حكمت مهدي جبار
الثورة الحسينية .. قراءة فكرية
حكمت مهدي جبار
يستذكر العالم العربي الأسلامي في ارجاء الأرض هذه الأيام واقعة من أهم الوقائع التأريخية في مسيرة التاريخ العربي الأسلامي التي جرت فيها معركة كربلاء الخالدة بين الجيش الأسلامي بقيادة الأمام الحسين (ع) من جهة , وجيش يزيد بن معاوية (الأسلامي) من جهة أخرى . في العاشر من المحرم الحرام سنة 61 هجرية أبان حكم الدولة العربية الأموية.
المقدمات التأريخية للثورة
وقعت الحادثة بعد مرور الأسلام والعرب بأدوار من التخالفات والمتناقضات منذ وفاة الرسول محمد(ع) حتى سيطرة الأمويون على دفة الحكم العربي . والحقيقة كانت تلك المتناقضات تمثل أدوار (صراع داخلي أهلي) لم تكن تليق بالأمة ودورها العظيم في تغيير وجه العالم في ذلك العصر. فلم يرضى بها العربي المسلم الغيور على عروبته ودينه .. فقد أمتدت الصراعات المذهبية وتفجرت على شكل حروب وفتن ونزاعات وسفكت فيها دماء وجرح الجسد الأسلامي , ومن هنا استنبتت داخل النفس العربية روح الأنتقام والثأر وكأن العرب عادوا الى العصر الجاهلي.
لقد كانت الدوافع وراء تلك الصراعات الداخلية داخل الجسد العربي المسلم الواحد عديدة لا مجال لذكر أسبابها التاريخية وهي بالتأكيد معروفة لدى الغالب الأعم ممن يتابع حركة التاريخ العربي الأسلامي ولكل واحد رأي وموقف ووجهة نظر تعبر عن حرية فكره وديمقراطية أتجاهه. فجرى التاريخ العربي الأسلامي وهو يقيم دولته العظيمة وقد تبلور فيها الفكر وصار له صدى ملأ الدنيا وأصبحت له نظريات وأيديولوجيات على (أرضية قلقة) . يمثل تلك الأرضية طرفان هما (الشيعة والسنة).
البعد السياسي
تبلور فكر هذين المذهبين كل حسب فهمه وتفسيره لما جاء به الأسلام , دين التوحيد والوحدة والحرية والعدالة والمساواة . فقد فهم (السنة) الأسلام (سياسيا) على غير ما فهمه (الشيعة) (سياسيا) أيضا, فيما يتعلق بمفهوم (الحاكم والمحكوم) . فكانت الاراء متباينة في : خلافة (أبا بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي). ثم الآراء عن موقف (معاوية) مع (علي) وقضية التحكيم , والتداعيات التي رافقت تلك الأحداث وهي كثيرة ومتشعبة. حتى اندلاع ثورة الحسين (ع) ضد حكم (يزيد بن معاوية)..
كان الموقف السياسي للمسلمين (السنة) أزاء (قضية عاشوراء) يتسم بـ (الصمت). أما المسلمين (الشيعة) فكان صوتهم عاليا أتسم بـ (الثورية). وكان السنة يقولون بضرورة بناء الدولة والأخذ بيد المسلمين نحو تثبيت دعائم السلطة وبناء المؤسسات وأحترام الحاكم والمسؤول وما شابه . أما الشيعة فكانوا ينطلقون من ضرورة وجود الحاكم المنزه المقدس والذي (أخذت) منه السلطة عنوة . وأن (الحسين) هو الأولى بقيادة المسلمين (سياسيا) من (يزيد) بما لا يقبل النقاش , كون (الحسين) أمتدادا لجده وأبيه وآل بيت النبوة الآخرين. بينما نجد البعض من المسلمين (السنة) قد وجهوا الأتهام الى الحسين عندما اعتبروه متمردا على (الحاكم الأسلامي) وأمتد هذا الأعتقاد الى يومنا هذا, تحت يافطة (المسؤولية الشرعية للحكم).
أن من أهم عناصر التكوين المذهبي للسنة والشيعة هي مسألة السلطة الدينية – السياسية . أي بمعنى آخر هو (ألأمامة والخلافة) وهذا الأمر صار من أهم العلامات الفارقة منذ صدر الأسلام حتى يومنا هذا. فتشكل الفكر السياسي الأسلامي على (صراع افكار) وتباين مواقف حول أحقية فلان على فلان في أدارة دفة الحكم للأمة. ولكنه لم يكن صراعا أيجابيا , انما كان سلبيا , بما أثر على خلق (شخصية عربية قلقة). أستغلتها الأمم الأخرى لتنهش بالجسد العربي المسلم , ولتتدخل في النظم السياسية العربية وتسيرها كما تشاء.. والمشكلة هو أن (الفرد العربي) لم يستنبط من وقائع تأريخه الحي دروسا وعبر لكي يبني دولة ويؤسس لأمة ويقود شعب. فلا زال بعض سياسيونا يفكرون في روحية الأنتقام من أشخاص ماتوا قبل آلاف السنين. ولا زالوا يبكون على أطلال التأريخ ينعون مصائب أكل عليها الدهر وشرب. فغرقوا في المشاعر والعواطف ونسوا التفكير المنطقي والعقلاني في التعامل مع الحياة لبناء المستقبل .
صحيح أن تأريخ العرب المسلمين مليء بالصراعات والمشاكل , وهو لأمر مؤلم موجع لكل عربي مسلم يحب أمته ودينه. ونحن عندما نقرأ تأريخنا العربي الأسلامي نشعر بآهات وآلام دفينة تعتصر قلوبنا . ولكن علينا أن لا نقف متباكين نتعكز على مأساتنا , فذلك أمر لا يغير شيء من الحياة بأتجاه تثبيت دعائم الأسلام العظيمة وحفظ وصون أمانة حمل راية التوحيد والعدل والمساواة التي جاء بها النبي محمد (ص) ومن بعده آل بيته الأطهار وصحابته الأبرار.
البعد التربوي
نجد ان هناك تعاليم تربت عليها الاجيال وأستلهم منها المشتغلون في التربية دلالات ومعاني تربوية تمثلت في الصبر وتحمل الأذى والوفاء ونكران الذات والتضحية وأطاعة اولي الأمر والأخوة والتسامح والرحمة والشجاعة والتحدي والثبات على المباديء. ومن يقرأ وقائع الثورة ثم احداث المعركة يجد تلك الدروس بائنة وواضحة للعيان.
البعد الاجتماعي
نجد أن الثورة عبرت عن معاني لتأسيس مجتمع قائم على احترام الوجود الانساني كخليفة لله في الارض . فدعا الحسين بثورته الخالدة لأقامة (مجتمع مدني) خال من التسلط والجبروت مبني على أسس شرعية يسعى الى المثالية , وبأدوات واقعية. فالحسين كان واقعيا في موقفه أزاء الحاكم الأموي وموضوعيا ولم يكن متوهما و(يوتوبيا) يعيش الخيال حالما بالعرش والسلطة. وكان يمتلك الرؤية الثاقبة لما ستؤول اليه امور المجتمع المسلم تحت حكم السلطان الدكتاتوري المتسلط.. لقد تمكن الحسين من أستخدام التغيير وتمسك بمباديء السماء لنشرها في الأرض من أجل خلق مجتمع حر ديمقراطي اسلامي عربي موحد يتمتع بوجوده الأنساني بين الأمم الأخرى عبر ثورته العظيمة..
البعد السياسي
أن الثورة الحسينية انطلقت لتغيير مسارات حكم الدولة التي لم تعد تحمل من الأسلام سوى شعاراته البراقة المزوقة. فشكلت (معارضة) للنظام القائم , لأنه لم يعد نظاما أسلاميا ولا حتى انسانيا , فكان المسلم شيعيا أو سنيا في زمن يزيد يعيش الأبتذال والأمتهان والضعة والضعف. وقد اتبع الأمويون سياسة الحزب الواحد الدكتاتوري المتسلط على رقاب المسلمين. فلم يكن من بد الا ان ينهض الحسين بهذه الثورة انطلاقا من حرصه على مبادي الثورة الأسلامية الكبرى التي عمت الأرض بقيادة النبي محمد (ص). فكانت ثورته هي ثورة التصحيح وتعديل المسار الى مجراه الصحيح .
البعد الثقافي
امتلكت ثورة الحسين ومن خلال معركة عاشوراء حزمة من الثقافات في تهذيب الممارسات الحياتية وتثقيف البنى الاجتماعية عادات وتقاليد وقيم واعراف وسلوكيات وعلاقات اجتماعية امتدت الى وقتنا الحاضر. في حين اننا نعرف ان الحروب لم تخلف وراءها غير الآثار السلبية والدمار وتحطيم النفوس وشهوة التسلط والسيطرة. بينما نجد ان معركة عاشوراء كحرب تركت بصمات انسانية عميقة الشأن في تاريخ البشرية وثقفت أهل الأرض بأن الثبات على المباديء هو القيمة المثلى للوجود الأنساني رغم انه قد يخسر أشياء أو كل شيء في حياته ..
البعد الفكري
أسست ثورة الحسين قواعد عظيمة للفكر الاسلامي ومدت آفاقا جديدة لرسم خريطة (الآيديولوجية العربية الأسلامية المحمدية) . ومن هنا انطلق الفكر الحسيني كأداة مهمة وخطيرة وفاعلة لأعادة انتاج حياة عربية اسلامية تستلهم من الرسالة السماوية المقدسة مبادءها وشعاراتها وأهدافها. فدعوة الحسين الرافضة للحاكم الأموي آنذاك انما كانت سعيا لأقتلاع فكر شمولي لم يحترم الخصوصية الأسلامية ولا العربية . ولم تكن دعوته عليه السلام لتأسيس حزب على انقاض حزب آخر انما جاءت لتصحح المسار من لا شرعي الى شرعي . لقد جاءت ثورة الحسين على أساس الفكرة والفكرة المضادة . صراع ما بين فكرة الخير وفكرة الشر .. ولقد خسر الحسين الحرب مع يزيد فنيا على المستوى العسكري حيث لم تكن الحرب متكافئة بسبب قلة العدة والعدد وصعوبة الظروف المحيطة حيث عناء السفر وتعب الطريق فضلا عن شدة الظمأ الى جانب الغدر والخيانة الذي وقع فيه الحسين وجيشه. فتكبد جيش الحسين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات حتى انتهت الحرب بمصرعه في مشهد مروع فأذهل الدنيا بأستشهاده . فأنتصرت فكرة الخير على فكرة الشر .
ثورة الحسين والحرية
لماذا ثار الحسين ضد الحكم الاموي . وتحمل اعباء معركة عاشوراء وقد خسرها عسكريا وهو يواجه اعتى نظام دكتاتوري آنذاك . ومن أجل ماذا فقد ابنائه وأخوته واقربائه وأبناء عشيرته وعمومته ثم خسر نفسه ؟ فبالأضافة الى نواياه في سبيل اعادة نشر العدل وأحقاق الحكم الشرعي لخلافة المسلمين تنفيذا لوصايا جده محمد (ص) وتماشيا مع جوهر الأسلام في تنصيب قائدا لهم . فقد كان عليه السلام يدعو الى تحقيق هدف انساني عظيم طالما حلمت به البشرية الا وهو (الحرية) . ونستطيع ان نعرف ذلك من خلال خطابات قائد الثورة (الحسين بن علي) .
ومن أشهرها خطبته الى انصاره عندما وصل العراق مع جيشه , نقتطف جزءا منها ((أن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها , فلم يبقى منها الا صبابة كصبابة الأناء وخسيس العيش كالمرعى الوبيل , الا ترون الحق لا يعمل به , وأن الباطل لا ينتهي منه , ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فأني لا أرى الموت الا سعادة ولا الحياة الا مع الظالمين الا برما , أن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فأذا محصوا بالبلاء قل الديانون)). وهنا نتعرف وبشكل واضح لماذا قرر الحسين الثورة والتمرد والرفض للنظام القائم الذي أسسه الأمويون. وقد حدد عليه السلام اسباب ذلك وهي ان الحق لا يعمل به والباطل لا ينتهي منه أي أن الأغلال والقيود المادية والمعنوية التي صنعها الطغاة وأذنابهم هي المتحكمة بحياة الأمة . وقد رغب عنها الى لقاء ربه صابرا محتسبا غير مدبر .
وثورة الحسين في حقيقة أمرها انما هي انتفاضة اعادت الطريق المنحرف الى سكته رغم الخسارة الفادحة عسكريا من حيث العدة والعدد. وأستفزت الوعي العربي المسلم بعد أن نام متنعما بأغراءات حكومة يزيد . ولم يشعر العرب المسلمون الذين تحفظوا في باديء الأمر عن الثورة وصمتوا بأهميتها الا بعد أن بزغت ابعادها ومعانيها العظيمة. فثار العرب حتى من الأمويين وأستنكروا ما فعله يزيد. وهنا اكتشفت الأمة العربية الأسلامية حقيقة حريتها المسلوبة .
الدروس المستنبطة من ثورة الحسين
مر على الثورة الحسينية زمن طويل. الا انها بقيت تتعاظم ويشتد بريقها كلما اعاد قراءتها ابناء الأنسانية والعرب والمسلمون. وتعمق المفكرون والسياسيون والمؤرخون والفلاسفة والعلماء والفنانون والشعراء والكتاب والملوك والحكام وزعماء الثورات ورؤساء الدول في معاني تلك الثورة, فمنهم من أسس نظريته السياسية في بناء حكومته وآخرون اتخذوا منها نبراسا في الثبات على المباديء في السعي لتحقيق انسانية الأنسان, وأستلهم المبدعون منها اروع نتاجاتهم الفنية والأدبية , ووضع الفلاسفة نظرياتهم مستوحين منها روافد منهجهم الفلسفي لاسيما المثاليون منهم . وعرف أهل الغرب كيف يأخذون لب الفكرة الحسينية ومنهج الثورة وهدف التغيير. أما العرب المسلمون فظلوا حائرين مندهشين منذهلين بتلك الثورة. يعيشون حالة (الأزدواج الفكري) فهم لم يأخذوا من ثورة الحسين الا الشعارات والتباهي بين الأمم والتعكز على مجد الآباء , (كان أبي). وعندما يحاولوا التمثل بشخصية الحسين يشعروا بالخوف والرهبة من فقدان أشياء كثيرة. فتراهم متشبثين بشهوة الحكم ولذة السلطة . وعندما تسطع عليهم أشعة الثورة الحسينية بمبادئها وشعاراتها وأهدافها ومعانيها يضعون أيديهم على عيونهم . وعندما يسمعون صوت الحسين مدويا يصمون أذانهم لأنهم مليئون بالسيئات والخطايا والذنوب . لذلك تراهم يكتفون بالبكاء والشعارات الفارغة . يتغنون بآلامهم وأوجاعهم ولكنهم فاقدي القدرة على أعادة بناء الحياة وصنع المستقبل . ليكن بكاؤنا على الحسين شرعة سماوية أوصى بها النبي محمد (ص) ولتكن الدمعة عامل أستحضار لعظمة ثورة الحسين , وليس البكاء لأجل البكاء. لا نظلم الحسين مرة أخرى ونخلع عليه امورا لا تليق به وبعظمته وشأنه عند الله تعالى. لا نظلمه ونحمّله بزوائد وأشياء ما أنزل الله بها من سلطان. لا نظلمه ونجعل منه انسانا ضعيفا خانعا مترددا شاعرا بالخطأ ليس له قرار ثابت. لا نظلمه عندما نمارس مسؤوليتنا كولاة أمور للشعب كأتباع له ونحن نظلم الناس من حيث ندري أو لا ندري. الحسين ذلك الرجل العظيم الذي كان وسيبقى مثالا للأنسان والأنسانية وشيخ الثائرين على الظلم وسيد الرجال لابد من أن نقتبس منه دستور حياتنا في كل مستوياتها السياسية والأقتصادية والأجتماعية والثقافية والدينية ..
فلابد من تبديل آلامنا وأوجاعنا وبكاؤنا الى فعل يوحد صفوفنا التي تبعثرت. ولنجعل من أستذكار واقعة عاشوراء العظيمة منطلقا ثوريا لأعادة انتاج حياتنا العربية الأسلامية. ولنجعل من طقوس عاشوراء وشعائرها رسائل لوحدتنا الأسلامية ودعوة للتسامح والرحمة والتعاون وبناء مجتمع حر قائم على الأخلاص والأخوة والتفاني بعيدا عن التخلف والجهل والسذاجة والأنجراف العاطفي غير الموضوعي وغير المنطقي..
مراجع:-
1 - الفكر السياسي عند الشيعة والسنة . الخلفيات والنتائج – محمد مسجد جامعي – تعريب – عباس الأسدي - 2006
2 - اشكالية العلاقة بين الحرية والديمقراطية . دراسة بين الحرية في الاسلام وفي الغرب – أحسان محمد ىالعارضي - 2005