هرمز كوهاري
الأثنين 16/2/ 2009
على هامش إنتخابات المحافظات - مرة ثانيةالعراقيون : صوَتوا للشعارات ....لا للمبادئ
هرمز كوهـــاري
الشعارات الخادعة
قيلت نكتة عن جوزيف بروز تيتو ، الرئيس اليوغوسلافي الأسبق ، وتقول النكتة :
أن الرئيس تيتو كان في سيارة مع السائق وقد وصلا الى طريق ذو فرعين قال السائق : سيدي أي طريق نسلك ؟ قال تيتو: " أشر على اليسار وإطلع على اليمين " !
العراقيون في الإنتخابات السابقة صوّتوا للمرجعيات واليوم صوّتوا للشعارات و فاتهم أن يتأكدوا أو يقارنوا بين تلك الشعارات و من يرفعها !ولماذا يرفعونها الآن ؟ هل إستيقظ ضمير من يرفعها ؟ ألم يكن لهم علم بها ؟ هل ممارساتهم اليومية تتطابق مع تلك الشعارات ؟
لم يدققوا ويتفحصوا كل هذا ، بل أن هذه الشعارات خدرتهم وأسكرتهم ولتعطشهم لها ورغبتهم للتخلص من الشعارات الطائفية والصور والعمامات ، و قبل أن يتراجع رافعوا تلك الشعارات !! ولو عرف رافعوا الشعارات القديمة أي الشعارات الطائفية والمذهبية انها تدر عليهم أصواتا أكثر لأستمروا عليها ، المهم عندهم الوصول أو البقاء على العروش والإمساك بالصولجانات والفرمانات ..،
والمعروف عن الشعوب العربية والإسلامية وخاصة الشعب العراقي أنهم أسرى العاطفة ، ونلمس ذلك من هيجانهم عند إتهام إمام ما أو ذكر أي شيئ يسيئ الى التاريخ الإسلامي وإن كان حقائق منقولة من البخاري وغيره ، كما فعلوا بشهيد "الحقيقة الغائبة" د. فرج فودا وهدروا دمه ولم يعمل شيئا سوى انه كتب عن حوادث من التاريخ الإسلامي نقلا من مصادر إسلامية !! ، ويقتلون الأشخاص ويفجرون معابد الذين ليس لهم علاقة بتلك الأقوال أو التصرفات ، يريدون من المتكلم أن يتكلم ما يريدون أن يسمعوه وإن كان خلاف الحقيقة والواقع . وهل أن رافعي تلك الشعارات لديهم إستعداد لتطبيقها كلها أو جزءا منها على الأقل ، وذلك بأن يبدأوا بداية صحيحة توصلنا بالنهاية الى ممارسة وتطبيق تلك الشعارات ؟
كثير من دساتير الدول العربية والإسلامية تتضمن مبادئ جيدة في الديمقراطية ، كأن تنص على "... المواطنون سواسية أمام القانون " أو "لا شخص فوق القانون .." الخ .، ولكن هل حدث أن أقيل رئيس وزراء أو رئيس دولة عربية بتهمة الفساد أو القتل ، وبالعكس رأينا ماذا فعل الشعب الأمريكي برئيسه نيكسون بقضية ووترغيت ، وبرئيسه الآخر كلينتون ، رئيس أقوى دولة تتحرك الأساطيل الجوية والبحرية والبرية بإشارة منه ، جرجرته فتاة نكرة الى القضاء وفضحته أمام شعبه وكل شعوب العالم بتهمة التحرش الجنسي !!، وكم رئيس إسرائيلي أو رئيس وزارة إزيح أو إنسحب بمجرد كشف أنه مرتشي أو راشي ، وزيرة سويدية في الحكومة اليمينية الجديدة التي شكلت قبل ثلاثة سنوات ، إكتشفوا أنها متخلفة عن دفع رسوم التلفزيون وحاول زوجها ملافاة الخطأ لكنها أصرت وإنسحبت ولم تتعين . القانون لا يفصّل على الأشخاص والمناسبات ، القانون هو الميزان ، كالميزان لا يخجل ولا يستحي من أطول لحية وأضخم سدارة أو أفخم عكال أو أكبر عمامة وأرقى ربطة عنق و وأكثر الياخات المنشّاة أناقة .
و قلت في المقالة السابقة بصدد الموضوع نفسه تحت عنوان:
[ الطائفيون يغيرون ثوبهم ... المالكي نموذجا ] ،إن هؤلاء الساسة هم أنفسهم الذين أسسوا وإستغلوا ولا يزالون يستغلون ويتعكزن على الدين والطائفية والقومية الشوفينية ( ... المنصب الفلاني من حصة السنة أو الشيعة أو الأكراد ....) هل ينص الدستور العراقي الحالي على هذا ؟ أن يفرض شخص على منصب ما وإن كان ذلك الشخص معتوها مثلا !! هذه الحالة موجودة في ظل الدستور الديمقراطي التعددي العراقي ، والآن رفعوا شعارات غير دينية وغير طائفية مع بقاء أعمالهم و ممارساتهم وتصرفاتهم ومناهجهم السياسية دينية طائفية مذهبية أو قومية شوفينية دينية أو عشائرية تسلطية التي لا زالت قائمة وليسوا أول من يسلك هذا السلوك ..
فقد سلكه نوري السعيد بتشكيل حزب الإتحاد الدستوري وهو أكثر واحد خالف الدستور ، فأطلق يد الشيوخ لإستغلال ملايين الفلاحين أبشع إستغلال أشبه بالعبيد ، وهو الذي إعتبر السجناء السياسيين سجناء عاديين وأسقط الجنسية العراقية عن الوطنيين ، وهو أكثر من كان يزوّر الإنتخابات ويحل البرلمان ويعطل الدستور ويصدر أحكاما خلافا لأبسط قواعد الدستور ، ومع هذا شكل حزب الإتحاد الدستوري !!!.
وكذلك تلميذه النجيب المطيع ، صالح جبر ، الذي أزاحته الجماهير الوطنية بكافة توجهاتها ومبادئها سنة 48 ، وتحمل الشيوعيون والإشتراكيون والديمقراطيون مئات الشهداء ، وبعد سنوات فقط أسس حزبا من شيوخ الإقطاع والملاكين والإحتكاريين وسماه : (حزب الأمة الإشتراكي ) والإشتراكية نقيض الإقطاع والشيوخ والملاكين .!!
ولكن الشعب كان يعرف من هو نوري السعيد وصالح جبر ولهذا أصبحت شعاراتهم وأحزابهم موضوع سخرية وإستهزاء وتنكيت في المجالس والمنتديات .
وعبدالناصر سلك الطريق نفسه وبعد أن ألغى الأحزاب ، قال ، " حانعمل ديمقراطية " ورفع شعار العزة والكرامة ، وسمعت نكتة حكاها لي في المعتقل سنة 63 أحد العراقيين وكان مدرسا في مصر كان يتداولها المصريون عن عزة وكرامة عبدالناصر لا مجال لذكرها قد تخدش الأخلاق !، لأن هؤلاء كانوا يعرفون عبدالناصر من أعماله وسجونه وتآمره على العراق وزعيمه عبدالكريم قاسم ولهذا كانوا يستهزأون بشعاراته ، العزة والكرامة ، لأن العزة والكرامة لا تتحق إلا في ظل الحرية والديمقراطية وهو الذي ألغى الأحزاب والحرية والديمقراطية .
وأكثر ممارسي الدجل ومسخ المبادئ وترديد الشعارات الخادعة الكاذبة وعلى مبدأ غوبلز " أكذب ..اكذب حتى يصدقك العدو .."! هم البعثيون والقوميون الذين يعرفهم الشعب العراقي أكثر من أي شعب آخر فرفعوا شعارات ديماغوغية مثل الوحدة والحرية والإشتراكية ، والرسالة الخالدة ! فلم يتمكن صدام حتى من توحيد إسرته ، وحريتهم كانت تعني حرية القتل وإشتراكيته ربما كانت تعني إشراك كل الفئات في الظلم والتعسف و في المقابر الجماعية .
وفي اليوم الأسود المشؤوم يوم 8/ شباط الذي أعتبرته ولا زلت وسأبقى ما بقيت ، أكره وأتعس يوم في حياتي وحياة أكثرية الشعب العراقي . بعد أن أذاع المتآمرون بيان التآمر خرجت دبابات وإنتشرت في الشوارع رافعة شعارات بحياة الزعيم عبدالكريم قاسم ومزينة جوانبها بصوره ، كي لا تضايقها الجماهير في الوصول الى النقاط المخصصة لها ، وكما توقعوا نجحت الخدعة فأخذت الجماهير تصفق لها وتهتف بحياة الزعيم عبدالكريم قاسم وجيشه الأمين المخلص !! ولكن بعد أن أخذت تلك الدبابات مواقعها التي كانت تقصدها وجهت مدافعها الرشاشة الى صدور الجماهير. لم يكن لتلك الجماهير الطيبة المناضلة وقت لتمييز الوجوه ولا تصوّرت أن جيش الشعب وجيش الزعيم الذي كانت تهتف بإسمه في 58 ، و59 " جيش وشعب يحييك .. الجيش يد الشعب القوية لضرب الأعداء والمتآمرين ... " الخ لم يسعفهم الوقت ليحللوا ويدرسوا الموقف بل أسكرهم و خدّرهم حب الزعيم الذي إفتدى الفقراء والمعدومين والفلاحين والعمال والمرأة ، بأن ضرب الإقطاع وحرر الفلاحين من نير أولئك الشيوخ الظالمين ، وإنتزع أكثر من 99. % من أراضي العراق من قبضة الشركات الإحتكارية فكان له شرف التأميم الحقيقي لا الدجالين البعثيين واسس شركة النفط الوطنية ، فصفقوا لتلك للشعارات والصور ليس إلا.
وخدع البعثيون الأكراد ، بل أن الأكراد تسكرهم كلمة الحكم الذاتي ولا يهمهم من يطلقها وهي ككلمة السر عندهم !بحيث ذهبوا الى عبدالناصر بعد نجاح مؤآمرة 8/ شباط ( بإعتراف فؤاد عارف ) بل أن ذهابهم الى عبدالناصر مع البعث لأخذ موافقته على منحهم الحكم الذاتي!! كان إعترافا منهم بوصاية ناصر على العراق !! بإعتبار العراق جزء لا يتجزء من الأمة العربية أي أنه ولاية ناصرية !! ونسوا أن الفيلسوف المشعوذ عفلق أو حجي أحمد لاحقا قال عن الأكراد :
" نجعلهم ، أي الأكراد ، يعتقدون كأنهم عرب قوميةً وأكراد عنصريةً "!! أي يرفعونهم الى مستوى العرب !!! وبهذا تحل المشكلة القومية في العراق ، كما حل القذافي مشاكل العالم كلها بكتابه الأخضر !! ولم تمر أشهر حتى كانت حربا شرسة بينهم وبين البعث. كما خُدعوا في البيان 11/ آذار بالحكم الذاتي وكلنا نعرف كيف طبق صدام حسين ذلك الحكم الذاتي بالتفجير المرعب ، وكلمة السر عند الأكراد هي " الحكم الذاتي " كما ذكرنا أعلاه ! كما كانت " القضية المركزية " كلمة السر لدى الأمة العربية .
وفي بداية السبعينات أصدر حزب البعث كراسا أكثر ماركسيا من ماركسية مولوتوف السوفيتي وديمتروف البلغاري وماركوس اليوناني و جيفارا الكوبي !!!: بعنوان " خندق واحد لا خندقان " وكانوا يقصدون أنهم والشيوعيون في خندق واحد ضد الرجعية والإستعمار !! حتى توهم بعض الشيوعيون بأن هؤلاء هم شيوعيون غير مكشوفين جاءوا بحجة القومية وسيتحولون لاحقا الى الماركسية !!!
الحكومة والقرارات التي تصدرها :
في بداية السبعينات عندما بدأ البعث يتودد الى الشيوعيين للإشتراك في تشكيلات المؤسسات والمنظمات وبإلحاح من بعض الأصدقاء وقادة حزبيين إشتركتُ وزميل لي في مجلس إدارة نقابة المحاسبين وخلال فترة سنتين قدمت عدة مرات الإستقالة من المجلس وكان يتودد الي نائب الرئيس – مدلول ناجي المحن مدير المؤسسة الإقتصادية العامة وكان بدرجة وزير ، و قلت: أن سبب الإستقالة أننا نصدر قرارات في المجلس وفقا لقرار حكومي بمنح المخصصات المهنية للمحاسبين ، ولم تنفذها بعض الدوائر الحكومية ، ويعاتبني كثير من الزملاء المحاسبين ، وقلت إنتفت الحاجة لوجودي ، قال لي مدلول نصا وعلى إنفراد " الأخ هرمز .. الدولة التي تصدر قوانين وتشريعات ولا تنفذها أو لا تتمكن من تنفيذها لا تحترم نفسها " !! وبعد مدة سمعت أن السيد " المحنّة " أبعد من الحكومة وعين سفيرا في المغرب ثم طرد من الحزب وعرفت من إبنه أن الحزب أتعبه أي طرده أو...!!
هذا بالضبط ما أريد قوله في هذا المقال والذي قبله ، إن الحكومة ، التي تصدر قوانين وتشريعات سواء من رئيسها مباشرة أو بقرار مجلس الوزراء ،إما ان تصدرها للدعاية والإعلان لا للتنفيذ !!! أو تصدرها وتعرف مقدما أنها لا تتمكن من تنفيذها لسبب ما وكثيرا ما يتحجج رئيس الوزراء " بسبب المحاصصة "! فأنها لا تحترم نفسها ! والأجدر بها أن تنسجب أي تستقيل .وهذا ينطبق على الشعارات التي يطلقها أحد الأحزاب لا بقصد الإلتزام بها ، إما بسبب عدم تمكنه أو عدم إيمانه بها ، لا يحترم نفسه ذلك الشخص أو الحزب .
هكذا في الدول الديمقراطية والحكومات التي تحترم نفسها ، فتعرض أحيانا مشروعا أساسيا من برنامجها وتضعه أمام البرلمان مقابل إستقالتها فإذا لم توافق عليه أكثرية البرلمان إستقالت ، أما إذا وافقت أكثرية البرلمان تباشر الحكومة بتنفيذه بمتابعة من البرلمان وإذا فشلت بتنفيذه تستقيل فعلا وتجرى إنتخابات جديدة وهكذا .
إن التاريخ خير معلّم ، حتى قال أحد القادة " أن الذي يقرأ التاريخ قد لا يخطأ في السياسة "يتبــــع