حسام آل زوين
الأربعاء 10/9/ 2008
ثـرثـرة عند بحـر مـرمـرةحسـام آل زوين
بلهفٍ تسـارعت الخطى للتجمع في المكان الذي اشار اليه دليل الرحلة السياحية وذلك في السـاحة المقابلة للمسجد الازرق ، وبلهفةٍ لسماع ما يأتي به من شرح وتوضيح حول هذه المعالم التأريخية، وما هي الا دقائق معــدودات تلمـلمت المجاميع حلـقات حلقات من مختلف الامصـار والاقــــوام والاجنـاس والاعمـار ، الابيض والاحمر، الاسمر والاسود والاصفر ، وفي كل ملبـس ٍ حلــة ومن كل الالوان ، من الشرق الى الغرب ، ومن الشمال الى الجنوب ، اكتملت هذه الحلقات واحاطت بدليلها السياحي ، بامعان صاغية هادئة ، وبضمنها رفيق من الانصـار في العقـــد الخامـس من العمر ، غزى الشيب رأسه مبكراً ، ظهرت على وجهه عـذاب ومـرارة الغـربة والتعـب والعزلة ، واقفا ، هادئاً ، متألماً ، ملتزماً ، متزناً ، صاغياً كما الاخرين ، تحت ظلال الاشجار .
بـدأ دليل الرحلة شـرحه بلكنة سـورية مترنحا بعض الشيئ ، يختار الكلمات ويعلوها بعضا من التباهي والفخــر والافتخـار ، ويعلوها الاخرى الاعتزاز ... ، نحن في ميــدان السـباق البيـزنطي القـديم ، وفي المقابل مسـجـد السـلــطان احـمـد ( الجـــامـــع الازرق ) ، حيث بني المسـجـد من 1609- 1616 م بالرجـوع الى النقوش على احـد ابوابه ... وله سـور مرتفع يحيط به من ثلاث جهات ... له صحن له فناء .... قــبب ، مــآذن ... شبابيك زجاجية زاهية الالوان ... ، مهندســهُ محمد آغا اشهر المعماريين الاتراك بعد سنان باشا وداود آغا ... الخ ... .
لم يكترث بعد صاحبنا ذو العقد الخامس ولم يطل الصبر لسماع شــرح الـدليـل .. , حيث ظهر المــلل والانزعـــاج ، ادار بوجهه يتفحص المـارة تارة ، الى اليسار والى اليمين يسـترق النـظر لرهـافـة الابـــدان ولحســــناوات العــيون ، وتارة الى زرقـة السـماء ، ضحك بصمته تذكـر ابا نهـران واكسينيا في الدون الهادئ ، الا ليت الزمان يعـود يوماً ، الا تعـود ايام الانصار، او حتى على الاقل ايام عـدن ، وجلسات وامسيات مع الدكتور لطـيف منصـــور وتحليل الوضع السياسي في العراق وتحضير(المطبق سمك) بصراوي وما تحتويه ثلاجة بيتـه من بلاوي البحر الحمراء والتي اقسم حينها الدكتـور رحـيم عجينــــة ان لا يقترب صوبها ما دامت ممتلئة بهذه الجنييــات البحرية ذات المخالب والاذرع الشيطانية ! ... .
لم يدرك صاحبنا حتى وكيف انتهت الزيارة لداخل المسجد ولم يجـد نفسـه الا وهو خارج فناءه ماسكا باخرالرتل المتوجه الى مسجد آيه صــوفـيا في الجهة المقابلة وكأنه غط في نوم عميق او ذهب الى ضفاف اخرى او لعالم اخر او في حلم اخر ! .
ظلت عالقة لهذه الايام كلمات وتوجيهات العبور لابي هديل وجماعة مفرزة الطريق، امست تلك التعليمات والارشادات عادة في البدن لا يغيرها الا الكفن ! ، عــادة الالتزام والانتظام والنظام ، وعادة الالتزام والتمسك بالطابور والرتل حسنة ، الا انه ان يتمسك بـذيـل البغـل عند النزول فهذه بـدعة من بـدع وتـفنن ابي سهيل ، فهذا امر لم يدخل في التصورات والخيال او في سنن الترحـال في الجبال ، سامحك الله يا ابا سهيل بتعليمي مسك الذيلِ وليس قفل الـرتل . فلــيل الجبل سوف ينجلي ولي معك بالسماوة وفي الغدوة لقاء ، نتناول بها مفردات العجين والخبـز والطـيات ! .
وهنالك فطنة وخبرة ومهارات اكتسبت في حياة الانصار ، الحـــاجة ام الاختـراع ، دائما كان يرددها ســمير طبلـة عند ابداعـاته في فن الطباعة و(الطباخة ) ، وكم كان فخورا متباهيا عندما استطاعوا الحصول على الحجم الصغير لجريدة طريق الشعب . واخيرا امسك صاحبنا بالرتل وكان من اول الداخلين والواقـفين عند مدخل آية صـوفيا .
عاود دلـيل الـرحـلة السياحية المتفاخر شـــرحه وتوضيحاته حول مسـجد آية صــوفيا وتمحور الجميع من حوله ، بان المسجد كان كـاتـدرائية ســابقة ومسجد سابق وحالياً متحف من متاحـف مدينة اسطنبول ، وتعد من ابرز الامثلة من العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية .
دخلنا الكاتدرائية صورة عيسى المسيح ويمينه العذراء مـريم وبيساره المعمداني وايات قرآنية تعلو البناء ، اسم الله جل جلاله والنبي محمد(ص) واسماء الصحابة ابو بكـر وعـمر وعـثمان وعـلي والائمة الحسن والحسـين ، هذه الروعة والصدق ، الانبياء والصحابة والائمة الطاهرين مجموعين سوية ، هذه هي الحكمة والعقل والعقلانية ، وخير ما عمل مصطفى كمال اتاتـورك وهذا ما تريده العـلمانيـة لشـعوبها ، فمن هذه الكـاتـدرائية المسجـد الحكمة والموعظة والدرس والمثل الساطع عسى ان تسـتـفيد منه القيـادات الدينية والسياسية في البـلاد قالها بحسرة ، وان تطفئ نـار الطائفية والمحاصصة البغيضة ، وان تعلى اواصر المحبة والاخــاء والوحــــــدة الوطنية الحقــة وتنمية لكل مشاعر الخير والعطاء لما فيها خير العراق وشـــعبه .
انتهت الرحلة وشكر الجميع الدليـل على ما ابداه من شرح ومعلومات وافية وتعامله الطيب ووسع صدره ، ودعــــه وشكره صاحبنا على لباقته ولغته العربية الجيدة . بعد الانتهاء قــــرر ان ينحدر صوب البحــــر ويتخذ الساحل طريقه وصولا الى مكان اقامته حيث لازال الـوقـت مناسبا والوقت عصرا ، ولا سيما انه افـتقـد هذه الاجواء الطيبة منذ ان غادر كردستان ، وان صعوبة الاجواء التي يعمل بها الان واجـواء الحرارة والرطوبة والجفاف والتي قد اثرت على صحته ومزاجه خلال هذه السـنين العجاف ، اضف الى هذا الوحــدة والغـربـة والجفـــــاء بكل معناه ، ولم يلق الامتــــداد من امتـــدادات الوطـــن والطيبة والاهل والحــزب والناس الطيبين ، وان يستمتع نظره ببحر مرمرة وصوت امواجه والطيور ويناجيه ويناغيه ويحدثه ويحدث نفسه على ما فعلت الايام وقساوة السنين ، وعسى ان تحمل امـواجه صـدق الحديث وصداه للبحـور والخلـجان الاخرى لبلاده وان يوصل الى آذان وسـمع القـــادة الســياسيين .
في المرحلة المتوســطة قرأنا مـادة التأريخ وفصولا عن الـــدولة العثمـانية والســــــــلاطين واعوص المشاكل التي واجهت مـدحـت باشــا حينها الا وهي مشكلة العشــائـر . طيــــلة الوقــت يسئل نفسه ، يتوقف ينظر الى البحـر ، يجيب ،الم يهـــز وجــــدان العالم بشيئ ما ايحركوا ساكنا او شجبا ، اين اليونسكو عندما اتخذت الدبابات العسكرية الثقيلة من اثاربابـل مكان !؟ ، بكت عشــتار وحل الحـــزن على بابها وتصدعـت مســــلة حمــورابي وتـزلزلت الجـــنائن المعـلقة من مكانها وبكت حزنا اشـــــور، اين من اعينهم عندما سلبت وفرهـدت كل مقتنيـات وتحــف المتحف الوطني وامســت المقتنيات بيــد الرعـاع وقطاع الحـدود ! .
العـراق يا سادتي الكــرام مهد الحضارات كلها من السومرية والبابلية والاشورية والكلدانية ، بغـداد السلام بغـداد المـدورة ، بغـداد حاضرة للعلم والثقافـة والادب والفنون، بغداد الدولة العباسـية ابي جعفـر المنصـور وهارون الـرشـيد والزعيم عبد الكريم قاسم ، بغــداد دجـلة الخــير وابي نـــؤاس والنــواب والكســرة وابي حنيفة والمستنصرية والامام موسى الكاظم ومرقـد السـيدة زبيــدة ، قل او لا تقل ... مصطفى جواد وعلي الوردي وخيرة المعماريين والشعراء والرسامين والفنانين العراقيين ، والله يا بحــــر مـرمـرة ... حينما تعـدهم ! ...
الجــادرجي والـرحــال والمــدفعي ومحمــود صـبري وجــواد سليم ، غـائب طعمة فـرمان والخطيب والعاني والعامل ومــردان وخلــدون لا يرتضي سوى بغـداد عاشقـة، والناصري ومكية والسلطاني وحتى اخر الاجيال الا وهي حديـد ، بغـــداد نصب الحـــرية والجنـــدي المجهول ، بغداد الرصافي والزهاوي ، بغـداد المساجد والكنائس.
توقف بعض الشيئ ، اقترب اكثرالى حافة البحر كانه تذكر شيئا ما ؛ تعالى صوته والله يا بحـر مـرمـرة لا يسـع طـول سـاحلك هذا حينما تعــدهم وتعـد كل الابداع العــراقي الاسطوري ومنذ زمان سـيدنا ابراهيم ونـوح مـرورا بالف ليلة وليلة وحتى وقتنا هذا . الموصل الحـدباء اشور بانيبال والثــور المجنح لازال صامــدا تنهمـر منه الـدموع ، وجبال كردستان الشماء وقلـعـة صـلاح الـدين الايوبي ، وكـرم الكــرد.
الا زرتم ســر من رأى ؟ ، ملـوية سـامراء ومرقد الامامين العسكريين ، الكـوفة والمتنبي ، ومــرقــد الامام عـلي اميــر المــؤمنين في النجف الاشــرف والمراجع الــدينية ومدارسها ، الجـــــواهري والشبيبي والرضي ، كــــــربلاء الطف والامامين الحسـين والعباس والـرزازة والاخيضر والحر الرياحي وشثاثة النخيل ، ونواعير عانة ، البصرة الفيحاء والعشـار وشـط العـرب وتعانق دجلة والفرات ، السـماوة الوركاء ونخيلها وسمرها ، والحلة الفيحاء وجنائنها وبساتينها ، بيوت الحبوبي والماشطة والطائي والاخرين ، والناصـرية وسـوق الشيوخ وفنها ومعابــد اور وفهـد للـوطن الحر والشعب السعيد ، وكل محافـــظات العـراق الطيبة بانسانها الطيب بنخيلها فخـر بفخــر ! .
غربت الشــمس ، لا زال الصيادون عند الساحل ، هبت نسمة خفيفة ، انهى حديثــه وتطلـعه للبحـــر، عسى ان تستجاب الامنيات البسيطة المؤجلـــة للانسان العــراقي وان يعم الخــير والامان ربوع الوطن كله .
ازاح من صـدره بعضا من الهم والغـم ، اسـتفــاد بعض الشيئ وتعلـم ! .
وصل مكانه وغـدا يشـــد الـرحال .