موقع الناس http://al-nnas.com/
الذاكرة العراقية ..!
هادي فريد التكريتي
الخميس 13/4/ 2006
قرأت يوما ما عن سيرة موجزة لحياة مناضل شيوعي عراقي ،
وقع بيد بهجة العطية ، جلاد التحقيقات الجنائية أيام حكم نوري السعيد ، ورغم ما
عاناه هذا المناضل من تعذيب جسدي ، وضغوط نفسية ، مورست عليه ، لم تفلح معه حتى
بانتزاع اعتراف منه باسمه الحقيقي ، وبينما هذا المناضل قابع في زنزانته ، تعرف
عليه أحد المستخدمين في هذه المؤسسة ، وبعد تحيته لهذا المناضل عرض عليه أية خدمة
يمكن أن يقدمها له ، أجابه هذا المناضل شاكرا موقفه ، مع الرجاء بعدم الإدلاء عنه
بأية معلومة يعرفها حتى لو كان اسمه ، وعده هذا المستخدم خيرا ، وانصرف لتوه باتجاه
أرشيف التحقيقات ليستخرج إضبارة هذا المناضل ، فوجدها مليئة بمعلومات وتقارير
مرفوعة عنه وعن نشاطاته السياسية المعارضة للسلطة الملكية ، لو قدمت ضده كأدلة
إدانة ، لحكم عليه بالسجن ، سنوات طويلة ، فقرر أن يتلف كل ما كتب عن هذا المناضل ،
وُيبرأه من كل تهمة ، ، فألقى بإضبارته الشخصية في نهر دجلة ، من خلال شباك غرفة
الأرشيف المطل على النهر ، وبعد أن تخلص من الإضبارة ، وتأكد من أن مياه دجلة
ابتلعتها ، عاد إلى زنزانة المناضل ليخبره أن لا خطر عليه بعد الآن ، وبإمكانه أن
يعترف باسمه الحقيقي، فإضبارته الشخصية بقضها وقضيضها تقبع في قعر النهر ، وبدلا من
شكر هذا المناضل للمستخدم على صنيعه ، قابله بوجوم وعدم ارتياح ، وصفق يدا بأخرى
قائلا ' ليش يا أخي فإنك قد ألقيت بكل تاريخي في النهر ، والآن أصبحت ، أنا ، من
غير تاريخ ولا ماضي ..' هذا المناضل كان على حق ، فتاريخه النضالي وذاكرته كلها في
هذه الإضبارة ، وها هي قد مسحت من التاريخ السياسي العراقي ، وما عادت لتلك الشخصية
من ذاكرة مكتوبة في أرشيفه أو أرشيف الدولة من وجود .
أغلب العراقيين الذين تعرضوا لملاحقة الشرطة لنضالهم السياسي ، إن كان أيام الحكم
الملكي ونوري السعيد ، أم في باقي العهود القومية وحتى سقوط النظام الفاشي في العام
2003 ، كانت دورهم معرضة للتحري والتفتيش ، وكل ما تجده العناصر الأمنية لهذه
الأنظمة ، من كتب ووثائق ومقتنيات شخصية لهذا المناضل أو المشتبه به ، تتم مصادرتها
بأعتبارها دليلا جرميا ، حتى وإن كانت قصة أدبية أو قصيدة غزلية أو رسالة غرامية ،
وحتى وإن كانت خاطرة عابرة مرت بخاطره فدونها ، ولا تعاد تلك المواد المصادرة
لصاحبها ، إن ُحكم عليه أو ثبتت براءته ، هذا الواقع حال دون إقدام الكثير من الناس
في مجتمعنا العراقي ، متعلمين ومثقفين ومهنيين أوغيرهم ، وخصوصا العاملين في الحقل
السياسي المعارضين للنظام ، من كتابة مذكراتهم أو مشاهداتهم اليومية ، بعكس من يعيش
في مجتمعات آمنة ومستقرة ، حيث لم نجد فقط الشخصيات السياسية والثقافية والمهنية
وغيرهم من هواة الكتابة ، يمارسون تسجيل مذكراتهم ، أو ما يحدث ويدور في محيط
مجتمعاتهم والعالم ، بل حتى الأطفال منذ بداية وعيهم في المدرسة يمارسون الكتابة
وكتابة المذكرات وتسجيل مشاهداتهم اليومية ، الموثقة بالساعة واليوم ، وهكذا تنمو
وتكبر معهم ذاكرتهم الموثقة ، يرجعون إليها عند تقدم السن بهم ، أو عند الحاجة
لتوثيق فترة ما مروا بها ، لذا فالخطأ عند الكتابة عن فترة زمنية مروا بها يكون
معدوما أو شبه معدوم .
الكثير من الكتاب والمثقفين عندنا ، على مختلف اختصاصاتهم ، والمناضلين على مختلف
توجهاتهم السياسية والفكرية ، كتبوا مذكراتهم ، عن حياتهم وعن مجتمعاتهم ، بعد أن
تقدم العمر بهم ، معتمدين على ما علق بالذاكرة ، التي أتعبتها سنون النضال والمنافي
، وجراء هذا الواقع فاتتهم الكثير من التفاصيل المهمة ، خصوصا ما يخص النشأة
والتاريخ والمكان وحتى الشخوص ، وبين أيدينا الكثير من هذه الكتابات ، أطلق عليها
أصحابها تسميات تدلل على أنها مستلة من الذاكرة فقط ، فجاء السرد للحوادث مشوشا
وغير دقيق ، وفيه الكثير من الخلط والإرباك ، وليس هذا بقصد منهم ، بل نتيجة لكر
الجديدين المؤثر على ذاكرتهم ، وللظروف الأمنية والسياسية القاسية التي عاشوها
والتي مروا بها .
حال الذاكرة الشخصية ، الفكرية والثقافية والسياسية ، لكتابنا ومثقفينا ، هي الأفضل
بما لا يقاس مقارنة مع ما آل إليه حال الذاكرة الرسمية للمجتمع ، والدولة العراقية
، ومؤسساتها من مكتبات ودور بحث ومتاحف وغيرها من المؤسسات العلمية والفنية
والأدبية ، بعد سقوط النظام ، فالذاكرة الشخصية قد أرهقها وأتعبها إرهاب الأنظمة
والحكومات المتعاقبة ، إلا أنها قاومت ، لحد ما ، الخراب والتدمير ، أما الذاكرة
الرسمية للتاريخ والواقع العراقي ، فحالها مختلف كليا ، فقد تعاونت على إتلافها
ومسحها قوى متعددة ، خارجية وداخلية ، مختلفة الأغراض والمقاصد ، إلا أنها جميعا قد
حققت غرضا واحدا ، هو تجريد الشعب العراقي من كل تاريخه الموثق ، والموروث منذ سبعة
آلاف عام ، وحتى سقوط النظام الفاشي ، على يد الاحتلال الأمريكي ، ففي لحظة دخول
هذه القوات المدن العراقية ، وخصوصا العاصمة بغداد ، انطلقت عناصر لمنظمات أجنبية
من على الدبابات الأمريكية ، كانت تحملهم جنبا إلى جنب جنودها المقاتلين ، مدربة
على النهب والحرق والتخريب ، توجهت هذه العناصر ، لتنفيذ أهدافها وفق ما تحمل من
مخططات أقدمت على تنفيذها رفقة قوات الاحتلال ، البعض منها هدفه المتاحف التي تحوي
تاريخ العراق بل تاريخ البشرية الأولى التي صنعت الحرف والقانون ، لتنهب ما خف حمله
وغلا ثمنه ، وتتلف ما استعصى عليهم نقله أو إخفاءه ، وبعضها الآخر هدفه حرق أرشيف
دوائر الدولة . في الساعات الأولى من دخول قوات الاحتلال ، ُنفذت جرائم سرقة وحرق
ثأرية ، فمثلما أقدمت على فعله قوات الاحتلال الفاشي الصدامي في الكويت عندما
احتلته ، في العام 1990 ، من نهب لممتلكات الدولة وأرشيفها ، والسطو على مكتباتها
وما حوت من نفائس كتبها ومخطوطاتها الثمينة ، وحرق لدوائرها وما تحويه من سجلات
ووثائق ، حدث شئ مماثل في دوائر الدولة العراقية ومؤسساتها ، كما ساهمت في جريمة
محو الذاكرة العراقية ، منظمات حزب البعث الفاشي ، التي أطلق عنانها رأس النظام ،
بندائه ل ' الحواسم ' من أعضائه ومن المجرمين الذين أطلق سراحهم قبل سقوط نظامه ،
وحدد لهم أهدافهم ساعة دخول القوات الأمريكية بغداد ، بأن تنهب وتحرق وتخرب كل ما
تطاله أيديهم ، فهؤلاء ، ' الحواسم ' أتموا ما لم تقدر على تنفيذه قوات الاحتلال
ومنظمات الجريمة المنظمة الدولية ، للتغطية على جرائم ارتكبها النظام الفاشي بحق
الشعب العراقي ، ومحكمة الجنايات التي تحاكم صدام وزمرته بجريمة الدجيل ، خير دليل
، حيث تعذر على هيئة الإدعاء العام ، ليس فقط استحضار إضبارة الدعوة التي حوكم
بموجبها ضحايا جريمة الدجيل ، وإنما لم تتوفر أية وثيقة من وثائق محكمة الثورة التي
حاكمت صوريا آلاف العراقيين ، نتيجة للحرق الذي شمل أرشيف كل دوائر الدولة
ومؤسساتها ، وهذا لم يكن بعيدا عن مساعدة قوات الاحتلال التي حمت هؤلاء المجرمين .
قوات الاحتلال نفسها ساهمت في نهب وإتلاف الذاكرة الرسمية العراقية ، وهي نفسها ،
قوات الاحتلال ، اعترفت بأنها سرقت مئات الأطنان من وثائق الدولة العراقية ونقلتها
إلى الولايات المتحدة ، إلا أننا لم نجد أيا من حكامنا من طالب باسترداد هذه
الوثائق ، رغم اعتراف الولايات المتحدة رسميا باستيلائها على هذه الوثائق ،
فالاحتلال لم يتمثل على أرض الواقع العراقي ، بأهداف اقتصادية وعسكرية ، وإنما
بالسيطرة على أرشيف الدولة العراقية ، بما يحويه هذا الأرشيف من بحوث علمية وعسكرية
واقتصادية وفنية وغيرها من مجالات ، حصيلة نتاج أكثر من ثمانين عام من عمر الدولة
العراقية .
ما تعرض له العراق من إتلاف لتاريخه وذاكرته ، لا يمكن تعويضه ، إلا أن ما ُنهب
وُسرق من جهات دولية ومنظمات معلومة ، لم نر أية جهود حكومية مبذولة لاسترداد بعضا
من هذه الذاكرة المستباحة ، مما يضع المسؤولية ، ليس على عاتق الحكومة ومؤسساتها
الثقافية والأمنية فقط ، بل وعلى عاتق منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني
، للعمل على المطالبة باسترداد مانهبته قوات الاحتلال والإدارة الأمريكية
والمتعاونين معها . المواطنون العراقيون ، بمختلف اهتماماتهم ، الذين أدمت محاجرهم
الجرائم المرتكبة بحق العراق وتاريخه ، مطالبون بالعمل والمساعدة على إعادة بناء
ذاكرة العراق ..!