|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

 الخميس 28/2/ 2013                                 عبدالحسين شعبان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

عملية إيمرلي

عبد الحسين شعبان *

بعد اغتيال ثلاث قياديات من حزب العمال الكردستاني التركي في باريس يوم 12-1-2013 في ظروف غامضة، تعرّضت عملية “إيمرلي” إلى ضربة موجعة . و”إيمرلي” هي جزيرة في بحر مرمرة يُعتقل فيها زعيم الحزب عبدالله أوجلان منذ 14 عاماً، وكان يفترض أن تبدأ فيها المفاوضات بين الحكومة التركية والقائد الكردي .

لعلّ اغتيال القياديات الكرديات، وأبرزهن كانت سكينة جانسيز إحدى مؤسسات الحزب، محاولة تستهدف إفشال المفاوضات، لاسيما أنها تحظى بمكانة كبيرة داخل الحزب وخارجه، ولدى قائد الحزب أوجلان ذاته، فضلاً عن أن مالية الحزب، كما تردّد، كانت تحت إشرافها، الأمر الذي سيعني أن اغتيالها يدل على عدم رغبة أحد الأطراف من داخل الحكومة التركية أو من داخل الحزب أو خارجهما، بما فيها أطراف من الأجهزة الأمنية الفرنسية أو غيرها من الدول من الشرق والغرب، في قيام تلك المفاوضات حتى قبل أن تبدأ .

لقد أُجهضت المفاوضات وهي في مهدها، وهو الأمر الذي سيفتح الباب على مصراعيه لصراعات ومنافسات جديدة داخل الحزب، وربما سيؤدي إلى اتهامات لهذا الفريق أو ذاك، وهو ما يحدث غالباً في الأحزاب الشمولية، خصوصاً أن التحقيقات قد تمتدّ إلى سنوات، كما جرت العادة في مثل هذه القضايا، حيث كان مخطط الاغتيال بارعاً، فضلاً عن وجود جهات داخلية وخارجية قد تكون ضالعة فيه ومتورطة ببعض جوانبه أو مستفيدة منه، بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً أن الموضوع معقّد وخطر للغاية لجهة ارتباطه، بالوضع الإقليمي المتفجّر بصراعات متنوعة جيوبولتيكية وإثنية، ودور الحكومة التركية وموقفها منها، فضلاً عن القوى الكردية المعنية بها، سواء كان في سوريا على نحو مباشر أو في غيرها .

وإذا كانت فرضية الصراع الداخلي واردة، خصوصاً وقد أشار المدعي العام الفرنسي إلى تصفية الحسابات الداخلية، مستدلا على جانب فني “ بدليل أن السيدات الثلاث فتحن الباب الذي يُغلق من الداخل بشيفرة سرّية”، وهذا الدليل ذاته، وربما لدفع الشبهة، اعتمد عليه رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، حيث بادر إلى اتهام جهات كردية متطرفة بتخريب المفاوضات بين أنقرة وزعيم حزب العمال عبدالله أوجلان، علماً أن الحكومة التركية ناقشت إجراء بعض التعديلات الدستورية المتعلقة بقانون العقوبات والإرهاب، وحصرت تهمة “الإرهابي” على كل من يحمل السلاح وينتمي إلى حزب إرهابي ويستخدم العنف، ومثل هذا التعريف من شأنه التخفيف من ملاحقة أعضاء حزب العمال، فضلاً عن إطلاق سراح المئات منهم، وهو الأمر الذي لا يستبعد أيضاً وجود قوى معارضة من داخل الحكومة أو من خارجها لتعطيل ومنع الوصول إلى أي نوع من الاتفاق بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني .

ويعود بنا هذا الاغتيال بالذاكرة إلى 13 يوليو/ تموز 1989 يوم اغتيل الزعيم الكردي الإيراني الدكتور عبد الرحمن قاسملو وزميله الكردي العراقي فاضل رسول الذي كان يتوسط لإتمام اللقاء بينه وبين قياديين إيرانيين، في شقة في فيينا، وإذا بكاتم الصوت يصل إليهما قبل التئام الاجتماع المرتقب، ليضع حدّاً لأية توجّهات إزاء فتح صفحة جديدة سلمية بين الحركة الكردية الإيرانية وحكومة الجمهورية الإسلامية، وإلى حينه لم تنجلِ ضبابية هذا الاغتيال السياسي الغادر، والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستتمكن السلطات الفرنسية من كشف ما عجزت عنه السلطات النمساوية قبل ذلك؟

لقد بدأت المفاوضات التي كان لمحمد أوجلان شقيق الزعيم الكردي، دور تمهيدي فيها، وذلك عندما أفرزت الحكومة حاقان فيدان رئيس الاستخبارات التركية الذي كلّف لقاء أوجلان شخصياً في محبسه في جزيرة إيمرلي التي يقبع فيها الزعيم الكردي الذي حكم بالاعدام، ثم تم تخفيض حكمه إلى المؤبد . وكانت الحكومة التركية قد افترضت أن أية مفاوضات لا تحظى بموافقة وتأييد أوجلان رئيس الحزب قد لا تؤدي إلى النتيجة المرجوّة، لذلك حرصت على لقائه والتفاهم معه، خصوصاً بعدما أبدى أوجلان شخصياً تحفظاً إزاء العمليات العسكرية، بل واستعداداً للتوصل إلى حل سلمي للمسألة الكردية، لاسيما الاعتراف بالحقوق القومية والثقافية للكرد .

ولعلّ مثل هذا الافتراض الذي ذهبت إليه الحكومة التركية له أبعاده السياسية التكتيكية والاستراتيجية، فعلى الرغم من نحو عقد ونصف العقد من الزمان أمضاه أوجلان في المحبس التركي، معزولاً ومنفياً بعد اختطافه من جانب أجهزة استخباراتية دولية في كينيا العام ،1999 ومحاولة الدولة التركية تفتيت الحركة الكردية بشتى الأساليب العسكرية والسياسية وغيرها، فمازال الحراك الكردي، وخصوصاً ما يقوم به حزب العمال الكردستاني هو الأقوى والأكثر تأثيراً في الميدان، ولهذا فإن أي اتفاق من جانب الدولة التركية من دون أوجلان وحزبه لن يكتسب شرعية وديمومة، وهو ما تدركه الدولة التركية، وتعمل على تحقيقه لأغراض استراتيجية وتكتيكية، داخلية وإقليمية، لأنه في خضم الصراع الإقليمي الدائر من حولها، وهي طرف أساس فيه، يصبح الاستقرار التركي الداخلي أولوية لا غنى عنها، خصوصاً أن أي اتفاق تركي حكومي - كردي سيحظى بدعم كردي - تركي شعبي، إضافة إلى تأييد كردي قومي .

ولهذه الأسباب تسعى تركيا إلى تحييد حزب العمال الكردستاني، لضمان أمنها الوطني من جهة، وللتفرّغ لمشروعها الخارجي من غير تهديد داخلي من جهة أخرى، مع وعود بمنح الكرد بعض الحقوق التي لا تلبي مطامحهم ولا تستجيب لتطلعاتهم، خصوصاً أن تركيا الرسمية بما فيها حزب العدالة والتنمية، لم تتوصل بعد إلى قناعة مبدئية بضرورة تأمين الحقوق القومية والسياسية للكرد كشعب شريك في دولة متعددة الانتماءات ومتنوّعة القوميات .

ما الذي تريده الحكومة من حزب العمال الكردستاني؟ وما الذي تريده الحركة الكردية وحزب العمال من الحكومة؟

الحكومة تريد من الحزب إلقاء السلاح وإنهاء العمل العسكري مقابل تلبية بعض المطالب الثقافية والإدارية التي لا ترتقي بحدّها الأدنى إلى الحقوق السياسية والقومية، خصوصاً الكيان المستقل أو شبه المستقل مثل الحكم الذاتي أو الفيدرالية . وتاريخياً تقف الحكومات التركية ضد مبدأ حق تقرير المصير، باستثناء بعض أحزاب اليسار، وتعدّ التيارات السياسية القومية بشكل عام، الكرد أتراكاً سكنوا الجبال في جنوبي تركيا، وتتنكر لوجود الأمة الكردية، لدرجة أن دستور العام 1984 يحجب عن الكرد الحقوق الأساسية بما فيها اللغة وإحياء التراث والتنمية الثقافية، فضلاً عن حقوقهم السياسية والقومية، علماً أن الكرد فعلياً يمثلون نحو 20 محافظة من مجموع 81 وفيها كثافة سكانية، إضافة إلى أن نحو 4 ملايين كردي يعيشون في اسطنبول وحدها، ويبلغ عدد الأكراد الأتراك نحو 55% من كرد العالم حسب بعض الإحصاءات .

ويرى حزب العدالة والتنمية ومعه الأطراف السياسية بشكل عام أن قيام كيانية خاصة، سواء بالحكم الذاتي أو الاتحاد الفيدرالي، انتقاص من السيادة التركية، ووفقاً لهذا التوجّه من جانب القوى التركية إزاء الكرد فإن مواقفها تراوح بين عدم الاعتراف بوجود كردي، وبين اعتراف محدود بحقوق محدودة ومدجّنة، وبشكل عام فإن التعصب والاستعلاء إزاء الكرد يبقى قائماً وهو الذي يحول دون الاعتراف القانوني بحقوقهم والعمل على إيجاد حلول عملية لمشكلتهم القومية .

أما الحركة الكردية ولاسيما حزب العمال، فإنه يطالب بالاعتراف بحقه في تقرير المصير في إطار دولة فيدرالية تركية على أساس المواطنة المتساوية، وذلك بإقامة إقليم كردي في تركيا الموحدة، على غرار بعض التجارب الفيدرالية، ومنها التجربة العراقية، فهل من المعقول أن تلبي حكومة أردوغان مثل هذه المطالب؟ أو أن استمرار التنكر لحقوق الكرد قد يؤدي إلى استحقاق أبعد يقود إلى تفكيك الدولة التركية ذاتها، علماً أن حلم الكرد كما هو معلن في العراق وإيران وسوريا وتركيا، هو إقامة كيان كردي موحد مثل حلم الأمة العربية بالوحدة العربية؟

وتعدّ الدولة التركية ودستورها، مثل هذه الأهداف والمطالب افتئاتاً عليها وانتقاصاً منها، خصوصاً أن توجهاتها الأولى قامت على “التتريك” وعدم الاعتراف بوجود قوميات أخرى في تركيا، في محاولة لصهر أو تذويب الانتماءات الإثنية والسلالية واللغوية والثقافية، حتى وإن كانت من أصول كردية أو عربية أو غيرها، وهو الأمر الذي دفع الحكام إلى ممارسة شكل من أشكال الاضطهاد ضد “التنوّع” الثقافي، مثلما قاد إلى انعدام الثقة التاريخي بين المجموعات الثقافية والحكومات التركية المتعاقبة، سواء كانت قومية أو ليبرالية أو إسلامية، وهو الأمر الذي عانى منه الكرد في العراق وإيران وسوريا .

وفي ظل مثل هذا التفاوت في الرؤى والمواقف للأطراف المتفاوضة، فإن حظوظ النجاح باتت ضئيلة، وإن الأمل في استكمال إيمرلي، في ظل اغتيال القياديات الكرديات الثلاث أصبح بعيداً، خصوصاً في الظروف الحسّاسة والأوضاع الدقيقة التي تمرّ بها تركيا والمنطقة .

 

صحيفة الخليج الاماراتية ، الاربعاء 27/2/2013


* كاتب ومفكر عراقي وأستاذ القانون الدولي وفلسفة اللاعنف في جامعة أونور - بيروت

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter