د. حسام آل زوين
الأثنين 11/7/ 2011
والله ما انصرفتْ بغير الوطن أمانيهم !
د. حسـام آل زوين
بفرح وعجالة جال بمدينته وشوارعها وسوقها المسقف المثقب القديم كله ، وبأسف وجدها كانها للتو خرجت من حرب ضروس ، خراب ووحشة وظلام ، دارَ الازقة ذكـراهُ كلها فلم يجد من الناس من كان به امتداداته وامتدادات الاقران من المعارف والاصدقاء ، سار غريباً محبطاً لم يعرف ولم يلق من تلك الوجوه واناس المدينة الذين تركهم مضطراً مهاجراً متهجولاً ببلـدان الغربة والمهاجر الا القليل منهم بعدد اصابع اليد . وشـبابُ من الجيل الجديد باعمار متفاوتة اتخذوا ابواب المنازل والارصفة مكاناً ومتكئاً لهم والفراغ حديثهم تسوده مفاهيم الهلوسة والكبسلة ، وكثرة منهم بحالة التصكع والضياع .
بعد ان خنقته وانهكته واتعبته حالة مدينته وحال الناس ، اجتاز الجسر العتيق واكوام الاوساخ المتجمعة ورائحتها التي تزكم الانوف والتي على مايبدو لا احد يدنوها منذ ان دارت الحرب رحاها ، واتخذ ضفة النهر القريبة من مدرسته مكانا يقضي بعضا من الوقت يعيد ما خزن باعماق ذاكرتة الطيبة من شريط ماضي شباب الفخر والاعتزاز، وظنا منه ، عسى ان يلتقي بمحض الصدفة من بقى من معارفه القدامى ليقص له حقائق احاطتها وغطتها اغبرة السنين والتهميش والتشويش والابعاد والبعد والنسيان ، ولم تستطع غسلها امطار أذار ورذاذ نيسان ، ولم تنفع بها احاديث النبوة ونهج البلاغة ولا القرآن .
ضحك مع نفسه ... وشر البلية ما يضحك ، لما روي له ذات مرة بان حفيد جواد مسيبي والذي يخلق النكتة والنقد اللاذع من لاشيئ ، مجالسته تعجب المرء ، حيث امام بيته فاجئته كاميرات التصوير لاحدى القنوات التلفزيونية ، وقد نصبت عند الزقاق القريب من جسر المسيب العتيق ، وقد تراكمت فيه الاوساخ والفضلات من بعيد وقريب ، حيث ارادت القناة التلفزيونية ان تعمل تحقيقاً صحفياُ لما يعانيه سـكنة المحلة منذ زمان لهذا الركام ، ســئلهم ؛ ايها السـادة الكرام مالذي تعملوه ؟ ، حذاري من عمل شيئ يكون تأثيره سلبياً فيما بعد على حياة المواطن .. اياكم اياكم ازالتها ، منذ سنين ونحن نعيش هذا الركام وهذه التراكمات ، لقد تكيفنا بيئياً وتعايشنا صداقيا مع بكتريا هذه الاوساخ واصبحت جزءا لا يتجزأ منا ، ومن اطفالنا ، وقد شعرت هي الاخرى بانتمائها الى الزقاق وليست بمضرة حسبما تتصورون ، ولا مصلحة لنا في هذا الامر، فاسحبوا كاميراتكم يرحمكم الله لتصوير مسائل احق واوجب من هذا ، تعالجون فيها ازمات السكن والفساد الاداري والمالي .
جره التفكير الى ايام السبعينيات وماكان يقوم به الشهيد المعلم سـكران مرهج من عمل صحفي طوعي بمفرده وخطى الاخرون خطاه ، ويأتي عند العصر مفتخراً منتشيا ً، والجريدة في يديه وقد نشرت له تحقيقاً صحفياُ عالج ورصد فيه حالة سلبية اومن الحالات اليومية الاجتماعية ، أوتلكوءاً في اعمال البلدية .
اخذ يتابع مجرى النهرالمتدفق وما يجلبه التيار من الفضلات والقناني والعلب الفارغة التي يرميها من الجهالة والشقاوة والرعاع وعديمي الثقافة والوعي والادراك والحرص ، يوم كان تيار النهر يحمل صواني الشمع الموقدة من صدر النهر الى منحناه ومنعطفه عند البساتين ، مصابيح تتراقص بالماء وتتراقص من فوقها النجوم ، نذور ، تقاليد ... الامام الخضر سـوف يخرج من النهر بفرسه الابيض ...سيأتي الخير... شموع وقمر ونجوم ... تبتهج النفوس من في الضفاف ، وينبعث فيها الامل وتنام الليل برغد ، وهدوء بعد ان اكحلت العيون بروعة هذا الجمال . مدرسته هنا ، وقد اكتست جدرانها بالغبار والتراب والدخان والسواد كجدران المنازل للاهل الطيبين ، ولازالت منارة المسجد الصغير من الطابوق تبدو شامخة صامدة جميلة ، خالية من مصابيح كانت تعلوها ، لم يهدها المطر ولم يهزها الريح . والمقاهي خالية من روادها ، ميتة خرساء ، لم تنصت تخاتها لجدل المدينة ومنطق وحكمة العقل وحديث الروح .
اتغيرنا ! .. اتغيرت ؟! .. اتغير الوطن ؟ ، وتغيرت عبائته التي بها احتمى السادة السياسيون جميعا ! . اليس هو الوطن نفسه ؟ ، ام تغير الحال ؟ .
يسئل نفسه ، .. يتسائل ماهية هذه الاجيال ، وماهية الحال والاحوال ؟ .
على اية حالٍ ياهذا ؟ ، من انت الذي تسئل عن الحال ؟ . وذنب من ؟ .
استرسل بلهفة باسئلته للجالسين بجنبه والذين لا يعرفهم بالاسماء عن اصدقاء له قبل اربعة عقود عن فلان ... وفلان ...وعن ذلك الانسان ، واراد ان يعرف قرائتهم ومعرفتهم ويقارن مدى قرائته ؛ ذلك توفى في الحرب ، واخر استشهد فيها ، واخر قد مات يرحمه الله . وسئلهم عن الصديق الذي كنا نقرأ كتبنا ونصلي سوية ، وذلك المعلم المناضل الشــهيد واصدقائه ؟، وكانت كل اهتماماتهم ؛ ان يسود العدل والحق والرفاه في العراق ، والله ما انصرفت بغير الوطن امانيهم ؟ .
شـهيد ! ، شـهداء ، لم نعـرف عنهم ، بل الاباء يعلمون .
او يقولون ؛ بان الشهداء اكرم منا جميعا .
اتعلمون بان هؤلاء الشـهداء ؛ لم يوار جثمانهم الثرى .. لم يشيعوا ، ولم يكن لهم قبرا .
من الظاهر انت القادم من الخارج ، غدا ً انت معزوم عندنا على تناول الطعام ! . اي طعام واي سخام ! .
يدمدم ، يجيب نفسه ؛ الحال أمست كحالة خـوفٍ وذعر وهلعٍ لركاب سـفينة تغرق في بحرٍ عميق مجهولٍ وقت الظلام ، كل تجره وتقوده ذاتياته وانانياته للنجاة بنفسه ، الى اين ؟ ، الى المصير المجهول . وركام هائل هي المعطيات والتي لم يحسن قراءتها القبطان ، وغفي ونام عنها الاخرون .
لقد اغتيل تمـوز ! ، ورحل رجالاته ، ايولد مثل هؤلاء من جديد ؟ ، ونعيش ســعادته وكراماته ! .
ماذا لو خرج الحالمون جميعا بالفضل لمجتمعاتهم من قبورهم ، ماذا سوف يقولون ؟ ، أصحيحة تلك هي القراءات للتاريخ وللمجتمع وللاقتصاد وللسياسة وللتغير وللثورة والهبات والانتفاضات وللنضال والشهادة ؟ .
تعاضم نقيـق الضفادع من الضفة الاخرى للنهر تتخلله طرقات حجر الدومينو لمن يحسن لعبها ، ودع المكان والى شـماله لاح جمال نخيل البساتين الباسق يعلـو النهر الى منتصف السماء في هذا الليل الهادئ .