية وثالثة هو وزير المالية العراقية . كما معروف أن لكل وزارة من هذه الوزارات الثلاث محاورها الكبرى ..! أما وزير الثقافة العراقية فقد احتل هذا المنصب ، يوما ما ، مـَن كان مِن شياطين الإرهاب الدولي في العراق ، وهو ما زال مختفيا بسبب مطاردته من قبل البوليس الدولي بتهم القتل والتفجير واغتصاب حقوق الناس .
كثير من النواب دخلوا البرلمان بنفس الشاكلة .
كثير من وكلاء الوزراء والسفراء والموظفين الكبار والصغار دخلوا إلى مناصبهم تحت ظلال الطائفية والمحاصصة وما شاكل ذلك ..!
كثير من النساء دخلن إلى مناصب بطريقة الكوتا التي تخفي عيوبا غير مرئية .
آخر أنواع أزمات الديمقراطية العراقية وجدها العراقيون ليس عند السياسيين حسب، ليس عند رجال الأعمال حسب ، بل وجدوها عند وزير من وزراء الدولة العراقية هو معالي السيد وزير التجارة الذي ظل منتصبا في مكتبه بالوزارة زمنا طويلا على الرغم من شدة ما قذفته خراطيم المياه عليه من يد ملفات الشيخ صباح الساعدي ، رئيس لجنة النزاهة في البرلمان ، منذ حوالي 6 شهور . ظل السيد الوزير ملتصقا بمنصبه رغم كل الأصوات المنادية بنعومةٍ ، لكن بعلوٍ مرة ً ، وبخفوتٍ مرة ً ثانية ، بضرورة استجوابه داخل مجلس النواب تطبيقا للديمقراطية واحتراما للدستور .
في الأسبوع الماضي زال تمرد السيد الوزير وحضر مشكورا إلى جلستين في مجلس النواب وقد ظن الكثير من الناس أن مثل هذه الخطوة بإجراء الحساب والكتاب سيكون عاملا من عوامل الانتعاش الاقتصادي في مدينة الديوانية التي اعتقل فيها شقيق السيد وزير التجارة وهو يحاول الهروب والتهريب ، الهروب إلى مدينة البصرة وتهريب أموال منهوبة من الدولة العراقية المغدورة بمؤثرات الفاسدين وأساليب الفساد ..!
بعد ساعات من حساب الادعاء والدفاع في مجلس النواب خرج معالي الوزير منتصرا عائدا إلى بيته مرتاحا ، ساخرا من سلطان مجلس النواب ، ثم جاء في أخبار الفضائيات ، بعد 24 ساعة فقط ، إعلان مثير لم يشهد العالم الديمقراطي له نظيرا حين قيل أن السيد رئيس الوزراء وافق على استقالة ٍ كان الوزير قد قدمها قبل أسبوعين( يوم 14 – 5 ) مما أثار زوبعة من أسئلة كثيرة ، بين أعداء السيد المالكي وأصدقائه ، بين حلفائه وخصومه ، عن مدى دستورية هذا القرار المصحوبة أسبابه بنوع من الغموض .
هذا الخبر احدث صدمة في مجلس النواب ، مثلما احدث صدمة في الشارع غير المحيط بمجلس النواب ، لكن الناس ظلوا فاغرين حلوقهم حتى هذه الساعة ، متسائلين: هل جاء قرار السيد نوري المالكي رئيس الوزراء لينقذ أخلاقية السيد الوزير..؟
أم أن السيد المالكي لا يعلم أن قرارا مثل هذا يمكن أن يخلق أزمة حقيقية في العلاقة بين البرلمان المتشدد في محاسبة الفساد وجميع المفسدين ، وبين عناصر كثيرة في السلطة التنفيذية من غير الآبهين بتعاسة الملايين من أبناء الشعب العراقي المحجوبة عنهم خدمات الدولة ..؟
ألا يعلم السيد رئيس الوزراء أن خصوم الديمقراطية العراقية كثار ، داخل الوطن وخارجه ، ينظرون دائما بعينين شيطانيتين حمراوين لكل خطوة من خطوات غفر ذنوب المتهمين بالتلاعب بأموال الشعب ..؟
اللغة الرسمية في الخطابات التلفزيونية ، مهما كانت بليغة أو منمقة ، فأنها لا تتماشى مع واقع جديد يريده الناس لحياتهم الجديدة . إنهم لا يريدون نصف الحلول ، لا يريدون حلولا زائفة . يريدون مواقف صارمة بوجه الفساد . يريدون " صولات " جديدة تعيد الحق إلى نصابه . يريدون نظاما ديمقراطيا يؤمن شراكة حقيقية بين الدولة والناس والبرلمان ، بين الراعي والرعية ، وإلا فان العقد الاجتماعي العراقي لن يظل صامتا حين تتهافت الديمقراطية العراقية وحين تظهر شقوق في العقيدة الوطنية على حساب لملمة العقيدة الحزبية أو الطائفية .
يظل الناس في ظل أزمات الديمقراطية العراقية المتجددة يهمسون أو يصيحون بصوت عال :
لا خير في برلمان لا يستطيع أن يحاسب وزيرا ،
لا خير في برلمان لا يراقب وزيرا،
ولا خير في برلمان لا يوفر لسكان العراق مياها صالحة للشرب .
في هولندا يقول كل مسئول في الدولة ملخص فلسفته : أنا ديمقراطي إذن أنا موجود .
بينما في العراق يقول كثير من مسئولي الدولة : أنا مليونير إذن أنا موجود ..!!
سيدي ومولاي رئيس الوزراء : إلى متى يستمر آلاف الموظفين العراقيين من الفاسدين ومـَن هم في طريق الفساد يقفون مسيطرين على شبكات الدولة كلها ، مشغولين بالبحث عما يزيد أموالهم يوما بعد يوم ، يقامرون بمصالح الوطن من اجل أن يوفر لهم فساد ذمتهم مزيدا من الثراء والرفاهية لهم ولأبناء عائلاتهم ومن اجل الانضمام لنوادي المليارديرية في العواصم الأجنبية على حساب بؤس الشعب العراقي الخارج توا من نظام المقابر الجماعية ..!
************
· ربّاط الكلام :
• نصيحتي لجميع الوزراء بضرورة قراءة قصص الفاسدين في العصر الأموي والعباسي والعثماني كي لا تصدمهم قصص الفساد في العراق الحالي ..!!
************
بصرة لاهاي في 27 - 5 – 2009