| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

حكمت مهدي جبار

 

 

 

 

                                                                                    السبت 30/7/ 2011

 

قصة قصيرة

زمن الطين

 حكمت مهدي جبار

في زمن كانت الدنيا فيه كلها من طين خالص بلا شوائب. نطلع بوجوهنا امام الشمس فيسيل ضوءها الساطع على محيانا فننتشي. نتسابق مع أشعتها الذهبية لئلا تغزو الأفياء فتلسعنا حرارتها.. نتقافز كما الحملان نغسل من ماء النهر وجوهنا . ونسوي شعراتنا بالمشط الخشبي . وترش علينا امهاتنا ماء الورد مكركرين بزهو . ثم ننطلق الى مدرستنا الوحيدة في القرية.. نقطع المسافات على دروب يغطيها التراب الذي هرسته المواشي فيبدو ناعما . ترافقنا قطعان الأغنام وارتال الماعز المشاكس والبقر يقودها صبيان محلقي الرؤوس يمتطون ظهور الحمير ومعهم كلابهم .. وعندما تغزونا روائح الصوف والشعر وفضلات الحيوانات نحرص على ابقاء رائحة ماء الورد معلقة في قمصاننا حتى ندرك مدرستنا..

حدث ذلك كله في زمن الطين .. عندما كنا صغار. وكنا نلعب به بلذة. وعندما صرنا تلاميذ في المدرسة , دخلنا صفوفا مبنية من طين. كبرنا وانتقلنا الى صفوف اخرى وعندما كان معلم التاريخ يدخل الصف يعرض لنا تماثيل من طين . رؤوس متوجة. اجسام نصفية. رجال مهشمي الأذرع . اختام اسطوانية. خناجر. سكاكين. نماذج لمسلات منقوش عليها حروف لا نفقه منها شيئا .

= هذه تماثيل طينية مفخورة .

= لقد صنع اجدادكم التاريخ من الطين . فعلمونا كيف نحفر أسماءنا عليه.

= استاد .. هل كانوا من طين؟

= نعم كانوا من طين؟

فننطلق ضاحكين . يلتفت واحدنا على الآخر. غير مصدقين بما قاله معلمنا. معتبرين ان ما قاله انما هو ملاطفة . وعندما يحين وقت درس الدين , يقول لنا المعلم . أن الله خلقنا من طين ويقرأ لنا آيات من القرآن الكريم (بسم الله الرحمن الرحيم :- ............)

عندما يرن جرس الدرس الأخير . نهرع نحو باب المدرسة الخشبي المحاط بجدارين من الطين. فننطلق كمن يفر من سجن. نحمل أكياسا محشورة فيها كتبنا وأقلامنا ودفاترنا وما تبقى من ارغفة الخبز المعفر برائحة البيض.. في طريق عودتنا. نثير التراب.. ننظر بأتجاهات مختلفة. وعلى حين غرة تغيم السماء . ويهطل المطر لينقع الأرض فتنتشي ارواحنا برائحة تغزو صدورنا بعبقها الفواح. لا نعرف للرائحة أسما سوى انها رائحة الطين فحسب.

= اتشم رائحة الأرض عند سقوط المطر؟

= ألله ......... كم هي منعشة.

= كأني أشعر بها لذيذة.

ما أن نصل بيوتنا . نلقي بأكياس الكتب جانبا بلا مبالاة. وتضرب انوفنا رائحة الخبز المشوي في تنور الطين المسجور تقذف منه النار السنتها . وعندما تهفت , يكون جدار التنور الأسطواني الشكل جاهزا لشي اقراص العجين.. الطين يصنع لنا الخبز . التنور المستعر مصدر البركة والخير. هو عبارة عن كوة صنعته أمهاتنا من الطين (الحري) بتشكيلة رائعة التناسب . يوحي بلمسات فنية تشكيلية رائعة . يوضع على الأرض بنسبة وتناسب مع خط الأرض وبميلان زاوية دقيقة التوازن. أمهاتنا يصنعن التنور من الطين . ويمنحنه رموزا مقدسة :

= تنور فاطمة .. لا أحد يلقي به شيئا نجسا.

في باحة الدار الفسيحة . يكوم آباؤنا تلال من تراب. يخلطون معه (التبن) وينقلون اليه الماء بصفائح معدنية من السواقي القريبة . يدوسون ذلك الخليط فيعجن كله لتتكون كتل من طين متمازجة ببعضها.. ننتهز نحن الصغار فرصة . فننط الى كومة الطين نهرسه بأقدامنا الطرية. متراقصين رافعين أذيال ثيابنا المقلمة , فتظهر مؤخراتنا . وعندئذ يستفز آباؤنا ذلك المنظر, فينهروننا:

= ما هذا ؟....اخرجوا من الطين ..

يقمع آباؤنا فينا تلك اللذة التي تدغدغنا بأقدامنا. غير أن برودة الطين لم تبرح ارجلنا حتى يجففها الهواء. نكتفي بألتقاط فتات الطين المتناثر من حول كومة الطين الكبيرة. نصنع منها أشيائنا :

= سأصنع تمثالا للرجل الذي سماه معلم التاريخ بـ (السومري)

= وأنا سأصنع رأسا يشبه رأس الفتاة التي قال عنها المعلم انها ملكة (بابلية)

= لا ... انه حرام .. الم يقل لكم معلم الدين أن التصوير حرام..؟ أنا سأصنع من الطين عجلات تشبه عجلات العربة (الآشورية) .

= أنا سأصنع سيفا , كالذي كان لدى أبي.

يهرس آباؤنا الطين , ليهيئوه (زهاميل) لبناء (الطوف) . يقوم بعض منهم لجمع الطين المتناثر يلملموه من حاشية (التخميرة) الدائرية الكبيرة. آباؤنا يصنعون سياجات البيوت من الطين . ونحن نصنع منه رغباتنا .

الطين .. صنع اجسادنا بأمر السماء. ونفخ الله في اجسادنا الطينية ارواحنا التي لا نعرف ماهي ؟ وأين ؟ وما هو شكلها ؟ ..

عندما يموت الميت. يشيعه الناس الى مقبرة القرية.. تحمله أجساد من طين تحركها الأرواح. والميت صار جثة من طين بلا روح. سوف يحشره أهله وأحبابه بعد لحظات في حفرة في الأرض . نحن الصغار . كنا نرقب من بعيد تحت وطأة الخوف من ممارسات الدفن , كيف يهال التراب على جثة الميت, لتدفن الحفرة بالكامل وتسوى مع سطح الأرض. وبعده لم يكتف الدفانون بتسوية التراب . فيصنعوا منه تلة على قدر الحفرة. ثم يضعون كربة نخل بأتجاه رأس الميت . يحوطونها بالطين . ويكتبوا على قطعة صغيرة هذا قبر المرحوم الفقير لله .... .الفاتحة.

ولأن المطر كان وفيرا.. فلم نرى فطرا في الأرض . ولا شقوق ولا أخاديد سوى سواقي ينقعها الماء طيلة الفصول. كان الطين في زمن طفولتنا لذيذا , فكم كنا نختلس اماكن خفية نأكل منه احجاره الطيبة. ونغسل به ايدينا فتزال منها القاذورات . الطين في زماننا لم يكن وسخا . لذلك كانت أمهاتنا تعمد الرضع بجباههم . ويصنعون من تربته دواءا للصغار. وكانت الحوامل تشتهيه في فترة الحمل. كان الطين في زماننا مقدسا . فصنعوا منه محاريب الصلاة. وتربا يسجد عليها العباد.. وعندما يموت الميت تستودع جثته في رحم الطين.



 

 

free web counter