موقع الناس http://al-nnas.com/
أمجاد نعاديها ..!
هادي فريد التكريتي
الخميس 18/5/ 2006
يتباهى كل العراقيين بكونهم ينتمون
لأعرق بلد وجدت عليه أقدم الحضارات ، وبأنهم ورثة شعوب سومر وأكد وبابل ، التي
تجذرت قومياتها بالآشورية والسريانية والكلدانية ، فمنذ سبعة آلاف عام ، وحتى الوقت
الحاضر تحتضن هذه القوميات ، الوطن الأم ، وتضخ دماءها في أرض الرافدين ، وتتوارثه
الأجيال منهم ، حيث أعطت للبشرية ، منذ ذلك التاريخ ، أول حرف ، وصاغت أول شريعة
لقانون حضاري ، ينظم حياة مدنية لمجتمع متطور ومبدع ، وأبدعت هذه الشعوب فنونا
إنسانية مختلفة ، من موسيقى ورقص ورسم ونحت ، وغيرها من فنون وعلوم العصر ، التي
طبعتها بطابعها المميز ، الذي لا تفاخر به شعوب العراق فقط ، بل مثار إعجاب شعوب
الأرض قاطبة .
شعوب العراق الأصلية ، المتمثلة بمختلف قومياتها القديمة ، وطوائفها الدينية
المختلفة والمتعددة من صابئة 'مندائية ' وإزيدية وشبك ، هي أول من استوطن وعمًر أرض
الرافدين ، وقدمت ولازالت تقدم الكثير من التضحيات لهذا الوطن ، فهل أنصفها الحكم
الطائفي والعنصري ' الديموقراطي ' ؟ الأشوريون والكلدانيون ، إضافة للقوميات
التركمانية والكورد الفيلية ، وباقي الطوائف الدينية المار ذكرها ، يشكلون نسبة
كبيرة من شرائح المجتمع العراقي ، التي لحق بها اضطهاد قومي وديني ، على مختلف عهود
تاريخ الحكم الوطني العراقي ، وكانت تلوذ بمقاومتها لهذا الاضطهاد في التوجه نحو
الحركة الوطنية والديموقراطية العراقية ، المناهضة بطبيعتها للتمييز القومي ـ
العنصري أو الديني والطائفي ، والانتماء سياسيا لأحزاب تعبر عن طموحات وأهداف وطنية
مشتركة لكل شرائح المجتمع ، مع ضمان تحقيق حقوق متساوية لكل مواطن منتسب لهذه
الأحزاب ، ولهذا السبب ، كانت الأحزاب السياسية ، القومية على مختلف توجهاتها
والإسلامية بمختلف طوائفها ، تفتقر في تنظيماتها لأعضاء ينتسبون للقوميات الكلدانية
والسريانية والآشورية والتركمانية والكورد الفيلية ، وكذلك الحال من طوائف الديانات
غير المسلمة ، مسيحيين ويهود وصابئة مندائيين وإزيديين وشبك وغيرهم من الأثنيات
الأخرى ، فعلى الضد من الأحزاب القومية والدينية ، كانت الأحزاب السياسية الوطنية
العراقية، اليسارية والديموقراطية ، قد شرعت المجال واسعا أمام هذه القوميات
والطوائف ، واستقطبتها في تنظيماتها ، لعدم تفرقتها بين قومية وأخرى ودين وآخر ، أي
لم تجعل الانتماء القومي أو الديني والطائفي هو المعيار للإنخراط في هذا الحزب أو
ذاك ، وإنما من شروط عضويتها للرجل والمرأة على حد سواء ، المواطنة والبلوغ ومناهضة
الأفكار العنصرية والشوفينية والطائفية ، والإقرار بأهداف الحزب أو التنظيم التي
تتضمنها وثائقه ، لذا نرى في تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي ، تتمثل الفسيفساء
الوطنية بأجلى مظاهرها ، فمنذ بداية تشكيله ، كان يمثل كل القوميات والأديان
والمذاهب ، وبنسبة أقل كانت تتمثل في التنظيمات الحزبية التي تنحو منحى ديموقراطيا
، ومن هذا المنطلق المتحيز والمجحف ، أقدمت حكومة المحاصصة العنصرية ـ الطائفية على
تعديل قانون الانتخاب .
كان العراق عند أول انتخابات للجمعية الوطنية ، دائرة واحدة ، ساهم ، إلى حد ما ،
في حماية الأقليات القومية والأثنية ، من جبروت سلطة واضطهاد القوى القومية ـ
العنصرية والدينية الطائفية ، وأتاح الفرصة أمامها لجمع شملها ، وتوحيد كياناتها
الصغيرة المتناثر ، على مساحة العراق كله ، في اختيار من يمثلها في المجلس النيابي
الجديد ، إلا أن التعديل الذي ُأجري على قانون الإنتخابات ، بعد تجربة الإنتخابات
الأولى ، جعل العراق دوائر مغلقة ، وبهذا أعاد السيطرة والتحكم للقوائم القومية ـ
العنصرية والدينية ـ الطائفية على المناطق الإنتخابية مما ألحق خسارة وحيفا سياسيا
بكل القوميات والطوائف ذات النزعات والتوجهات الوطنية والديموقراطية ، فقانون إدارة
الدولة ، كان أكثر رحمة بهذه الشرائح من الدستور الدائم ، حيث نصت المادة الثلاثون
ـ ج من قانون إدارة الدولة على : ( تنتخب الجمعية الوطنية طبقا لقانون الانتخابات
وقانون الأحزاب السياسية ، ويستهدف قانون الانتخاب تحقيق نسبة تمثيل للنساء لا تقل
عن الربع من أعضاء الجمعية الوطنية ، وتحقيق تمثيل عادل لشرائح المجتمع العراقي
كافة وبضمنها التركمان والكلدوآشور والآخرون .) أما الدستور الدائم فقد أغفل هذه
الشرائح ولم يعد لها ذكر ، بل جعلها مساوية للكيانات القومية الكبيرة ، مما جردها
من كل ما كانت يمكن أن تحصل عليه وفق قانون إدارة الدولة ، حيث نصت المادة 48 ـ
أولا ، من الدستور الدائم ، ( يتكون مجلس النواب من عدد من الأعضاء بنسبة مقعد لكل
مائة ألف من نفوس العراق يمثلون الشعب العراقي بأكمله يتم انتخابهم بطريق الاقتراع
العام السري المباشر ، ويراعى تمثيل سائر مكونات الشعب فيه ) فالدستور الدائم حذف
النص على تلك الشرائح واعتبرهم كباقي مكونات الشعب الكبيرة ، التي تتقاسم السلطة
وفق مبادئ قومية عنصرية ودينية طائفية ، ولهذا أقدمت القوى الطائفية والعنصرية ،
المتنفذة في مناطقها ، على تهجير غير الموالين لهم من الشرائح الأثنية والقومية
الصغيرة ، من مناطق سكناهم ، كما حصل في البصرة والموصل ، وكما يجري من تهجير في
الوقت الحاضر من مناطق أخرى ، تحسبا للمستقبل ، ولذلك ُزورت الانتخابات الأخيرة في
الكثير من المواقع التي تتواجد فيها هذه الشرائح الوطنية الغير مضمونة الولاء
.أسباب هذا العداء لهذه الطوائف مرتبط بماضيها وانتماءاتها السياسية اليسارية ،
الشيوعية والديموقراطية ، المناهضة للعنصرية وللطائفية ، فديموقراطية الطوائف خزين
من الحقد لا ينضب ، والقادم أعظم ..!
حكم المحاصصة الطائفي ـ القومي وهو يخوض غمار تشكيل الحكومة ، وتوزيع الحقائب ،
أدرك أن الفضيحة تلاحقه من تغييب شرائح وطنية مهمة ساهمت في بناء العراق ، وقدمت
تضحيات جسيمة من أجل إسقاط النظام الفاشي ، إلا أنه لم يستدع ، أو لم يُشرك في
الحوار لتشكيل الحكومة أيا من يمثل هذه الشرائح ، وحتى لم يتبادل الكبار ، الرأي مع
أي عنصر من عناصر الكلدوآشوريين أو من الكورد الفيلية ، وهؤلاء هم من الذين قاوموا
النظام وفاقت ضحاياهم ، أو لم تقل ضحاياهم عن أي فصيل آخر قدم ضحايا ضد النظام
الساقط ، وكذلك الأمر بالنسبة للتركمان وللمندائيين والإيزيدية ، ولهذا في نهاية
مطاف تشكيل الحكومة ، يصرح رئيس الوزراء المكلف السيد نوري المالكي بانه ، ' ستمنح
وزارات للتركمان والأكراد الفيلية والمسيحيين في إطار الإستحقاق الوطني ' إلا أن
الواقع يقول هل أبقى التهجير والقتل والتزوير إطارا
للإستحقاق الوطني ؟ فلولا الخوف من فضائح خرق الدستور والإستهانة به ، وحبره لم يجف
بعد ، لما تذكر المرأة وطالب القوى السياسية بتمثيلها في محاصصاتهم ، وهي التي َمْن
تم تجاهلها ، ولم يكن لها من حضور وسط محادثات الذكور الكبار لتشكيل الحكومة ،
فالواقع هي في نظرهم ، فضلة من سقط متاع ، يتذكرونه عند الحاجة له ، فالسيد المالكي
كثًر الله من أمثاله : ' ..شدد على تمثيل المرأة بنسبة جيدة في التشكيلة الحكومية ،
مشددا على القوائم المشاركة بضرورة ترشيح نساء لمناصب وزارية ..' هذا الواقع ،
ُيََذِكِر المرأة المنسية أن لها حقا بربع المجلس النيابي ، وبربع التشكيلة
الوزارية ، فهل استشيرت المرأة بحق من هذه الحقوق ، وكيف ومتى ؟ والشرائح الوطنية
من قوميات وطوائف غير كوردية أو عربية أو إسلامية ، بعد أكثر من خمسة أشهر من
المداولات على تقسيم المناصب ، هل لهم من مكان يشغلونه وسط محفل مجالس القرش لتقاسم
الحصص ؟ أمر لا يبشر بخير إن تغنينا بأمجاد نعاديها .!