جاسم المطير
الخميس 1/4/ 2010
صفو الذكرى الشيوعية السنوية في ظل مشاعر المرارة الانتخابية
جاسم المطير
مثلما أضفى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت على الفكر معيارا خاصا للوجود بقوله (أنا أفكر إذن أنا موجود ) كذلك وجد الباحثون السياسيون العراقيون أن الشيوعي العراقي منذ أول صباه يقول في استمارة طلب انتمائه : ( أنا أناضل من اجل الفقراء إذن أنا موجود) .
هذه حقيقة بل كانت نقطة الانطلاق الأولى بعد إعلان تأسيس الحزب الشيوعي العراقي قبل 76 عاما فــ"الوجود الشيوعي" ونضاله من اجل حقوق العراقيين الفقراء من العمال والفلاحين كانا وما زالا مترابطين على نحوٍ لم ينقطع ، أبدا ، رغم أن الشيوعيين العراقيين لاقوا عذاب السجون والقتل والإرهاب والمشانق على أيدي الحكام الجلادين الظالمين المتعاقبين على كراسي الحكم ، وجابهوا أهوالا كثيرة ، كي يتخلوا عن الفقراء غير أنهم ظلوا حتى اليوم متمسكين بهذه القيم.
فكيف جعلت (تراجيديا انتخاب البرلمان) بعض طبقات الفقراء العراقيين ، من العمال والفلاحين ، يحجبون اصواتهم عن قائمة اتحاد الشعب في السابع من آذار 2010 .. ؟ هل يمكن تصور أن (وجودهم) قد بني على أساس ( أنا أصوت للطائفة إذن أنا موجود ) لذلك فأن قسما كبيرا من العمال والفلاحين لم يعطوا أصواتهم لحزب مدافع عن مصالحهم طيلة 76 عاما ، بل ان هذا القسم بموقفه الانتخابي تمرد ، أيضا ، على مبادئ عظماء ربما لا يعرف أنهم يدافعون عن حقوقه وهم ليسوا من ملته ولا طائفته ولا جنسيته من أمثال هيغل وأبو ذر الغفاري وماركس وشارل ديكنز وفكتور هيجو وحنا مينا ونجيب محفوظ ، كما تمرد على كل مبادئ السرياليين الحالمين بمستقبل خال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ، خال من استغلال العمال والفلاحين الفقراء . سأكون صريحا ومباشرا في القول ، هنا ، أن صوت هؤلاء الكادحين العراقيين انطلق من (حسن الاعتقاد والطوية ) من ناس بسطاء متراحمين في ما بينهم ، منتظرين أملا يخلصهم من الظلم الاجتماعي ، غير أن صوتهم ، الفقير ، غير الواعي، غير المسؤول ، تحول إلى نصير للطائفية وتعزيز أسس استغلاله الطبقي من دون معرفة شاملة بأن الأصوات العمالية والفلاحية صارت ضياعا في الهواء حين تحولت إلى قوة ميتافيزيقية ، غير قادرة على الدفاع عن مطالبهم اليومية ، ولا عن مطالبهم الإستراتيجية في العيش الإنساني الكريم .
بلغت ذروة ابتعاد هذا القسم الكبير من العمال والفلاحين العراقيين عن أنصارهم الحقيقيين في الانتخابات البرلمانية عام 2010، حين نأوا بانفسهم لاسباب متنوعة بينها الجهل والامية، عن الطريق الثوري وعن أصالتهم الطبقية كاشفين ، حقا ، عن حقيقة أن العمال العراقيين لا يعرفون كيف يصوتون ولمن يصوتون ، مثلما لم يعودوا في ظل الصحوة الطائفية يعرفون كيف يجب أن يعيشوا حينما خضعوا ليس لأصول النضال الطبقي ، بل للروح المذهبية ، التي تميز الفرد الواحد منهم ومجموعهم ، خاضعين لترتيبات سياسية معينة ، صريحة في مضمونها الديني ، متحركة بالمال السياسي الموزع بشكل رشاوى لشراء أصوات في سوق البيع والشراء ، لا يستطيع فيها الفلاح غير المتعلم والعامل الفقير أن يدركا ضرورة تطبيق استبصارهما الانتخابي لصالح طبقتهما بل ربما يتجهان نحو النفاق السياسي والاجتماعي ، خاصة إذا ما عرفنا أن أغلبية المصوتين هم من النساء وأن 90% من النساء العراقيات أميات .
هنا ، بهذه المناسبة القريبة لقلوب الكادحين والمثقفين العراقيين ، مناسبة الذكرى السادسة والسبعين لميلاد الحزب الشيوعي ، أود مخاطبة الأدباء والفنانين والمثقفين الشيوعيين الذين استهوتهم مبادئ الشيوعية وأهداف النضال من اجل العمال والفلاحين أن يتحاوروا ويناقشوا ، معا ومع الحزب ، كيفية التفكير ، تفكيرا صحيحا بأساليب العمل السياسي والثقافي ، في ظل نظام يتجه في بلادنا نحو الديمقراطية وان يستهدفوا بنشاطهم تمثل عناصر الكادحين ليس الموالين للشيوعية ولحزبها حسب ، بل إقامة البحث عن أبواب جديدة لتقويم الصلة بلهجة فردية وجماعية مع الأفراد والتجمعات والتيارات في الصفوف الكادحة ، التي ابتعدت عن الشيوعية أو التي تلاشى من ذهنها البقاء ضمن التيار اليساري الديمقراطي حتى التيار المستقل .
يتساءل كثير من الناس ، شيوعيين وغير شيوعيين ، بكثيرٍ من الدهشة : لماذا غزت رؤوس الكادحين العراقيين أفكار ميتافيزيقية ، راكضين وراءها ..؟ لماذا لم يستخدموا أصواتهم الثمينة بحرية من اجل التقدم والتنوير ..؟ لماذا اغرقوا أنفسهم أمام صناديق التصويت بــ"المثالية" كأنما وجدوا موضوعا "إيمانيا" جديدا صاروا به مبتعدين فعليا عن الوقوف أمام القدرة النضالية الواقعية التي يمتلكونها إذا كانوا موحدين صفوفهم.
هل أن جاذبية الشيوعية قد هبطت درجتها أم استهوتهم المستويات المختلفة من صنوف الطائفية أم أنهم خضعوا لدوافع الحاجة إلى وعود بالمال السياسي أثناء ( الحياة) ووعود بعد الموت بـــ(الجنة) مما اضعف اندفاعهم نحو الحزب الشيوعي ومناقشة برنامجه الذي تضمن خلاصة رحلته النضالية الطويلة من اجل مصالح العمال والفلاحين ..؟
لا بد من الإجابة على كل هذه الأسئلة بمجموعة قليلة من الحقائق ، فقد أثبتت تجارب العالم الغربي والديمقراطيات الانتخابية ، كلها ، أن العامل ، الكادح في المصنع والمزرعة ، على استعداد لتغيير (موقفه) ولتغيير (موقعه) الانتخابيين . فمهما كان ارتباطه بحزب شيوعي أو اشتراكي أو عمالي فهو في كثير من الأحيان يجد نفسه ضحية الخداع البورجوازي وضحية الحرب الطبقية التي تشنها سلميا على عقله مختلف أجهزة الإعلام البورجوازي . لذلك يقع أسيرا لقوانين خاصة ولشرائع خاصة في العلاقات الاجتماعية والسياسية فثمة قيود أيديولوجية غير مرئية، مفروضة عليه ، من دون أن يحسها وهو محكوم بلا وعي لأداء مهام آلية ، لا يدرك معناها ، جاءته من جذور انتماءاته الطائفية – المذهبية.
إن المهمة الأساسية في الذكرى 76 ، هي الانطلاق بحيوية اكبر مما هو الحال خلال السنوات السبع الماضية، وأن حملات (طرق الأبواب) ينبغي ان تتواصل في المدن والأرياف بهدف الدخول ، ليس إلى بيوت الشيوعيين وأصدقائهم حسب ، بل بالأساس إلى بيوت الذين يحتاجون إلى تنوير واستبصار . حتى إلى بيوت المناهضين للشيوعية للتأثير على سلطة "العقل الجماهيري المغلق" المعتمد على النزعة التجهيلية ، واستبداله بالعقل المنفتح الهادف لبلوغ الكرامة الإنسانية.
العام السادس والسبعون من عمر الحزب الشيوعي العراقي يواجه اليوم مهمات جديدة النوع بعد صورٍ أفرزتها الانتخابات النيابية ، التي أبعدت الحزب الشيوعي عن قبة البرلمان ، فتشوش العقل الشيوعي العراقي ، مما يحتم على قيادة الحزب تغيير بؤرة اهتمامها وعملها وتكتيكها لكي لا تكون نتيجة الانتخابات متحولة فيما بعد إلى عائق استراتيجي أمام تنفيذ مهمات الحزب اللاحقة في الشارع السياسي وفي ميدان التنوير الصحافي .
هكذا هي الانتخابات دائما في كل بلدان العالم متغيرة تحكمها خاصية النجاح في هذا العام بينما تحل خاصية الفشل في عام أو أعوام أخرى . إنها محصورة بين كابوس وعبث أحيانا ، أو فرحة في أحيان ٍ أخرى . لا مفر ، بعد كل منافسة انتخابية ، من مراجعة الذات وإعادة النظر في أساليب العمل ، لكن من دون أن تكون المراجعة مصحوبة بأي شكل من أشكال الانفعال والنزعة التشاؤمية ، الفردية أو الجماعية ، بل ربما يحتاج كل شيوعي أولا إلى شجاعة القبول بالفشل الانتخابي رغم وجود مظاهر تزوير يجب فضحها بنطاق واسع . هذا الواقع الجديد مغامرة كبرى يجب استثمارها لتعضيد العقل الديمقراطي داخل الحزب الشيوعي وفي وسط الأوضاع السياسية الشائكة الناتجة عن الانتخابات .
يظل (الصبر) في الحزب الشيوعي أقوى من (الفشل) كما تظل الروح الرفاقية شجاعة لا تذوي ، لا داخل الحزب ولا حواليه ، فأفكاره وتنظيماته تشتمل ، دائما ، على وسائل وأساليب بناء وصياغة منظور عمل المستقبل التاريخي على أساس التنوير الماركسي ، بعيدا عن مشاعر اليأس والأسى ، بل بالاعتماد على الوعي المحض والانتقال بشكل حاسم وجريء من مرحلة ما قبل الانتخابات إلى مرحلة ما بعدها ، في إطار العمل الديمقراطي والحوار الجماعي ، للتفكير في تحسين عمله السياسي والتصدي لكل نوع من أنواع العدمية السياسية والوعي الانعزالي . لا يجب نسيان أن الحس العياني الناتج عن الواقع الانتخابي ، هو عنصر من عناصر البحث والدافع نحو الأحسن في المستقبل النضالي ، كما أن الفشل الانتخابي لا يعني ولا يتعارض مع أفكار الحزب الشيوعي ونظرياته فقد كان جميع قادة الشيوعية يؤكدون دائما وابدأ أن الكمال في كل شيء والنجاح في كل خطوة هو مجرد حلم من أحلام النضال الشيوعي الذي لا بد من بلوغه حتما ذات يوم طالما البنية الخالدة للوعي الخلاق موجودة في نسيج الحزب الشيوعي كله .
تظل الأخلاق الشيوعية أساسا لمحور النشاط السياسي خلال مرحلة ما بعد العام السادس والسبعين . لن يكف الشيوعيون العراقيون عن مناصرة حرية القول والتعبير من اجل الحقوق المدنية للعمال والفلاحين وجميع الكادحين الحالمين بالعدالة الاجتماعية ولا مكان لليأس في قلب حزب تجاوز صعاب 76 عاما من عمره تجلى فيها صموده بصورة مذهلة وما زال محتفظا برنينه السيكولوجي من خلال رعايته لحقوق الشباب والنساء وجميع الكادحين من العمال والفلاحين والذين يعانون من الإذلال والاستغلال .